سادسًا: تدشين عهد النبش في الحضارات القديمة السابقة على الإسلام، وإثارة النعرات الوطنية وروح الفخر بهذا الماضي الوثني، مع عد المسلمين ضمن الغزاة لمصر؛ فمن ذلك قولهم في أحد المنشورات الموجهة إلى الشعب المصري: «...وإن العلوم والصنائع والقراءة والكتابة التي يعرفها الناس في الدنيا أُخذت عن أجداد أهل مصر الأُوَل، ولكون قطر مصر بهذه الصفات طمعت الأمم في تملكه، فملكه أهل بابل وملكه اليونانيون والعرب والترك الآن...» (6) ، وهذا أحد أسباب بذل جهودهم المعروفة في التنقيب عن الآثار الفرعونية وإبرازها والاهتمام بها، ومن ضمن هذه الجهود تأسيس معهد الآثار الفرعونية.
سابعًا: ظهور الحملة الفرنسية بمظهر الدولة الحديثة من تنظيمات إدارية وعسكرية وعمران مدني، بل بمظهر الحرص على الرحمة والعدل بين الناس في بعض الأحيان، تلك المظاهر التي بَعُد عهد المسلمين بها في عهود تخلفهم وانحطاطهم، ففوجئوا بها تأتيهم على يد (الكفار) (7) .
ثامنًا: وفي مقابل ذلك: وضح استعراض الحملة لقوتها العسكرية وقدرتها العلمية؛ وذلك من خلال مظاهر البطش والتنكيل وإحراق القرى والبيوت وإذلال المسلمين الذي كان أبرز أحداثه اقتحامهم الأزهر بخيولهم وسكرهم وتغوُّطهم فيه، كما كانوا يتعمدون إظهار الفارق العلمي بينهم وبين المسلمين، وذلك بإجراء بعض التجارب الكيميائية والفيزيائية التي كان المسلمون يومها يحارون في تفسيرها (1) .
تاسعًا: حاول نابليون إيجاد قاعدة دعائية له ولمبادئه العلمانية التغريبية بإرسال (بعثات) إجبارية لبعض الأشخاص؛ ليشكلوا بعد عودتهم تيارًا يدعو إلى التغريب ويغير من تقاليد البلاد وعاداتها، كما عمل على غزو المسلمين اجتماعيًا باستخدام (الفن) والتمثيل، وقد ذكر ذلك صراحة في رسالة بعث بها بعد رحيله من مصر إلى خليفته كليبر، يقول في ختامها: «ستظهر السفن الحربية الفرنسية بلا ريب هذا الشتاء أمام الإسكندرية أو البرلُّس أو دمياط، يجب أن تبني برجًا في البرلس.
اجتهد في جمع (500) أو (600) شخص من المماليك، حتى متى لاحت السفن الفرنسية تقبض عليهم في القاهرة أو الأرياف وتسفِّرهم إلى فرنسا، وإذا لم تجد عددًا كافيًا من المماليك فاستعض عنهم برهائن من العرب أو مشايخ البلدان، فإذا ما وصل هؤلاء إلى فرنسا يُحجزون مدة سنة أو سنتين، يشاهدون في أثنائها عظمة الأمة (الفرنسية) ويعتادون على تقاليدنا ولغتنا، ولمَّا يعودون إلى مصر يكون لنا منهم حزب يضم إليه غيرهم.
كنتَ قد طلبتَ مرارًا جوقة تمثيلية، وسأهتم اهتمامًا خاصًا بإرسالها لك؛ لأنها ضرورية للجيش، وللبدء في تغيير تقاليد البلاد!» (2) ، ولكن يبدو أن مقتل كليبر على يد سليمان الحلبي وما تلاه من أحداث حال دون تنفيذ هذا المسعى.
هذه هي أهم ملامح الحملة الفرنسية على قلب العالم الإسلامي (مصر والشام) ، وقد ظلت هذه الملامح نفسها هي ملامح الحملات العلمانية (المحلية!) اللاحقة، ونلاحظ في نتائج هذه الملامح أنها ولَّدت الآثار المطلوبة لقيام العوامل المساعدة بدورها التفاعلي، فإذا كان الغزو الفكري المنظم لم يظهر بصورة كاملة، فإن الحملة حققت نجاحًا ملحوظًا في الغزو النفسي والاجتماعي للمسلمين، وهو ما أدى إلى هزيمة نفسية أمام الغرب لدى كثير من المسلمين، ومن ثم استعدادهم للتلقي عن هذا المنتصر (حضاريًا) ، فالحملة الفرنسية أطلقت قبل رحيلها رصاصة العلمانية والتغريب التي أصابت عقل الأمة بعد حين من هذا الرحيل، أو بعبارة أخرى: قلَّبت الأرض الهامدة وأثارتها حتى تهيأت لغرس البذور الفكرية الأولى للعلمانية والتغريب، وقد تولى من جاء بعد الحملة مهمة غرس هذه البذور ورعايتها ثم قطف ثمارها.
غرس البذور:
لم ترحل الحملة الفرنسية عن مصر مكتفية بتقليب الأرض الاجتماعية الإسلامية الهامدة، بل خلّفت وراءها بذورًا ملقَّحة فكريًا يمكن استنباتها في هذه الأرض، ويعد الشيخ حسن العطار (1190ـ1250هـ/1776ـ 1834م) نموذجًا لهذه الشريحة من المتأثرين فكريًا بالحملة، فقد اندمج إلى حد كبير في علوم الحملة الفرنسية وكثيرًا ما تغزل في أشعاره بأصدقائه منهم، كما إنه نقل عنهم علومهم، وفي الوقت نفسه تولى تعليمهم اللغة العربية، وهو الذي أطلق قولته الشهيرة: «إن بلادنا لا بد أن تتغير أحوالها ويتجدد بها من المعارف ما ليس فيها» (3) لذا: يعده العلمانيون المعاصرون «رائدًا من رواد النهضة؛ حيث تتلمذ على يديه جيل من الرواد كرفاعة الطهطاوي، ومحمد عياد الطنطاوي» (4) .
غير أن هذه البذور ما كانت لتنبت بغير رعاية لها، وهذا ما كان؛ فبعد خروج الحملة الفرنسية من مصر استطاع الجندي الألباني ـ تاجر الدخان سابقًا ـ محمد علي (1769م ـ 1849م/ 1183هـ ـ 1265هـ) الوثوب إلى رأس السلطة في مصر، وبعد أن اطمأن الحاكم الجديد إلى قوته ضرب العلماء بعضهم ببعض، وتخلص من خصومه المماليك (القوى الرجعية !) في مذبحة شهيرة سنة (1226هـ/1811م) .
وبعد أن قضى على القوى المناوئة له في الداخل والقوى المهددة له في الخارج تفرد بالحكم وتفرغ (للإصلاح) و (التحديث) ، وهما الاسمان اللذان استخدما مطية للعلمنة والتغريب!
ونقف هنا لنلاحظ:
\ أن تفوق أوروبا الحربي والصناعي ورغبة الشرق الإسلامي ـ وخاصة مصر وتركيا ـ في اللحاق بهذه القوة وهذا التقدم.. كان دائمًا وراء انفتاح كثير من بلاد المسلمين على الغرب ونظمه، بل وقيمه ومبادئه، وهذا ما دعا الإصلاحيين إلى استقدام الخبراء والمدرسين من أوروبا وابتعاث الطلاب المسلمين إليها، ولكن هؤلاء (المصلحين) لم ينتبهوا ـ أو ربما لم يكترثوا ـ إلى أن من العبث ـ كما يقول المؤرخ البريطاني الشهير أرنولد توينبي ـ: «من العبث القول بأن في وسع مجتمع إقامة جيشه على النمط الغربي، وترك جوانب حياته الأخرى تجري على ما كانت عليه... فإن الأمر لا يقتصر على جيش يقام على النمط الغربي ويدعمه العلم والصناعة والتعليم المقتبس من الغرب؛ ذلك لأن ضباط هذا الجيش أنفسهم يحصلون على أفكار لا تمت بصلة إلى مهاراتهم في فنهم، ولا سيما إذا ما ابتعثوا إلى الخارج ليحذقوا مهنتهم.
ويوضح تاريخ هذه البلاد الثلاثة [مصر وتركيا وروسيا] ظاهرة عجيبة، هي: قيام جماعات من ضباط الجيش بتزعم (ثورات تحريرية) » (1) .
\ أن البذور الأخرى المعاكسة للعلمانية والتغريب بدأت تغرس أيضًا في العالم الإسلامي في هذا الوقت المبكر، وإن لم تتضح هذه الهوية أو يلتفت إليها، فقضاء الدولة العثمانية ـ عن طريق محمد علي، القوة العلمانية الصاعدة ـ على الواقع الذي انبثق من دعوة الشيخ محمد ابن عبد الوهاب لم يقض على الدعوة نفسها؛ فصحيح أن دعوة الشيخ لم تكن من القوة أو الكبر بحيث تحتوي الأمة كلها احتواءً شاملًا، أو توقف انهيار الدولة العثمانية وتعيد الصعود بمدها، أو تواجه القوة العلمانية الصاعدة وتقضي عليها، إلا أنها أيضًا لم تكن من الضعف والصغر بحيث يقضى عليها بدون أن يبقى لها أثر على العالم الإسلامي وحركته الفكرية، بل لعل في القضاء عليها سياسيًا في هذا الطور أدى إلى عدم الانتباه إلى انتشار ما تدعو إليه في أنحاء كثير من العالم الإسلامي.