ولا شك أن مجرد وجود هذه العوامل والمؤثرات كان لا يعني حتمية نشوء العلمانية في العالم الإسلامي؛ ذلك أن في الإسلام ذاته وفي العالم الإسلامي في مجمله من القيم الأخرى الأصيلة والقوى المعادلة لهذه العوامل والمؤثرات ما يبطل ـ أو يضعف ـ أثر هذه العوامل، ولكن الحقيقة أيضًا أن هذه العوامل والمؤثرات شكلت ـ عندما انتشرت وتعاظمت ـ حالة يمكن أن نطلق عليها: (القابلية للعلمنة) ، شبيهة بتلك (القابلية للخضوع) التي قصدها الشيخ عبد الحميد بن باديس، والمفكر مالك بن نبي، والتي أطلقوا عليها: القابلية للاستعمار، إضافة إلى أن هذه العوامل مثلت ثغورًا نفذ منها العلمانيون إلى البناء الفكري الإسلامي.
وعلى ذلك: فإن هذه العوامل والمؤثرات رغم وجودها في مسيرة الأمة، إلا أنها لم تكن عناصر فاعلة إلا في القرنين الأخيرين؛ ذلك لأن العوامل المساعدة المنشطة التي تحث هذه العناصر على التفاعل لم تكن متوفرة بشكل كافٍ قبل ذلك، ومن أبرز هذه العوامل المساعدة: الهزيمة النفسية لدى المسلمين، وتوجه الغرب إلى الغزو الفكري مع (أو بدلًا من) الغزو العسكري الذي ثبت إخفاقه وحده عبر حروب صليبية طويلة.
ولكن كيف أثيرت هذه العوامل؟
يرى بعض الباحثين أن الشرارة الأولى لهذا التوجه الغربي الصليبي (الغزو بالفكر والقيم) اتقدت في ذهن لويس التاسع (1214م - 1270م/611هـ - 669هـ) ملك فرنسا وقائد آخر حملتين صليبيتين كبيرتين على العالم الإسلامي؛ فحينما هُزم في الحملة الصليبية السابعة، وأُسر بالمنصورة سنة 1250م (648هـ) (2) ، أتيحت له فرصة التأمل والتدبر، فوضع مخططًا من أربعة محاور لغزو جديد (سلمي) للعالم الإسلامي (3) .
وقد نشط هذا المخطط مجددًا بدءًا من عام (1082 هـ = 1671م) على يد الملك لويس الرابع عشر بواسطة وزيره الشهير (كولبير) الذي كلف بعض المعتمدين في الشرق بالبحث عن المخطوطات العربية (1) . يقول الدكتور محمود المقداد: «وقد تلقن الفرنسيون هذا الدرس القاسي باشتراكهم مع الأوروبيين الآخرين في هذه الحروب، وخلاصة هذا الدرس أن (الحملات المسيحية الأولى إلى الأرض المقدسة، وإلى مصر جاءت من غير خطة مدروسة جيدًا، ومن غير معرفة شيء عن أخلاق الشعوب التي ذهبوا لقتالها أو عن تسليحها) » ، ثم يقول: «وهكذا حاول الفرنسيون أن يتعرفوا أخلاق العرب والشرقيين وعاداتهم وتقاليدهم وما لهم من معارف وثقافات... ولهذا اتجه الغربيون عامة والفرنسيون خاصة إلى جمع أعداد من المخطوطات... وقد جُنِّد لهذا الغرض رهبان ومبشرون وتجار وجواسيس ودبلوماسيون وسفراء في العالم العربي والإسلامي ورحَّالة وسواح ومستعربون، كُلِّفوا خصيصًا بهذا العمل» (2) .
ففي أرض مصر إذن بدأ المخطط يدور في رأس لويس التاسع ملك فرنسا، وبعد أكثر من 500 عام، وعلى ثغر الإسكندرية من أرض مصر أيضًا نزل القائد الفرنسي نابليون بونابرت يُنفِّذ الحملة الفرنسية (علمانية العقل صليبية القلب) على العالم الإسلامي سنة (1213هـ/1798م) .
لم تستغرق هذه الحملة عسكريًا أكثر من ثلاث سنوات، ولكنها خلفت وراءها زلزالًا كبيرًا كانت أعدت له عدته، وكانت أحوال المسلمين مهيأة له؛ وأهم ملامح هذا الزلزال ما يلي:
أولًا: أنها ابتدئت بالتلبيس بادعاء تحلي نابليون وجنوده بحُلَّة الإسلام والمبادئ والأهداف السامية؛ فقد كان أول منشور لنابليون متصدرًا بما يلي: «بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله لا ولد له ولا شريك له في ملكه» ، وفيه أيضًا: « يا أيها المصريون، قد قيل لكم إنني ما نزلت بهذا الطرف إلا بقصد إزالة دينكم؛ فذلك كذب صريح فلا تصدقوه، وقولوا للمفترين: إنني ما قَدِمْت إليكم إلا لأخلِّص حقكم من يد الظالمين، وإنني أكثر من المماليك أعبد الله ـ سبحانه وتعالى ـ وأحترم نبيه والقرآن العظيم، وقولوا أيضًا لهم: إن جميع الناس متساوون عند الله، وإن الشيء الذي يفرقهم عن بعضهم هو (العقل) و (الفضائل) و (العلوم) فقط (!!) ... أيها المشايخ والقضاة والأئمة... قولوا لأمتكم إن الفرنساوية هم أيضًا مسلمون مخلصون، وإثبات ذلك أنهم قد نزلوا في رومية الكبرى وخرَّبوا كرسي البابا...» (3) .
لقد كان هذا الأسلوب خطًا ثابتًا في سياسة نابليون أينما حل؛ فقد كان يحرص في مثل هذه المسائل أن يستعمل دواءً من جنس الداء!، ولما كان نابليون يُشخِّص داء الشعب المصري في تدينه؛ حيث إن «الأفكار الدينية كانت على الدوام مسيطرة على الشعب المصري في شتى العصور» ... كان دواء هذا الداء عند نابليون هو استخدام «لقاح ضد الدين» ، فسياسة نابليون كانت قائمة على (ترويض) الدين لا مقاومته (4) ، وهذه السياسة ذات أبعاد خطيرة، وسيكون لها أثرها الذي لا يستهان به في آلية إدخال العلمانية والتغريب إلى العالم الإسلامي.
ولكنا نشير هنا إلى الثغرة التي حاول نابليون ورجال حملته استغلالها لاختراق الفكر والشعور الإسلامي، ألا وهي الفكر الإرجائي؛ إذ يبدو أن نابليون وقواده ـ وخاصة ساعده الأيمن (فينتور دي بارادي) الذي قضى أربعين سنة يتجول في العالم الإسلامي قبل أن يلتحق بالحملة (5) ـ كانوا يدركون جيدًا تأثير الفكر الإرجائي على مشاعر المسلمين ومواقفهم؛ ولذا: كانوا يستغلون رصيد انفصال القول (أو الشعارات) عن العمل بمهارة واطمئنان، وقد كانوا أيضًا ـ امتدادًا لهذه السياسة ـ حريصين على إنفاذ الحج وإقامة الموالد! وإظهار البهجة بأعياد المسلمين واحترام شعائرهم.
ثانيًا: بدء تنحية الشريعة وإحلال بعض التنظيمات والدواوين (مجالس الشورى) مكانها، وقد أسندوا معظم الدواوين إلى أناس غير علماء بالشريعة، بل إن بعضها كان يرأسه نصارى؛ فمن ذلك ما يحكيه الجبرتي: «شرعوا في ترتيب ديوان آخر وسمَّوْه محكمة القضايا، وكتبوا في شأن ذلك طومارًا [أي: وثيقة] وشرطوا فيه شروطًا ورتبوا فيه ستة أنفار من النصارى القبط، وستة أنفار من تجار (!) المسلمين، وجعلوا قاضيه الكبير ملطي القبطي... وفوضوا إليهم القضايا في أمور التجار والعامة والمواريث والدعاوى، وجعلوا لذلك الديوان قواعد وأركانًا من البدع السيئة...» (1) ، بل وصل الأمر إلى حد مناقشة النصارى الأقباط والفرنج للمشايخ في مدى صلاحية أحكام شرعية منصوص عليها في القرآن ومقارنتها بقوانينهم (2) .
ثالثًا: التوجه إلى تهميش القوى الإسلامية المناهضة للتبعية للغرب وتنحيتها، الذي تطور بعد ذلك إلى محاربة تلك القوى، كما وضح التوجه إلى تدجين بعض المشايخ واستمالة أصحاب النفوذ والتأثير بشد وثاق متين بينهم وبين الغرب وإدخالهم في نطاق التبعية لفرنسا، ومن الحوادث ذات الدلالة على ذلك: محاولة نابليون تقليد شيخ الأزهر ـ باعتباره رئيسًا للديوان ـ وشاحًا يحمل ألوان علم فرنسا ورَفْض شيخ الأزهر لذلك... (3) .
ومنذ ذلك الحين يحرصون على ألا يرقى الرئاسة إلا من يضع على صدره وسام الرضى الغربي!.
رابعًا: في مقابل ذلك: ظهر التوجه الواضح إلى إبراز دور النصارى والأقليات الدينية الأخرى وإعلاء قدرهم وإشراكهم في مراكز التأثير واتخاذ القرار بصورة ملحوظة، وأحداث الحملة الفرنسية زاخرة بالدلالة على ذلك (4) .
خامسًا: كما أشاعوا الفجور والتحلل الأخلاقي بواسطة نسائهم وبغاياهم، وشجعوا الفسقة وضعاف النفوس من المسلمين على الخوض فيه والتبجح به، وكان واضحًا حرصهم على إخراج المرأة المسلمة من إطارها المعتاد (5) .