فهرس الكتاب

الصفحة 2023 من 3028

يمكن القول: إن العلمانية إحدى الصور الفجة لانفصال السلطان عن القرآن الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم: «... ألا إن الكتاب والسلطان سيفترقان؛ فلا تفارقوا الكتاب...» (1) ، وقد بدأ هذا الانفصال التدريجي بشكل خافت بعد الخلافة الراشدة إثر انفصال أهل العلم والتقوى عن أهل السلطان والغلبة؛ حيث تغيرت معايير اختيار أصحاب السلطان، وإن بقي أهل العلم يمثلون مرجعية للأمَّة وفي كثير من الأحيان لأهل السلطان أنفسهم، ولكن هذا الانفصال لم يكن في مبدأ أمره انفصالًا عن الأفكار والتصورات والعلاقات والتشريعات الإسلامية بقدر ما كان انفصالًا بين (جهاز) التفكير و (جهاز) التنفيذ، وإن قُدِّر وحدث انحراف ما في التنفيذ فإنه كان يقع في دائرة الاجتهاد الخطأ أو الهوى والمعصية، ولكن لم يتعد إلى دائرة التصورات والأفكار وتغييرها بغية إيجاد مسوِّغ وتشريع لهذا الانحراف والتعدي كما هو حادث في العلمانية، أقول ذلك على الرغم من وجود بعض الفتاوى التي كانت تصدر أحيانًا من علماء السلطان لإيجاد مسوِّغ لمعاصيهم وتفلتهم من الأحكام الشرعية، ولكن المدقق يمكنه أن يرى أن هذه الفتاوى لم تكن أكثر من استخدام سيئ وبمهارة لأصول شرعية يُسلِّم المجتمع بمرجعيتها.

غير أننا لا نعدم أيضًا في بواكير (التراث الفكري الإسلامي) بعض الجذور العميقة لتصورات ومفاهيم منحرفة عن الإسلام الصحيح ساهمت إلى حد كبير في إخصاب الأرضية الفكرية التي عملت عليها العلمانية.

فمن ذلك: الأثر الذي تركته الفلسفة اليونانية والفارسية والهندية على فكر بعض الفرق ـ وخاصة المعتزلة ـ؛ حيث شاع عندهم تقديم العقل على النقل عند توهم تعارضهما، حتى عدُّوا ذلك أصلًا من أصول الاستدلال، فكانوا ينكرون ما يستطيعون من الأحاديث النبوية التي تتعارض مع المعقول ـ بحسب تصورهم لهذا المعقول ـ بدعوى عدم ثبوتها أو عدم حجيتها لكونها أحاديث آحاد لا تفيد اليقين، وهذه الفكرة ـ في أحد جوانبها ـ من شأنها تضييق نطاق النصوص الشرعية وما يستنبط منها لحساب توسيع مجال عمل العقل الذي أخذ يحتل مكانة النصوص في منهجية الاستدلال.

كما أخذوا يؤولون الآيات القرآنية ـ تأويلًا أيًا كان بُعْده ـ ليوافق أصولهم ومعارفهم العقلية التي عدُّوها يقينية، فكان استخدام هذا الأصل بقدر ما يُعلي من قيمة العقل البشري بقدر ما يحط من قوة الإيمان بالغيب وصفاء التسليم للشريعة.

ومن ذلك أيضًا: الأثر الذي تركه الفكر الإرجائي على تصور كثير من المسلمين لحقيقة الإيمان؛ فقد ابتدع المرجئة القول بخروج الأعمال من حقيقة الإيمان؛ وعليه: بات يُكتفى في الإيمان بتصديق وقول ـ على اختلافٍ بينهم ـ، ومن ثم: كثرت الأعمال التي لا تنسب إلى الإيمان، وهي تشمل الحياة كلها، وبتعبير آخر: اتسعت المساحة التي يمكن أن يتحرك فيها العصيان والتبديل والانحراف بأمان تاركًا الإيمان قابعًا في زاوية ضيقة تسمى القول، ثم تحول هذا القول على يد المرجئة الجدد إلى مجرد ألفاظ خالية من مدلولاتها ومعانيها.

ومما زاد من أثر آراء المرجئة على حياة الأمة: اندثار المرجئة الفرقة، وبقاؤها ـ بل وانتشارها ـ أفكارًا وآراءًا.

ثم كان للصوفية نصيب من هذا الإخصاب: إذ تعانق مع الفكر الإرجائي انحراف مفهومي (العبادة) و (القضاء والقدر) عند المتصوفة؛ حيث تحوَّل مفهوم الزهد الإيجابي الذي كان عليه السلف على يد المتصوفة إلى سلوك انسحابي أخذ شكل التفرغ (للعبادة) في مسجد أو زاوية أو خلوة أو حتى كهف، وأما من انصرف إلى معالجة شؤون الدنيا فقد كان ينظر إليه عند هؤلاء على أنه انصرف عن العبادة، وكما رأينا اضطراب العلاقة بين العقل والنقل عند المعتزلة الذي تطور لاحقًا عند (التنويريين) إلى اضطراب في العلاقة بين العلم والدين، نجد هنا ـ على يد المتصوفة ـ علاقة متنافرة غريبة بين الدين والدنيا، أو بين الآخرة والدنيا، فمن أراد الدين والآخرة فله المسجد لا شأن له بالدنيا، فلمن تترك هذه الدنيا؟!... يتصدى لها أهل الفساد والانحراف، ولا يكون ذلك مستهجنًا، كما لا يكون مستغربًا أن يُنظِّموا هذه الدنيا بمنأى عن الدين الذي ترك في خلوات العبادة وحلقات الفقه، وفي قول أو شعائر يؤديها الفرد المسلم، بل يتم التسليم بذلك الانحراف على أنه قضاء وقدر.

أضف إلى ذلك: أن ما روَّجه الصوفية عن الفَرْق بين الحقيقة والشريعة كان بابًا واسعًا للانسلاخ من الشرع والتفلت من الدين تحت مظلة ادِّعاء (الولاية) ، وقد كان هذا المفهوم مطية لتأويلات عديدة غير منضبطة بأصول شرعية أو لغوية أو عقلية.

ومن العوامل الفكرية التي ساهمت في إخصاب الأرضية التي قامت عليها العلمانية: الفصل الحاد بين (العبادات) و (المعاملات) الذي اقتضته (الأصول الفنية) للمنهجية العلمية التي قامت عليها الكتب الفقهية المتأخرة.

وكذلك بعض الآراء الأصولية الفقهية الشاذة أو الاستخدام السيئ لبعض الأصول والقواعد الفقهية، فلقد ناقش الفقهاء مسألة (نسخ القياس والإجماع للقرآن والسنة) وردُّوها (1) ، ولكن إثارتها من بعض العلماء ـ وإن كانوا قلة ـ يدل على استعداد فكري مبكر لتطويع الشريعة.

كما ساهم في ذلك: الانحراف عن ضوابط بعض الأصول والقواعد الفقهية، مثل: الخروج بالاستحسان والمصالح المرسلة من كونها المصالح الشرعية إلى المصالح التي يرتئيها المتنفذون حسب عقولهم وأهوائهم (1) ، ومثل الانحراف بنظرية العرف أو قاعدة (العادة محكَّمة) ليكون العرف والعادة هما الأصل الذي يُقدَّم على ما سواه.

ومن هذه العوامل: إغلاق باب الاجتهاد منذ أواخر القرن الرابع الهجري، هذا الإغلاق وإن كان دافعه حُسن النية حتى لا يدَّعي في دين الله من ليس أهلًا للنظر والاجتهاد، إلا أننا نلاحظ أن آثاره كانت عظيمة؛ فهو وإن كان فيه نوع من إعلاء لقدر عقول علماء السلف واجتهاداتهم، إلا أن فيه أيضًا نوعًا من الحَجْر على الكتاب والسنَّة، وتقليص المعاني والحكم المستنبطة منهما بما لا يتجاوز ما قاله هؤلاء العلماء الأجلاء، كما أن فيه أيضًا تصورًا خاطئًا عن طبيعة تطور الحياة الإنسانية؛ فمن منعوا الاجتهاد المطلق تصوروا أن من سبقهم من العلماء افترضوا وتخيلوا كل ما يمكن وقوعه من حوادث في حياة البشر ووضعوا لها الحلول والفتاوى الشرعية، وهذا وذاك أدى إلى مرضين خطيرين في الحياة الفكرية والفقهية لدى المسلمين، هما: التقليد وما يتبعه من تعصب، والجمود وما يتبعه من انغلاق وتحجر.

وفي عصر الدولة العثمانية ـ عندما تطورت الحياة أكثر ـ كانت الحاجة ملحة لإعادة فتح باب الاجتهاد، ولكن العلماء رفضوا ذلك ولم يُقدِّموا ـ في الوقت نفسه ـ الحلول البديلة أو يُبدوا الاستعداد لتهيئة من يكونون أهلًا لهذا الاجتهاد، عندها استغل رواد العلمانية الأوائل ومن يريدون الكيد بالأمة الفرصة وتقدموا هم بالبديل: التغريب والعلمانية.

حرث الأرض الهامدة:

لم يُفتح باب الاجتهاد، بل انكسر ليلج منه كل مدَّعٍ وصاحب هوى باسم (التجديد والإصلاح) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت