وهذا له أثره البالغ- خاصة- على أمة أنيطت بها أمانة القيادة والشهادة على العالم. (( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ... ) ) (البقرة 143) وتقديم الأسوة المبدعة والنموذج المشرق في شتى المجالات الحياتية والحضارية.. (( كنتم خير أمة أخرجت للناس ... ) ) (آل عمران 109) وهي تعيش في عصر تعددت فيه الثقافات والفكريات والأدبيات مستوى الترف والزيف و (الفولكلور) لترتقي إلى مستوى التخصصات العالية والتخطيط المحكم والمنهجية الهادفة .
والمتأمل في الواقع الثقافي في مجتمعاتنا العربية والإسلامية يجد أن الوضع جد قلق ? إذ ما تزال الثقافة في مجتمعاتنا كما يقول الدكتور علي الراعي تقبع في وضع قلق و ذليل . وتتوالى عليها المواقف الضارة واحدا بعد آخر .. بعضهم ينظر إليها على أنها ترف وتزيد يمكن الاستغناء عنهما .وبعضهم يراها سلعة بائتة لا تغل إيرادا لقاء ما يبذل لها من مال .. وبعضهم يعرفها على حقيقتها? صانعة للروح ومبدعة للعقل وحافزة إلى الرغبة في التغيير فيقفون منها موقفا عدائيا ويحاربون أصحابها بشتى السبل.. أحيانا تحت شعار"عقد المثقفين"أحيانا أخرى بحجة أن أبناء الوطن العربي المعاصر يحتاجون إلى الأمن قبل الرأي وثم ارتفع شعار"أهل الثقة وليس أهل الخبرة"الذي حجب عن المجتمع العربي خيرة العقول ودفع بها إلى الهجرة حيث تخدم غيره بكفاءة وتميز (2) . ومن ثم فسح المجال أمام القيادة الهشة والمستغربة لتتصدر منابر التوجيه والتلقين وتمسك بمقاليد التنظير والتثقيف.
وتأزم الواقع الثقافي ناتج في الحقيقة- عندي على الأقل- من أن المؤسسات الثقافية والإعلامية المهيمنة على الساحة والتي بيدها التوجيه والتخطيط والإرشاد تفتقر إلى فلسفة خاصة . أي تفتقر إلى مبادئ ومعتقدات وأسس واهتمامات ومثل وقيم نابعة من أصالتنا الإسلامية وانتمائنا الحضاري الإسلامي وتستهدف ترشيد الحركة الثقافية والفكرية وتوجيهها وجهة حضارية توحيدية .. تتناغم وطموحات الواقع الإسلامي.
وفي غياب مثل هذه الفلسفة من الطبيعي أن يتردى الوضع الثقافي ويضطرب المناخ الفكري ويمسي عالة على غيره متلهفا إلى التقاط نفايات الثقافات الأجنبية واصطياد بل واحتضان الوافد الفكري والفلسفي كيف ما كان ومن حيث جاء.
و إذا انتقلنا إلى تأمل الواقع التعليمي في العالم العربي والإسلامي وجدنا أن السياسة التعليمية والتربوية هنالك ليست بأحسن حظا من السياسة الثقافية فهي تمتاز بتناقضات في المضامين واضطراب في الأهداف واغتراب في المنهج والشكل . ولن اخذ على ذلك مثلا غياب وحدة الهدف من السياسات التعليمية والتربوية في البلدان العربية .. فبيتما نجد الهدف الاجتماعي الذي يرمي إلى تربية المواطن وإعداده لكي يعرف ما له من حقوق وما عليه من واجبات ويحترم الحقوق العامة والحريات ويتفاعل بروح إيجابية مع الآخرين.. يحتل 18 نقطة من جملة أهداف التربية في الأردن و 16 في الكويت نجده يقتصر على نقطة واحدة في المغرب وعلى 4 نقاط في تونس..
و إذا انتقلنا إلى الهدف الديني الرامي إلى إعداد الفرد ليكون مؤمنا وصالحا والى تحقيق الخلق القرآني في المسلم وتنمية الفكر الإسلامي المنهجي وتمكين العقيدة الإسلامية وترسيخها في نفسه ... فإننا نجد هذا الهدف ملغى من قائمة أهداف التربية والتعليم في بعض البلاد العربية بينما نجده يحتل 19 نقطة في بعضها الآخر.
وقس على ذلك جملة من الأهداف التربوية الأخرى كالهدف الوطني والهدف الجهادي والقومي والأيديولوجي...
فهذا الاضطراب في الأهداف لن يفرز إلا نماذج بشرية متنافرة لا تربط بينها غاية موحدة . وأنماطا من الإنسان العربي المسلم لا تجمع بينها إلا سمرة البشرة وتقارب الأسماء.
و إذا كان بعضهم ينفي- مجاملة أو مكرا- حصول مثل هذا الاضطراب وواقع هذا التردي في حياتنا الثقافية والتعليمية ومن ثم تراه يسعى حثيثا لطرح كل ما من شانه أن يضفي نوعا من الحياة والحركة والديناميكية على هذا الواقع فإن الغرب وهو- ذكي وماكر كما اعتقد ويقظ إلى ابعد حد- لا يخدع نفسه ومؤسساته بتجاهل هذا السقوط بل هو يعلم كل التفاصيل ويعد لكل ثغرة فيه ما يلائمها لصالحه طبعا ومن ثم راهن على تصدبر مذهبياته الهدامة وعقائده الملحدة ونفاياته الثقافية المائعة موقنا بأنها من أنجع الوسائل التي يجب أن يعتمدها في تنفيذ أغراضه الاستعمارية وتكميل أدواره العدوانية المتمثلة أساسا في إجهاض العالم الإسلامي وذلك بتذويب الذاتية الإسلامية وتمييع علاقة المسلمين بكتابهم ومن ثم وهذا هو الهدف الأكبر إقصاء الإسلام عن ساحة التوجيه والفعل والحركة...
وهذا التوجه الغربي الجديد نحو استعمار العقول بعد استعمار الأراضي وطمس ذاكرة الأمة بعد استلاب كنوزها وامتصاص عرق رجالاتها .. هذا التوجه لم يأت صدفة ولم يكن ارتجاليا بل جاء نتيجة دراسة وتحليل واستقراء للوضع العربي والإسلامي- المتخلف- وكان المستشرقون حداة القوم في هذا الأمر فهم الذين اخذوا على عاتقهم أو بالأصح وجدوا ليقوموا بدور الممهد للولوج إلى العقل المسلم.
فقد كانوا يدلون قومهم من خلال ما يدرسون ويبحثون ويكتبون عن كل ما يتصل بالإسلام والمسلمين عقيدة وتاريخا وثقافة وتراثا... على نقاط الضعف لدى المسلمين قصد الاعتماد عليها والولوج من خلالها إلى الحياة الإسلامية لتمييع مقوماتها وزلزلة بنيانها . ولعل اخطر ما تمخض عنه الفكر الاستشراقي في هذا المجال هو اقتراح المستشرق الهولندي"ستوك هوروغونجي"فقد اقترح هذا الأخير تشكيل تيارين رئيسيين هما التيار القومي والتيار الماركسي وطرحهما في ديار المسلمين لضرب قوتهم وتذويب فاعليتهم وتفتيت وحدتهم زاعما بأن التيار القومي كفيلا بإضعاف الحركة الإسلامية وأما التيار الماركسي فهو على حد تعبيره كفيل بنشر الفساد والإلحاد.
وجولة استقرائية لحياتنا المعاصرة وواقعنا الحاضر على طول عالمنا العربي والإسلامي تريك محصول هذا الاقتراح الخبيث.
ولعله من المناسب أن نعرج قليلا لتوضيح طبيعة المعركة بين العالم الإسلامي والعالم الغربي في العقود الأخيرة من هذا القرن .. يقول الأستاذ"محمود محمد شاكر" (..لم تكن المعركة في ميدان واحد بل كانت معركة في ميدانين .. ميدان الحرب وميدان الثقافة . ولم يلبث العالم الإسلامي أن ألقى السلاح في ميدان الحرب لأسباب معروفة أما ميدان الثقافة فقد بقيت المعركة فيه متتابعة ... وكانت هذه المعركة اخطر المعركتين أبعدهما أثرا أشدهما تقويضا للحياة الإسلامية والعقل الإسلامي .. وكان عدونا يعلم ما لا نعلم.. كان يعلم أن هذه المعركة هي معركته الفاصلة بيننا وبينه...) (4) .
ولو عدنا قليلا إلى التاريخ محاولين تفهم الأساس السيكولوجي لأقدم العلاقات بين العالمين الغربي والإسلامي لوجدنا أن ما يفكر الغربيون فيه ويشعرون به نحو الإسلام اليوم متأصل-على حد تعبير محمد أسد-في انفعالات وتأثيرات إنما ولدت في إبان الحروب الصليبية.. إن الأذى الذي جلبته الحروب الصليبية لم يقتصر على اصطدام استعملت فيه الأسلحة بل كان أولا وقبل كل شيء أذى عقليا نتج عنه تسمم العقل الغربي ضد العالم الإسلامي ... وقد يبدو من مفارقات التاريخ أي يظل هذا الحقد الغربي القديم ضد الإسلام قائما بطريقة لا شعورية في ومن خسر فيه الدين القسم الأكبر من تأثيره في مخيلة الغربي..