ثم إن نزع الآباء والأمهات لحالة العبودية الحقة لله تعالى ومن ثم تكاسلهم عن تحقيق تعاليم الدين وإقامة شرائعه التعبدية مع تعرية النفس من الرادع الأخلاقي لأمر خطير جدا.. فجل الأمهات تاركات للصلاة مضيعات لحقوق رب العالمين متبرجات بزينة فاضحة كذا الآباء في اغلبهم متقاعسون عن أداء الواجبات الدينية على الوجه المطلوب ... مشغولون بالكسب من حلاله وحرامه ملهوفون على الدنيا... كل هذا- طبعا- قد ضيع على الطفل- الضحية- كثيرا من فرص الاستقامة في حين نشطت وسائل أخرى خطيرة حتى بهتت شيم الحياء والعفة وذبلت مقومات الرجولة وركضت مكانها خصال ذميمة ملأت البر والبحر فسادا.. فاصبح ملء سمع الطفل خليط من شتم وفحش وقذف وملء بصره عري وتهتك وتخنث وملء فكره غموض وضباب ..يمزق أيامه بين ثغاء التلفزيون وخوار المذياع وجنون"البيك آب"حتى نما النشء المسكين في فراغ مفزع من الروحانية الحقة مما جعل القلوب تقسو والسلوك ينحرف والأخلاق تنهار.
الطفل والإعلام
إن الإعلام بوسائله وخاصة- التلفزيون- له جنون ذو فنون في دنيا الأطفال فقد اصبح هذا الجهاز المشاهد بمثابة المدرسة الأم الملقنة والموجهة.. المرغبة والمحذرة الآمرة والناهية... يأخذ الصغار منها اغلب تصرفاتهم وسلوكهم ويكيفون وفق تعاليمها حركاتهم وسكناتهم وينسجون على مثالها لباسهم الاجتماعي? جدهم وهزلهم..قفزهم وجريهم..بسماتهم وضحكاتهم.. حتى اصبح هذا الطفل -غواري- اللهجة وذاك الطفل -كلثومي- النغمة وهذا الثالث- شارلي- الحركات والقفزات وهذا الرابع- كلايي- اللكمات.
وبمرور الأيام وكما غرس التلفاز الأمريكي في الأجيال الأمريكية الأخيرة حب الجريمة وكما غرس التلفاز الأوروبي في نفوس مشاهديه من الأطفال والشباب الرذيلة والميوعة والتمرد وذلك بما يبثه في الحصص المتتابعة من مسلسلات وأفلام خليعة وحمراء في القتل والاغتصاب والتهور... فستدور الدائرة على النشء العربي المسلم إن دام الحال على ما هو...
فقد أجرى أحد الكتاب بعد محاولة اغتيال- ريجان- إحصائية ظهر منها أن الولايات المتحدة يقتل فيها بالرصاص فقط حوالي عشرة آلاف شخص في السنة الواحدة أي بمعدل ثلاثين جريمة قتل في اليوم الواحد والأغرب من هذا أن الكاتب نفسه وجد إحصائية أخرى تقول إن الشخص الأمريكي حين يبلغ السادسة عشرة من عمره يكون قد شاهد خمسة عشر ألف ساعة من أفلام القتل والعنف في السينما وبرامج التلفزة أي أن الشاب الأمريكي يبلغ سن المراهقة وقد رأى من الأفلام عن القتل والعنف والنسف والاغتصاب والاعتداء كمية تكفيه لأن يصبح متشبعا وربما مغريا ومثيرا.
ولقد بدأت انعكاسات البث المائع والمسلسلات الخليعة والأفلام الإجرامية تؤتي أكلها في نفسيات وسلوكيات هذا الجيل ونظرة منصفة في الصحف اليومية وما تنشره على صفحاتها الخاصة من القضايا والمحاكمات تبين لنا مدى هذا الارتكاس النكد ? مراودات في الشارع والحدائق والمحطات.. سرقات متقنة ومختلفة حسب الموضة المبثوثة على الشاشة.
وبعد....
هل نقف مكتوفي الأيدي تجاه كل هذا ؟؟؟
ما هي التدابير الناجعة التي يلزمنا اتخاذها كي ننقذ الطفولة البريئة من الانحلال والتفسخ الحضاري والتردي السلوكي والخلقي؟
أرى من الضروري التعجيل بتنفيذ الآتي ?
أولا ? تحصين الأسرة من"التغريب"مع رفض كل ما يفضي إلى سلوك مرتاب وخلق ذميم ومظهر مزر وإرجاع البيت إلى إطاره الإسلامي وإحياء التعاليم الإسلامية السامية حيث الأمومة الدافئة الصادقة بحنانها الفطري الشامل ورحمتها الحانية الشفيقة ولبنها الشافي المغذي وحيث الأبوة الواعية النصوحة المجاهدة والمغذية بالدرهم الحلال.
ثانيا ? تحقيق تعاليم الدين والخلق السامي من طرف الآباء والأمهات والأبناء حتى يشم الطفل أريج الربانية فينمو على الإيمان ويحيا على العبودية لله تعالى.
ثالثا ? إظهار القدوات الحسنة في البيت والشارع والمدرسة لكي يتأسى الطفل بالصالحين ويقتفي آثارهم وينسج على منوالهم.
رابعا ? إصلاح الإعلام جملة وتنقية ما يبث وينشر ويكتب ويشاهد ....
خامسا ? تدريب الطفل على تعلم الشعائر الدينية وحثه على تطبيقها فيؤمر بالصلاة والتدريب على الصيام والرياضات المناسبة ? السباحة وركوب الخيل واستعمال الأدوات النظيفة في اللعب.
عندئذ نستطيع أن نخرج جيلا طلائعيا رائدا كتلك النماذج السامية من أبناء الصحابة والصالحين.
قراءة في واقع العالم الإسلامي
شبابنا في وجه الإعصار الغربي
مدخل:
تجمع جل التقارير المرفوعة من داخل البلدان العربية والإسلامية إلى أجهزة الرصد الغربي للعالم الإسلامي... على تنامي عنصر الشباب في هذه البلدان والقوى العالمية الغاضبة والحاقدة في أعماقها على الإسلام والمسلمين يفزعها هذا التنامي ويرعبها أن ترى هذا العالم- المتخلف- يزخر- بمثل هذه الطاقات البشرية الشابة وذلك لما ترى فيها من الخطر المستقبلي على استراتيجيتها المهيمنة وسيادتها الاستعمارية ما لم تسارع جادة وحازمة بسد جميع المنافذ أمام هذا التدفق البشري وتجميع كل الوسائل المادية والأدبية المؤثرة ورصدها لخنق هذه الطاقات وتقليص فاعليتها وتهميش حركتها.
ولهذا تراها على اختلاف مشاربها شرقية كانت أم غربية شيوعية أم رأسمالية من أقصى اليمين أم من أقصى اليسار.. تحشد كل ما لديها من فكر ومكر وتقنية في إطار تخطيط محكم ودراسة دقيقة وشاملة حتى تتمكن من تدجين هذه الشبيبة الإسلامية وتوجيهها إلى غير صالح مجتمعاتها ورسالتها الحضارية والإنسانية .
الواقع الممهد?
ولقد مهد الواقع الموضوعي السياسي والثقافي والفكري والتربوي والاجتماعي المتردي في عمومه والمحتضن لهذه الشبيبة ... مهد للغرب وللقوى المتربصة سبل التنفيذ ومنح الأعداء فرصا مجانية لتمرير الخطط العدوانية المستهدفة أساسا ضرب الإسلام وتحطيم المسلمين.. وهذا ما عبر عنه المفكر المسلم مالك بن نبي رحمه الله بالقابلية للاستعمار... وهو ما يقود في نهاية المطاف إلى ما يسميه المهندس حسن فتحي ب"الاستعمار الذاتي"
ذلك ?"أن المتمعن في دراسة أحوال المجتمعات الإسلامية على اختلاف أمكنتها وأقطارها يلاحظ ما تعانيه هذه المجتمعات من مشاكل ثقافية واقتصادية واجتماعية وسياسية عديدة وهو إذا ما أطال التمعن والتفكير في هذه المشاكل فانه يجد أنها- على الرغم من تعددها وتنوعها- ترجع إلى أسباب أولية رئيسية قليلة نسبيا. يأتي في مقدمتها- في نظرنا- تخلي المسلمين عن التطبيق الكامل السليم لتعاليم دينهم وأحكامه في شؤون حياتهم كافة وتخلفهم الفكري والتربوي في حاضر حياتهم. (1) ."
ملامح الواقع الفكري والثقافي:
يكاد يجمع المهتمون بقضايا الشباب ومشكلاته في عالمنا الإسلامي- والعالم العربي جزء منه- على أن السواد الهائل من هذا الشباب يعيش أزمة توجيه فكري وثقافي ويعاني من درن الموارد التثقيفية ومن تلوث المادة التعليمية واضطرابها.
والأمة التي يعيش دماغها الاجتماعي ? اعني شبابها الواعي الطموح .مثل هذه الأزمة الحادة ويرزح تحت حملات التمييع الأدبي والتضليل الإعلامي والتشويه التاريخي... لن تستطيع إثبات ذاتيتها في خضم المعترك الحضاري ولن تقوى بالتالي على الصمود أمام إعصار القوى المضادة وما أكثرها وأشرسها على أمة الإسلام..