ولا أدل على علمنة الكنيسة من إعلان عدد من جماعات التنصير في أمريكا و هولندا وإيطاليا و السويد وألمانيا و الدانمارك و أسبانيا و إنجلترا رفضهم للوصايا العشر التي جاءت في شريعة موسى ، والتي تعد أهم دعائم النصرانية ، واعتبر بعضهم أن هذه الوصايا انتهت وانتهى زمانها [56] .
وفي المقابل ثبت لدى العلمانيين الغربيين حاجة الفرد إلى الكنيسة ؛ لأنه مفطور على التعلق بالله سبحانه وتعالى ؛ لا سيما بعد فُشُوِّ أمراض القلق والجنون والفصام وغيرها من الأمراض النفسية في الغرب ، وقد أدى كثير منها إلى الانتحار ، فباركت العلمانية تنازلات الكنيسة ، ولم تمانع من وجودها بعد فقد سلطانها لإشباعٍ روحيٍ زائف .
عولمة التنصير:
مما سبق نفهم تآزر القوى العلمانية مع العصابات الكنسية في عملية التنصير الضخمة التي قد شحن الغرب إمكانياته لإنجاحها . وبات من الواضح تحول الغرب من التنصير الفردي إلى التنصير الجماعي لسببين رئيسين:
1 -أن التنصير الفردي بطيء جدًا لا يتناسب وعصر السرعة ، ولا يتناسب مع اتساع رقعة العمل الفسيحة أمام المنصرين الذين يمكنهم الدخول إلى أي مكان ما دامت قوى الغرب السياسية تنفرد بالقرارات وتدير المنظمات الدولية .
2 -أن التنصير الفردي يؤدي إلى اقتلاع الفرد من بيئته ومجتمعه مما يجعله مشلول الإرادة ، منبوذًا من قومه مما يكون سببًا في رجوعه ، وإن بقي على نصرانيته يصبح عبئًا على الكنيسة التي نصّرته ، ولن يستطيع التأثير فيمن حوله .
والتنصير الجماعي يعني نقل أمة من الناس قبيلة أو قرية أو مدينة كاملة من الإسلام إلى النصرانية لكيلا يحس أحد منهم بالغربة ، والوسيلة لتحقيق ذلك هو استغلال الأزمات والكوارث ، وربما افتعالها من قِبَل مَنْ بأيديهم القرار السياسي والعسكري والاقتصادي للتدخل في بلد ما وإيجاد أزمة تخنق شعبه ، ومن ثم تقوم الهيئات والمنظمات التنصيرية بإكمال باقي المهمة بتنصير هذا الشعب الذي يعيش الأزمة ، وهذا ما نص عليه مؤتمر كولورادو التنصيري ؛ إذ جاء في إحدى فقراته:
( لا بد من وجود أزمات معينة ومشكلات وعوامل إعداد وتهيئة تدفع الناس أفرادًا وجماعات خارج حالة التوازن ، وفي غياب مثل هذه الأوضاع المهيئة فلن تكون هناك تحولات كبيرة إلى النصرانية ) [57] .
وليس هذا يعني بالضرورة التنسيق الكامل بين الدوائر العلمانية صاحبة القرار في الغرب وبين المنظمات التنصيرية حتى لا يقال: إن هذا من إفرازات فكر المؤامرة ولكنه تقاطع المصالح ؛ فالقوى السياسية والعسكرية والاقتصادية في الغرب تخنق شعوب العالم الثالث لإثبات القوة والغطرسة أو لنهب ثرواتها أو لتأديب من يرفض قوانينها الجائرة ، والهيئات التنصيرية تستغل فرص التجويع والإفقار والحصار لتقوم بأنشطتها التنصيرية ، ومن سيمنعها من ذلك إذا كانت الدولة المحاصَرة نفسها لم تستطع فك الحصار عن نفسها أو اختراقه فضلًا عن منع المنصرين من مد يد العون والمساعدة لشعبها المجوَّع المحاصر ؟ !
ولن يتوقف النصارى عند هذا الحد ؛ إذ صرحوا بلزوم التدخل في شؤون الدول التي فيها أقليات نصرانية بزعم حمايتها من اضطهاد المسلمين مع أن هذه الأقليات تحظى في بلاد المسلمين بما لا يحظى به المسلمون من الرعاية والتكريم بل والذلة لهم وتنفيذ مطالبهم وإظهار شعائر شركهم تحت قيادة الحكومات العلمانية ، ومع ذلك لم يرتض الغرب المنتصر هذه السيرة ولن ترضيه حتى يجعل الأقليات النصرانية حاكمة على المسلمين أو تنفصل عن الدولة لتشكل دولة نصرانية كما حصل في تيمور الشرقية وكما يريدون حصوله في جنوب السودان .
وفي زمن العولمة لن يستطيع أحد منعهم من التدخل في شؤون الدول الداخلية ؛ لأن القوة بأيديهم والمنظمات الدولية تأتمر بأمرهم ، وتصدر قراراتها على ضوء توجهاتهم ، ثم إذا منعتهم وصار قرارهم وتدخلهم فرديًا فمن سيعاقبهم ويحاصرهم ؟ ! وقد ضربت السودان و أفغانستان بقرار فردي لصرف الأنظار عن فضيحة جنسية ؛ فهل عوقب الضارب ؟ وهل حوصرت دولته ؟ !
حوارات الأديان خطوة تنصيرية:
كان غلاة الصوفية الأقدمون دعاة وحدة الوجود والاتحاد والحلول يرون صحة كل طريق يوصل إلى الله تعالى سواء أكان حقًا ( الإسلام ) أم باطلًا كاليهودية والنصرانية والوثنية وغيرها . وأجاز بعضهم التهود والتنصر ورجحه بعضهم على دين الإسلام وقد كشفهم شيخ الإسلام ابن تيمية ونقض باطلهم [58] .
وفي النصف الأول من القرن الرابع عشر الهجري بعثت هذه الدعوة وتبنتها الماسونية ، وأقنعت بها الأفغاني و محمد عبده الذي أسهم في تأليف جمعية في بيروت باسم ( جمعية التأليف والتقريب ) هدفها التقريب بين الأديان الثلاثة [59] .
وفي السنوات الأخيرة تبنى الفرنسي روجيه جارودي إحياء دعوة ( لويس ماسينون ) [60] المتمثلة في ربط الأديان التوحيدية الثلاثة بنفس الشبكة ، وذلك من خلال وصلها بالإيمان الإبراهيمي على اعتبار أن إبراهيم عليه السلام أبو الأنبياء ، وقد أفصح جارودي عن هذه الحقيقة بقوله: « لقد عرفت الإيمان الإبراهيمي عن طريق Kierkegaard واليوم أقوم بهذه المبادرة الحوار الإبراهيمي بالاشتراك مع أصدقائي اليهود والكاثوليك والبروتستانت ؛ فإني أتابع المسير بقصد تجميع الإيمان الإبراهيمي ، وما أجده اليوم في القرآن من أن إبراهيم هو أبو الأنبياء قد وجدته منذ عشرين عامًا » [61] وقد عقد جارودي العديد من المؤتمرات وأنشأ معهدًا لهذا الغرض في قرطبة الأندلسية وبيَّن أن لهذا المعهد توجهات عالمية لنشر نتاج الثقافات الثلاثة اليهودية والنصرانية والإسلامية وتعاليمها من خلال علاقة الإنسان بالإله والطبيعة والفرد وهو مركز دراسات لوحدة هذه الأديان [62] .
وللأسف فإن جارودي خدع بعض السذج من المسلمين وجمع منهم التبرعات لإنشاء هذا المعهد المشبوه ، وحصر إدارته في اليهود والنصارى زاعمًا السعي لنشر ثقافة الأديان الثلاثة ! !
وقبل عدة أشهر نشرت بعض الصحف الغربية أن مؤتمرًا للتقريب بين الأديان سوف يعقد تحت مظلة الأمم المتحدة وسيدعى إليه بابا الفاتيكان وممثلو مختلف الكنائس النصرانية وحاخامات اليهود إضافة إلى رؤساء كبار العلماء والمجامع الفقهية والبحوث الإسلامية ورئيس الأزهر وأئمة المساجد الثلاثة المكي والنبوي والأقصى .
والقصد معروف من هذه الدعوات التي تريد إذابة الإسلام في مناهج الذين كفروا ، وليست حوارًا حقيقيًا كما يظن المخدوعون يقوم على المناظرة وقرع الحجة بالحجة وإحقاق الحق وإبطال الباطل ، وذلك واضح في تقرير البروفيسور النصراني ( ديون كراوفورد ) الذي كتب تقريرًا مطولًا عن حوارات الأديان التي يتبناها النصارى وكان من ضمن ما كتب: « ينبغي أن تتحول العلاقة بين المسلمين والنصارى من علاقة المواجهة السابقة إلى علاقة حوار ، على ألا يؤدي هذا الحوار إلى المساومة على النصوص الإنجيلية من أجل تنمية الحوار ، وهذا ما لا يجوز ؛ فالحوار لا ينبغي أن يكون بديلًا عن التبشير بالإنجيل ، وعلى المسلمين أن يفهموا أن الحوار يستهدف كسبهم إلى صف النصارى ، وينبغي على النصارى أن يخالطوا المسلمين ويصادقوهم ، وأن يستغلوا ذلك في إزالة سوء الفهم الراسخ في أذهانهم تجاه الإنجيل و المسيح » [63] .
تنهبيات مهمة:
في ختام هذا العرض المختصر أنبه إلى أمور ثلاثة مهمة هي: