نتج عن الاستعمار بمرحلتيه آثار عظيمة لا زالت الأمة الإسلامية تعاني منها إلى اليوم ، ويمكن تقسيمها إلى قسمين:
القسم الأول: آثار دينية من ضعف الدعوة إلى الإسلام ونشره ، وانتشار البدع والمنكرات ، والجهل بأصول الإسلام ، وضعف الالتزام بأحكام الشريعة لدى كثير من المسلمين حتى صار الإسلام اسمًا فقط عند كثير من أبناء الشعوب المستعمرة ، وقد سلك المستعمرون في سبيل تحقيق ذلك طرقًا عدة منها:
1 -تقطيع العالم الإسلامي إلى دويلات صغيرة عقب إسقاط الخلافة العثمانية ، وقد سعى النصارى بكل ما أوتوا من قوة ومكر للقضاء على الدولة العثمانية ؛ لأنها مع ما فيها من فساد وضعف كانت الرباط الذي يربط أقصى العالم الإسلامي بأدناه ؛ ولذا فإنها لما سقطت سقطت معها هيبة المسلمين ، واستبيحت حرماتهم وامتهنت كرامتهم .
وكان مكر النصارى ومخططاتهم ضد الدولة العثمانية قديمًا ؛ ففي عام 792 هـ تكوَّن حلف صليبي مقدس من الصرب والبوشناق و المجر و بلغاريا ونصارى ألبانيا لقتال العثمانيين وإزالة دولتهم [43] ، وتكررت هذه التحالفات التي كانت تُخفِق مرة إثر مرة ؛ لكنها أضعفت الدولة العثمانية .
2 -تجفيف منابع العلم بأحكام الإسلام وشريعته ، وإضعاف دور العلماء والدعاة باحتوائهم ، وتصفية من تأبَّى على سياسة الاحتواء ، حتى صار من حاشية جنود الاستعمار وجلساء قادته أناس ينتسبون لأهل العلم .
3 -ممارسة التنصير ، وتبديل ثقافة الأمة بثقافة أخرى ليست لها ، وهذا يتضح من خلال خطاب الوزير الفرنسي ( صالغندي ) الذي ألقاه عام 1846م أمام جمع من الأطباء العسكريين في الجزائر ؛ ومن قوله: « مما لا شك فيه أن الحكومة الفرنسية تعترف لكم بجميل إخلاصكم في معاملتكم للجنود ؛ غير أن لكم مهمة أخرى أكثر أهمية ؛ أنتم مدعوون إلى القيام بها وهي مؤازرتكم بقسط كبير في العمل على إدخال حضارتنا في بيئة القبائل العربية والبربرية . إن تبشيركم سيكون ولا شك القادر على النجاح خلال السنوات المقبلة ؛ ومن جهتنا سنقوم بكل مجهوداتنا لنوفر لكم كل الظروف وسط المواطنين للعمل على نشر التعليم الطبي الذي سيصبح نافعًا في الوقت نفسه للإنسانية ولتثبيت قوتنا في هذا البلد » [44] .
وبقراءة هذا الخطاب يظهر أمامنا ثلاثة أمور أساسية:
أ - الارتباط الوثيق بين التنصير والاستعمار ، وأن للتنصير دورًا ثقافيًا إمبرياليًا .
ب - أشار الوزير إلى دور هؤلاء الأطباء في إدخال الحضارة الغربية في البنية العربية ولكن بإدخال الثقافة الاستعمارية وليس إيجابيات الحضارة الغربية ؛ بدليل أن الاستعمار الفرنسي للجزائر الذي زاد على ثلاثة قرون وثلث القرن لم تجنِ منه الجزائر إلا تخلف أبنائها ونهب خيراتها واستيطان أراضيها وإذلال شعبها .
ج - أن السلطات الاستعمارية كانت تدعم كل الجهود التي تساعد في التأثير الثقافي [45] .
وحتى بعد رحيل المستعمرين عن ديار الإسلام ظل التأثير الثقافي مسلطًا على الديار التي استعمروها عن طريق الجامعات الغربية كالجامعات الأمريكية في كثير من الدول العربية ، والمدارس الغربية كذلك ، وفي مصر وحدها أكثر من تسع مؤسسات تعليمية بين جامعة وكلية ومدرسة أمريكية وإنجليزية تمارس التنصير .
وكذلك عن طريق الأبناء العاقين لأمتهم المخلصين للغرب النصراني الذين درسوا في الغرب وتشربوا ثقافته ، ثم سُلِّموا وزارات التربية والثقافة في البلاد الإسلامية ، وأُعطوا المنابر الإعلامية ليقوموا بتشويه الثقافة الإسلامية ، والدعاية لثقافة المستعمرين ، والدعوة إلى الأخذ بها بخيرها وشرها ، وحلوها ومرها ... كما قال طه حسين ، وكما قال تركي الحمد: لا يمكن أن تأخذ السيارة ولا تأخذ ثقافتها أي: ثقافة صانعها .
وعن طريق النوادي الماسونية أيضًا والجمعيات الغربية من نسائية وغيرها التي أنشئت في العالم الإسلامي ويصلها كل الدعم المادي والمعنوي من المستعمرين .
4 -تغيير اللسان العربي الذي في بقائه وحفظه حفظ الإسلام ؛ إذ هو شعاره وبيانه [46] .
وقد رأينا فيما مضى كيف أن النصارى في الأندلس إبَّان تنصيرها منعوا التخاطب باللغة العربية ، وألزموا المسلمين بهجرها والتخاطب بلغة المستعمر .
وهكذا حصل في الاستعمار الحديث ؛ فالاستعمار الفرنسي في الجزائر ركَّز على تعليم الفرنسية ومنع الجزائريين من تعلم العربية ، وكان على الطفل الجزائري أن يتعلم الفرنسية بوصفها لغة قومية ؛ لأن الاستعمار كان يعتبر اللغة العربية لغة أجنبية في الجزائر العربية المسلمة [47] .
5 -نشر الفاحشة في المسلمين وذلك بإخراج المرأة من بيتها ، وإلقاء حجابها ، وخلطها بالرجال في ميادين الدراسة والعمل ، بل وإنشاء دور التمثيل والرقص والأزياء الفاضحة ، والمجلات الهابطة ، ومراكز إنتاج الأفلام والأغاني الخليعة ، والإشادة بالماجنين والفسقة والسوقة من أولاد المسلمين ورفع شأنهم في وسائل الإعلام المختلفة .
وفي مقابل ذلك تضييق سبل المحافظة على العفة والطهارة بانتقاد وربما منع الزواج المبكر ومنع تعدد الزوجات ، وإباحة الزنا قانونيًا كما في تونس وتركيا ، أو تضييق سبل الحلال وتوسيع سبل الحرام كما في كثير من الدول الإسلامية . وقد قال قائد من قادة الصليبيين: « لن تهزموا المسلمين بكثرة الجيوش ولا بقوتها ولكن ستهزمهم جيوش النساء ، وستهزمهم قوارير الخمر » [48] .
6 -إحياء النعرات القومية ( العربية ، الطورانية ، البربرية ... ) بقصد إضعاف الانتماء إلى الإسلام ، واستبداله بالانتماء إلى القطر أو الوطن أو القبيلة أو نحو ذلك .
يقول أحد المستشرقين: « إننا في كل بلد إسلامي دخلناه نبشنا الأرض لنحصل على تراث الحضارات القديمة قبل الإسلام ، ولسنا نعتقد بهذا أن المسلم سيترك دينه ، ولكن يكفينا منه تذبذب ولائه بين الإسلام وتلك الحضارات » [49] .
القسم الثاني: آثار دنيوية: وهي كثيرة ومنها:
1 -تفريق الأمة الواحدة وضرب الحدود الاستعمارية بينها ، ومن ثم التحريش بين الجار وجاره خدمة لمصالح المستعمرين ، في إرغام الدول المستعمَرة على توقيع اتفاقات الأمن والحماية التي بموجبها تمتص الدول الكبرى دول الاستعمار خيرات هذه الدول الضعيفة التي تخاف جيرانها .
2 -اغتصاب الأراضي الإسلامية ؛ فقد اغتصب الاستعمار الأندلس كاملة ، وأجزاءًا كبيرة من البلقان و روسيا البيضاء وأرض الجمهوريات الإسلامية و جبل طارق و الجولان وفلسطين وغيرها ، وأخيرًا تيمور الشرقية .
3 -التخلف الاقتصادي في البلاد المستعمَرة ، والاعتماد على وسائل الإنتاج البدائي كـ ( الزراعة ) والتدخل في العلاقات الاقتصادية ، وإقامة الحواجز الاقتصادية كالاحتكارات والمضاربات ونحوها .
4 -تكريس تبعية نظم البلدان المستعمرة الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية للدول الاستعمارية العظمى ونظمها .
5 -تغريب المواطن عن مشاكل شعبه ، وإيجاد نموذج من المثقفين العاجزين عن فهم هذه المشاكل فضلًا عن حلها وتسليمهم زمام القيادة ، كما أسهم الاستعمار ولا زال يسهم في حدوث القلاقل والثورات في المجتمعات الآمنة المستقرة خاصة عند رفضها لما تقرره السلطات الاستعمارية ، إضافة إلى شغل المثقفين والمفكرين عن هموم أمتهم بالدعوة إلى الذوبان في الأنظمة الاستعمارية .
6 -تكريس ما دُعي بالنخبوية الطبقية مع الحرص على اختيار نماذج من أبناء الطبقات الشعبية إخفاءًا للدور الحقيقي لمؤسسات الاستعمار الثقافي والإعلامي الموجودة في العالم الإسلامي .