فهرس الكتاب

الصفحة 2010 من 3028

كان هذا الاجتثاث والمحو لشعائر الإسلام أولًا ، ثم للشعارات والعادات التي تربط بين المسلمين كفيلًا بإنهاء مظاهر الإسلام في الأندلس إلى أن صدر الأمر الأخير بطرد العرب عام 1604م أي عام 1010هـ تقريبًا ، فرحل في سنتين عن أسبانيا نحو نصف مليون مسلم ، وطويت صحيفة الإسلام في شبه جزيرة الأندلس ؛ ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم [33] .

وقد تزامن مع تعذيب الأندلسيين على أيدي النصارى إرسال حملات صليبية إلى الشرق الإسلامي للقضاء عليه ، وقد استمرت هذه الحملات مائتي سنة تقريبًا من 489هـ إلى690هـ .

حروب الفرنجة أو الحملات الصليبية:

أطلق الغربيون على هذه الحروب في تواريخهم أسماءًا عدة منها: « الحج إلى الديار المقدسة » ، « الحرب في خدمة المسيح » ، « أعمال المسيحيين وراء البحار » ، « الحرب من أجل تحرير القبر المقدس » [34] .

وأما المؤرخون المسلمون كابن الجوزي وابن الأثير وابن كثير وغيرهم فكانوا يسمونها: « حروب الفرنجة » أو الإفرنج [*] .

وقد ذكر المحللون لها أسبابًا عدة وأهدافًا متنوعة كالانتقام من المسلمين والاستيلاء على ثرواتهم وإنعاش اقتصاد النصارى وغير ذلك ؛ ولكن المحرك الحقيقي والدافع الأكبر هو الهدف الديني ، وكانت الدوافع الأخرى سواء منها الاقتصادي أو الانتقام من المسلمين فهي محرك لفئات من النصارى كان لا يهمهم مقدساتهم في الشرق الإسلامي ، فاستخدمها مدبرو هذه الحملات ومسيروها لدفعهم إلى قتال المسلمين وحشد أكبر عدد ممكن لهذه الحملات . والعبرة في معرفة أسباب الحروب هو نظرة قادتها ومحركيها ومسعِّريها ؛ لأن الجيوش إنما تسير وتتوقف بهم ، أما عامة الناس فليس لهم من الأمر شيء . وقد استمرت الحملات الصليبية الكبرى قرنين من الزمان من حملة بطرس الناسك عام ( 489هـ ) إلى سقوط عكا وما بعدها في أيدي المسلمين عام ( 690 هـ ) ؛ وبسقوطها انتهت دولة النصارى اللاتينية في الشرق الإسلامي ، وبقي منهم باقية عاشوا تحت حكم المسلمين .

بعد سقوط عكا وانتهاء الحكم الصليبي في الشرق الإسلامي حاول البابا ( نيقولا الرابع ) تهييج النصارى في أوروبا بإلقاء المواعظ والخطب التي ذكرهم فيها بسقوط ممالك الصليب في الشرق الإسلامي ، وعقد المجامع الكنسية مناديًا بإعادة مملكة عكا وبيت المقدس ؛ لكن الأوروبيين تعبوا من تسيير حملاتهم إلى الشرق الإسلامي ، وأحسوا بحجم الخسائر التي لحقتهم من جراء ذلك على مدى قرنين من الزمن [35] .

ثم حاول النصارى الأرمن ومن بقي معهم من النصارى تحت الحكم الإسلامي في مصر والشام التحالف مع المغول وحصل ذلك لكنهم كُسروا غير مرة .

وتواصلت نداءات الباباوات في أوروبا لتسيير حملات أخرى إلى الشرق الإسلامي خاصة بعد أن تولى بنو عثمان الخلافة الإسلامية وقويت دولتهم وهددوا اليونان ومن خلفهم من الأوروبيين ، لكن هذه النداءات لم تجد سامعًا .

وشن القبارصة والأرمن وغيرهم من النصارى عدة غارات على المسلمين لكنها أخفقت ، وكانت آخر محاولاتهم عام 830هـ ؛ وانتصر عليهم المسلمون بقيادة الملك أبي النصر برسباي التركماني ؛ إذ كسر القبارصة وأسر ملكهم ( جانوس ) وخضعت قبرص للسلطنة المصرية الإسلامية ووضعت فيها حامية مصرية .

آثار الحروب الصليبية على المسلمين:

تركت الحروب الصليبية كثيرًا من الآثار السيئة على الأمة الإسلامية في الشرق كان منها:

1 -المذابح العظيمة التي لحقت بالمسلمين من جراء تلك الحملات ، وفي الحملة الأولى أباد النصارى أهل أنطاكية ، وذبحوا في القدس أكثر من سبعين ألفًا [36] ، وكم أعطى النصارى الأمان لأهل البلاد التي يحاصرونها ثم يغدرون بهم بعد التسليم ويبيدونهم كما فعل ريتشارد ( قلب الأسد ) غير مرة .

2 -تخريب كثير من بلاد الشرق الإسلامي وتهجير أهلها منها ، فقد خُربت حمص و بعلبك و حماة و عسقلان و قنسرين و طبرية وغيرها ، واضطر المسلمون أن يخربوا مدنهم بأيديهم أثناء الحصار حتى لا يستفيد منها الصليبيون ، ولعلهم بعد التخريب لا يستوطنونها [37] .

3 -تشريد كثير من المسلمين من بيوتهم ، لأن هدف الصليبيين كان هدفًا استيطانيًا ، فهم يفرغون المدن التي يستولون عليها من أهلها ، ومن ثمَّ لا مأوى لأهلها المشردين .

4 -مهدت الحروب الصليبية لحركات الاستعمار الذي لا زال المسلمون يعانون من آثاره ويرزحون تحت نيره ؛ ذلك أن الصليبيين وخلال مائتي عام من تسيير الحملات الكثيرة التي كان أكبرها ثماني حملات اقتنعوا أن الشرق الإسلامي لا يمكن كسره عسكريًا ؛ إذ إن روح الجهاد التي تُبعث مع كل اعتداء عليه كفيلة بدحر أي قوة ، وهزيمة أقوى جيش مما جعل النصارى يلجؤون إلى أساليب أخرى من الغزو تمثلت في الغزو الفكري ، والهيمنة الاقتصادية ، وتفريق المسلمين والتحريش فيما بينهم .

يقول ( Kigk ) : إن الحروب الصليبية فتحت أذهان الغربيين إلى مستوى الحضارة في الشرق الأوسط ، ذلك المستوى الذي كان يفوق بكثير حضارة الغرب ، ومع تفتيح أذهان الغربيين اتجه هؤلاء إلى غزو الشرق فكريًا بعد أن عجزوا عن غزوه عسكريًا .

يقول ( Oman ) : إن هذه الحروب يعني الصليبية وضعت نواة الاستشراق إذ اتجه الرهبان لدراسة اللغة العربية والفكر الإسلامي لمعرفة اتجاهات المسلمين في مختلف الشؤون ، وقد أُسست كلية للرهبان عام 1276م في ( ميراما ) لدراسة اللغة العربية والعلوم الإسلامية ، كما أنشئت الكراسي للُّغات الشرقية في باريس و لوفان » [38] .

ولجأ النصارى إلى التنصير بين المسلمين عن طريق الإرساليات التنصيرية بعد أن ثبت إخفاقهم في المعارك الحربية ، ومن مؤسساتهم لنجاح التنصير مدارس « الفرنسيسكان » المنسوبة إلى القديس فرنسيس ، و « الدومنيكان » المنسوبة إلى القديس دومنيك في أوائل القرن الثالث عشر الميلادي في سوريا ، وكان المنصِّر يُعَدُّ لهذه المهمة قبل أن يرسَل لمباشرتها . ومن أهم وسائل إعداده تعلُّمه اللغة العربية ، وشيئًا من الدراسات الإسلامية ؛ وذلك هو الدستور الذي لا يزال سائدًا حتى الآن [39] .

مشاريع التنصير:

وطبقًا لإحدى الدراسات التنصيرية فإنه ينشط في أنحاء العالم الآن 387 مشروع تنصيري عالمي . و 254 مشروع منها تحرز التقدم والنتائج المرجوة ويعتبر 254 مشروع من هذه المشاريع مشاريع واسعة النطاق وهي التي ينفق كل واحد منها على العمل التنصيري عشرة آلاف ساعة عمل أو أكثر من عشرة ملايين دولار سنويًا على مدى عشر سنوات .

و 33 مشروعًا من هذه المشاريع هي ما توصف بـ ( المشاريع الضخمة ) وهي التي ينفق كل واحد منها مائة ألف ساعة عمل أو مائة مليون دولار سنويًا أو ألف مليون دولار عبر عمرها ، وأكبر هذه المشاريع الضخمة ينفق الآن 550 مليون دولار سنويًا على أنشطتها التنصيرية في أنحاء العالم .

أموال التنصير:

من المعروف أن الكنيسة تمتعت دائمًا بمصادر ضخمة . ولكنها لم تحسن استخدامها دائمًا . ومن ذلك أن مشروعًا تنصيريًا معينًا جمع له 336 مليون دولار سنة 1918م ولكنه انهار خلال أسبوع واحد من قيامه ، كما أن مشروعًا ضخمًا آخر للتنصير جًمِعَ له مبلغ 150 مليون دولار في الولايات المتحدة ثم أنهار فجأة سنة 1988م نتيجة فضيحة أخلاقية وإدارية تتعلق ببعض كبار المنصرين ، والإشارة هنا إلى القسين الأمريكيين ( باكير ) و ( جيمي سواغارت ) قائدي منظمة مجالس الله .

-البيان -

قوة المال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت