فهرس الكتاب

الصفحة 2009 من 3028

1 -كانت بداية التنصير في الأندلس في عام ( 905هـ ) على شكل مواعظ نصرانية تلقى على المسلمين يلقيها الأساقفة والقادة يدعونهم فيها إلى انتحال النصرانية محاولين إقناعهم أن آباءهم كانوا نصارى [25] . وقد أثَّرت هذه المواعظ في بعض وزراء المسلمين وأمرائهم سواء كان هذا التأثر عن قناعة أم كان عن غير قناعة لحفظ الأموال والضياع والمزارع ، وتبعهم جمع من عامة الناس تأثرًا بهم وبمراكزهم القيادية .

2 -الترغيب في النصرانية بالمتاع الدنيوي: فبعد عام تقريبًا أي في عام 906 هـ صدر مرسوم كاثوليكي إلى المسلمين القاطنين في مدينة بسطة ، بإقالة الذين تنصروا منهم أو يتنصرون من جميع الفروض والمغارم التي فرضت على الموريسكيين [*] ، وتحريرهم منها سواء بالنسبة لأنفسهم أو منازلهم وأموالهم الثابتة والمنقولة من يوم التنصير ، وألا يدخل أحد منازلهم ضد إرادتهم ، ومن فعل عوقب بغرامة فادحة ، وأن يُعفَوْا من سائر الذنوب التي ارتكبت ضد خدمة العرش ، وأن تحترم جميع العقود والمحررات التي كتبت بالعربية ، وصادق عليها فقهاؤهم وقضاتهم ، وأن يعامل المتنصرون منهم كسائر النصارى الآخرين في بسطة ، ولهم أن ينتقلوا وأن يعيشوا في أي مكان آخر من أراضي قشتالة دون قيد أو عائق ، إلى غير ذلك من المنح والامتيازات [26] .

3 -اعتبار أن أطفال المسلمين نصارى وإجراء أحكام النصرانية عليهم ولو لم يتنصر والدوهم ، فأخذوا يعمّدون أبناء المسلمين بالقوة مدعين أن العرب في الأصل كانوا نصارى [27] .

4 -تخيير المسلمين بين الدخول في النصرانية أو الخروج من الأندلس ؛ ففي عام 907هـ أصدر فرناندو وزوجته إيسابيلا أمرًا ملكيًا يتلخص في أنه لما كان الله قد اختارهما لتطهير مملكة غرناطة من الكفرة فإنه يحظر وجود المسلمين فيها ؛ فإذا كان بها بعضهم فإنه يحظر عليهم أن يتصلوا بغيرهم خوفًا من أن يتأخر تنصيرهم ، كما يحظر اتصالهم بمن تنصروا لئلا يفسدوا دينهم ، ويعاقب المخالفون بالموت أو مصادرة الأموال . وأرسل المسلمون رسالة إلى سلطان مصر آنذاك يصفون إكراههم على النصرانية ، لكن ملك النصارى أرسل وفدًا إليه يطمئنه بحسن أحوال المسلمين في الأندلس مما كان من أسباب عدم نجدة المسلمين .

وقد واجه بعض المسلمين هذا الظلم والقهر بالتجمع في الجبال والإغارة على النصارى ، فأصدر النصارى قانونًا يحرم على المسلمين إحراز السلاح علنًا أو سرًا ، وينص القانون على معاقبة المخالفين لأول مرة بالحبس والمصادرة ، ثم بالموت بعد ذلك . وقد تكرر صدور هذا القانون عدة مرات وفي أرجاء مختلفة من بلاد الأندلس ، وكان يطبق بصرامة وحزم .

ولم يسلم من تنصر من المسلمين ؛ فحظر عليهم حيازة السلاح أيضًا كما حرِّم عليهم أن يبيعوا أملاكهم إلا بترخيص من السلطات النصرانية ، ومن تجاوز هذه القوانين عوقب بالموت ومصادرة أملاكه ؛ لأنه ثبت لدى النصارى كما في نص المرسوم أن كثيرًا من المتنصرين يبيعون أملاكهم ويحصلون على أثمانها ثم يعبرون إلى المغرب وهنالك يعودون إلى الإسلام [28] .

وكان المسلمون سرًا المتنصرون علانية يرفعون الصلبان فوق منازلهم وأكواخهم إيهامًا بأنهم نصارى وأملًا في أن لا يكشف أمرهم ، لكن الحكومة النصرانية كان عندها جداول بأسمائهم فلم تنفعهم هذه الحيل كلها ، وكانت صفة إجلائهم مؤلمة جدًا فمنهم من دفعه اليأس إلى تخريب منزله أو إضرام النار فيه وفي كل ما يملك ، ومنهم من كان يصل به القنوط إلى قتل أولاده ثم الانتحار والعياذ بالله . وكثير منهم ماتوا من الجوع والأمراض والجزع [29] .

5 -تنصير المسلمين بالقوة: كانت فترة التخيير بين الدخول في النصرانية أو الخروج من الأندلس فترة عصيبة جدًا على المسلمين ، وتنصر كثير منهم ، وخرج من الأندلس كثيرون لكن القانون لم يطبق بحزم ، وفي عام 930هـ صدر مرسوم جديد يحتم تنصير كل مسلم بقي على دينه ، وإخراج كل من أبى النصرانية من أسبانيا ، وأن يعاقب كل مسلم أبى التنصير أو الخروج في المهلة الممنوحة بالرق مدى الحياة ، وأن تحول جميع المساجد الباقية إلى كنائس .

لم يرتضِ المسلمون هذا الظلم فرفعوا مظلمتهم إلى إمبراطور النصارى ؛ فشكَّل محكمة كبرى من النواب والأحبار والقادة وقضاة التحقيق للنظر فيما ادعاه المسلمون من أنهم يُنصَّرون بالقوة والإكراه . وقررت هذه المحكمة أن إكراههم على النصرانية صحيح ، وأنه ملزم لهم بدخول النصرانية على اعتبار أنهم يفرون بالدخول في النصرانية من خطر الموت أو الطرد أو الرق ومصادرة الأملاك .

وقد علق على هذا الحكم الجائر غربي نصراني بقوله: « وهكذا اعتبر التنصير الذي فرضه القوي على الضعيف ، والظافر على المغلوب والسيد على العبد ، منشأ لصفة لا يمكن لإرادة معارضة أن تزيلها .

وإثر هذا الحكم صدر أمر ملكي بأن يرغم سائر المسلمين الذين نُصِّروا كرهًا على البقاء في أسبانيا باعتبارهم نصارى ، وأن ينصَّر أولادهم ؛ فإن ارتدوا عن النصرانية قضي عليهم بالموت والمصادرة . كما قضي بأن تحول جميع المساجد الباقية في الحال إلى كنائس » [30] .

وقام ديوان التحقيق محاكم التفتيش بمهمة ملاحقة المتنصرين ومراقبة سلوكهم بقصد حماية عقيدة الكاثوليك من ارتداد الناس عنها ، وكذلك إجبار غير الكاثوليك على التدين بها وهو ما يسمى في كتب الغربيين بالكثلكة .

وقد حاول المتنصرون من اليهود والمسلمين الهرب من بطش رجال ديوان التحقيق وذلك بالتخفي في الجبال وفي ضياع الأشراف ، فصدرت الأوامر الملكية بتسليم الهاربين إلى ديوان التحقيق ، وهُدد الأشراف بفقد وظائفهم والنفي من الكنيسة إذا لم ينفذوا الأوامر مما كان سببًا في بث الرعب والذعر في صفوف المتنصرين ، فحاولوا الهرب من الأندلس كلها عبر شواطئ البحار والأنهار ، فأصدرت الحكومة النصرانية قرارًا يحرِّم على ربان أية سفينة وأي تاجر أن ينقل معه نصرانيًا محدَثًا دون ترخيص خاص [31] .

6 -محو شعارات المسلمين وعاداتهم بعد محو شعائر الإسلام: قام مندوبو ديوان التحقيق بمراقبة المتنصرين في شعائرهم لضمان انتمائهم للدين الكاثوليكي ، ثم أُصدر قانونٌ يحرم استعمال الشعارات الإسلامية مثل اللغة العربية ، وارتداء الثياب العربية على هؤلاء المتنصرين ، ومنع نسائهم من الحجاب وإلزامهن بلبس المعطف والقبعات كما يفعل نساء النصارى ، وأن تكون احتفالاتهم مطابقة لعرف الكنيسة ، ويجب أن تفتح المنازل أثناء الاحتفال وأيام الجمعة والأعياد الإسلامية ليستطيع القسيس ورجال السلطة أن يروا ما يقع بداخلها من المظاهر والرسوم ، كما حرموا على النساء الخضاب بالحناء ، وحرَّموا استعمال الأسماء والألقاب العربية .

ويعتبرون المتنصِّر قد عاد إلى الإسلام إذا امتدح دين محمد أو قال: إن يسوع المسيح ليس إلهًا وليس إلا رسولًا ، ويجب على كل نصراني أن يبلِّغ عما يرى ويسمع من ذلك ، كما يجب عليه أن يبلِّغ إذا رأى أحد المتنصرين يباشر بعض العادات الإسلامية ، ومنها أن يأكل اللحم يوم الجمعة ، أو يحتفل بارتداء ثياب أنظف من العادة ، أو يصوم رمضان ويتصدق خلاله ولا يأكل ولا يشرب إلا عند الغروب ، أو يتناول الطعام قبل الفجر ، أو يمتنع عن أكل لحم الخنزير وشرب الخمر ، أو يتوضأ ويصلي نحو الشرق ويركع ويسجد ، أو يملِّس بيديه على رؤوس أولاده ، أو يغسل الموتى ويكفنهم أو يدفنهم في أرض بِكْر [32] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت