وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « ثلاثة يؤتَوْن أجرهم مرتين .. » وذكر منهم: « ومؤمن أهل الكتاب الذي كان مؤمنًا ، ثم آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم فله أجران » [13] .
القسم الثاني: لم يؤمنوا به وهم فريقان:
1 -فريق خضعوا لسلطان الإسلام قبل القتال ، وصالحوا النبي صلى الله عليه وسلم ودفعوا الجزية ، فكانوا من أهل الذمة ؛ ومن هذا الفريق: نصارى نجران ، ونصارى دومة الجندل .
2 -الفريق الثاني: لم يخضعوا لسلطان الإسلام ، وقاتلوا المسلمين ، وهؤلاء خرج النبي صلى الله عليه وسلم لقتالهم ، وأرسل السرايا إليهم ؛ ومن هؤلاء: نصارى مؤتة ، ونصارى تبوك .
الحرب بين المسلمين والنصارى:
إن أول مواجهة قتالية بين المسلمين والنصارى كانت في مؤتة ، ثم عزم النبي صلى الله عليه وسلم على مواجهتهم في تبوك لكن الله تعالى لم يقدِّر قتالًا ، ثم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم سارت الجيوش الإسلامية في عهد الخلفاء الراشدين ثم في العهديْن الأموي والعباسي ، فكانت المعارك الكبرى في الشام وغيرها: أجنادين ، واليرموك التي أزالت النفوذ البيزنطي النصراني عن كامل بلاد الشام ، وودَّع هرقل سوريا وداعًا لا لقاء بعده [14] ، ودخل المسلمون بيت المقدس عام 15 هـ ، وتسلَّم مفاتيحها عمر رضي الله عنه وكتب كتابًا فرض عليهم فيه الجزية ، وحفظ لهم حقوقهم ، وأوفى شروطهم ؛ لأنها فتحت صلحًا على الصحيح [15] .
واستمرت الفتوح حتى توغل المسلمون في أوروبا ففتحوا الأندلس وأزالوا حكم القوط النصارى عنها ، ووصلت جيوشهم إلى وسط فرنسا ، واستولى المسلمون على معظم جزر البحر المتوسط من رودس إلى صقلية وجنوب شبه جزيرة إيطاليا ، وحاصروا رومية ( روما ) مركز البابوية الكاثوليكية ، و القسطنطينية قاعدة الأرثوذكسية ، ولم يكن للمسلمين غاية سوى أن تكون كلمة الله هي العليا ويكون الدين كله لله ، ولذا لم يقف أمامهم جيش ولم تستعص عليهم مدينة ، وكأنهم يريدون تحقيق البشارة النبوية بفتح روما والقسطنطينية . وكاد المسلمون أن يفتحوا أوروبا كلها بما فيها روما لولا أن الله تعالى قدَّر هزيمتهم في معركة بلاط الشهداء التي تسمى في كتب الغربيين ( تور بواتييه ) نسبة إلى موقعها وكانت عام 114هـ الموافق 732م ؛ حيث قاد المسلمين فيها عبد الرحمن الغافقي رحمه الله تعالى وقاد النصارى شارل مارتل الذي يعتبره النصارى أعظم قائد أنقذ أوروبا من سقوطها في أيدي المسلمين ، وكان سبب هزيمة المسلمين فيها الانشغال بالغنائم فيما ذكره المؤرخون [16] .
تنصير الأندلس:
يذكر المؤرخون أن ابتداء أمر النصارى مع المسلمين كان من الأندلس ، ثم سيَّروا حملات للشرق الإسلامي ؛ لتكون الهجمات على المسلمين في الأندلس وفي الشرق . قال ابن الأثير: كان ابتداء ظهور دولة الفرنج واشتداد أمرهم وخروجهم إلى بلاد المسلمين واستيلائهم على بعضها سنة 478هـ ، فملكوا مدينة طليطلة وغيرها من بلاد الأندلس ، ثم قصدوا سنة 484هـ جزيرة صقلية وملكوها ؛ فلما كانت سنة 490 هـ خرجوا إلى بلاد الشام [17] .
فانطلاقة النصارى كانت من بلاد الأندلس لما رأوا انتصاراتهم فيها ، وبقي فيها منهم جيوش تقاتل مَنْ بقي من المسلمين ، وجيوش أخرى انطلقت من أوروبا إلى الشرق الإسلامي .
وقد سجل المؤرخون ما عمله النصارى من عظائم في حق مسلمي الأندلس ؛ فقد أرادوا سحق الإسلام فيها ، ونكثوا العهود التي عاهدوا المسلمين عليها حتى قال مؤرخ أسباني في ذلك العصر: « إنه منذ استولى فرناندو على غرناطة كان الأحبار يطلبون إليه بإلحاح أن يعمل على سحق طائفة محمد من أسبانيا ، وأن يطلب إلى المسلمين الذين يودون البقاء إما التنصير ، أو بيع أملاكهم والعبور إلى المغرب ، وأنه ليس في ذلك خرق للعهود المقطوعة لهم بل فيه إنقاذ لأرواحهم ، وحفظ لسلام المملكة ؛ لأنه من المستحيل أن يعيش المسلمون في صفاء وسلام مع النصارى ، أو يحافظوا على ولائهم للملوك ما بقوا على الإسلام ، وهو يحثهم على مقت النصارى أعداء دينهم » [18] .
ومع تزايد الضغوط التي يقوم بها رجال الدين النصراني على الساسة بلزوم الضغط على المسلمين وعدم الوفاء لهم فإن الساسة خضعوا لتلك الضغوط ، وربما وافقت هوى في نفوسهم فعمدوا إلى سياسة المراوغة في الوفاء وتحوير العهود والنصوص التي تضمنتها معاهدة تسليم غرناطة بما يوافق هوى النصارى ، وتفسيرها بطريق التعسف والتحكم ثم خرقها نصًا نصًا [19] ، واستلاب الحقوق والضمانات الممنوحة تباعًا ، فأغلقت المساجد ، وحظر على المسلمين إقامة شعائرهم ، وانتهكت عقائدهم وشريعتهم [20] .
وفي عام 905 هـ عزم النصارى في الأندلس على تنصير المسلمين ، فجمعوا فقهاء غرناطة ودعوهم إلى التنصُّر ، وأغدقوا عليهم التحف والهدايا ، فتنصَّر بعضهم والعياذ بالله وتبعهم جماعة من مقلديهم من عامة المسلمين ، وقبلهم تنصَّر جماعة من الأمراء والوزراء والأعيان خوفًا على أملاكهم ، فباعوا دينهم بدنياهم ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم .
وقد تمركزت حركة التنصير في غرناطة وبالأخص في حي البيّازين ؛ إذ حُوِّل مسجده في الحال إلى كنيسة سميت باسم ( سان سلبادور ) لينتشر التنصير بعد ذلك في سائر بلاد الفردوس المفقود [21] .
لم يكتف النصارى بذلك بل أرادوا محو أثر الإسلام من الأندلس ، فأقدم الكردينال خمنيس على جمع ما يستطاع جمعه من الكتب العربية من أهالي غرناطة وأرباضها ، ونظمت أكداسًا هائلة في ميدان الرملة وأضرمت فيها النيران ، ولم يستثن منها سوى ثلاثمائة من كتب الطب والعلوم . ثم أمر خمنيس بإبادة كتب العرب من بلاد أسبانيا عامة ، فتم ذلك بغيرة عمياء مدة نصف قرن حتى قال المؤرخ لبون: ظن الكردينال لما أحرق في غرناطة كل ما طالته يده من مخطوطات العرب وكانت ثمانين ألفًا ، عدا ما أحرق في المدن الأخرى أنه يحذف إلى الأبد من كتاب التاريخ ذكرى أعداء دينه ، ولكن الأعمال التي قامت على أيديهم في تلك الأرض تكفي لتخليد ذكرهم على الدهر وإن نفدت آثارهم المكتوبة » [22] .
وقد علق المؤرخ الأمريكي وليم برسكوت على هذا الإجراء من النصارى فقال: « إن هذا العمل المحزن لم يقم به همجي جاهل ، وإنما حبر مثقف ، وقد وقع لا في ظلام العصور الوسطى ، ولكن في فجر القرن السادس عشر ، وفي قلب أمة مستنيرة تدين إلى أعظم حد بتقدمها إلى خزائن الحكمة العربية ذاتها » [23] .
ولم يكن حرق الكتب العربية مجرد تعصب أعمى أدى إلى هذه الهمجية كما قال ، ولكنه خطة مدروسة تحت مشروع تنصير المسلمين في الأندلس ؛ لأن بقاء الكتب العربية يؤخر عملية التنصير من جهة ، ومن جهة أخرى لا يأمن النصارى مع وجود هذا التراث أن يرجع المتنصرون إلى دينهم مرة أخرى تأثرًا بقراءته ؛ فكان لا بد من اجتثاثه ؛ وهذا الهدف صرح به المستشرق سيمونيت في معرض دفاعه عن هذا الإجراء فكان من قوله في ذلك: إن ما قام به الكردينال من حرق الكتب أمر لا غبار عليه ؛ إذ هو إعدام للشيء الضار ، وهو بالعكس أمر محمود كما تعدم عناصر العدوى وقت الوباء ، وإن الملكيْن الكاثوليكييْن قد أمرا عقب تنصير المسلمين أن تؤخذ منهم كتب الشريعة والدين لكي تحرق في سائر مملكة غرناطة ، وألا يبقى لديهم سوى الكتب التي لا علاقة لها بالدين الذي نبذوه [24] .
ويمكن تلخيص الأساليب التي قام بها النصارى في الأندلس لمحو الإسلام منها وتنصيرها في الآتي: