وأمر الله تعالى أهل الكتاب بأن يقيموا كتبهم ، وأن يعملوا بما فيها كما قال تعالى: ] قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ[ ( المائدة: 68 ) ، وإقامتهم لكتبهم وعملهم بما جاء فيها يقتضي إيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولًا ، والتزام شرائع الإسلام ؛ لأن كتبهم بشرت به ، ودعتهم إلى اتباعه .
ولقد قضت الحقيقة بأن أهل الكفر ما نعموا بالعدل والأمن إلا تحت حكم المسلمين ؛ بينما النصارى ظلموا المسلمين الذين وقعوا تحت حكمهم ولا زالوا بل ظلموا نصارى مثلهم ممن لا يدينون بمذهبهم ، وحاولوا اجتثاثهم من الأرض ، ومحوهم من الوجود .
وشواهد التاريخ كثيرة جدًا على هذه الحقيقة القاضية بأن أهل الكفر ما نعموا بالعدل والأمن إلا تحت حكم المسلمين بينما النصارى ظلموا المسلمين الذين وقعوا تحت حكمهم ولا زالوا بل ظلموا نصارى مثلهم ممن لا يدينون بمذهبهم . وحاولوا اجتثاثهم من الأرض ، ومحوهم من الوجود .
وسأدعم ذلك ببعض الأمثلة من التاريخ ؛ وبأقوال بعض الغربيين من باب:
( وشهد شاهد من أهلها ) ومن شواهد ذلك:
أن أبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنه لما انسحب من حمص بعد أن فرض عليها الجزية إلى اليرموك بكى النصارى في حمص وقالوا: يا معشر المسلمين ! أنتم أحب إلينا من الروم وإن كانوا على ديننا ، أنتم أوفى لنا وأرأف بنا ، وأكف عن ظلمنا ، وأحسن ولاية علينا ولكنهم أي الروم غلبونا على أمرنا وعلى منازلنا [5] .
وكتب الإمام الأوزاعي إلى صالح بن علي بن عبد الله بن العباس لما قتل مقاتِلة لبنان ، وأجلى بعضهم لما خرجوا على الخليفة: « وقد كان من إجلاء أهل الذمة من جبل لبنان ممن لم يكن ممالئًا لمن خرج على خروجه ممن قتلت بعضهم ورددت باقيهم إلى قراهم ما قد علمت ، فكيف تؤخَذ عامةٌ بذنوب خاصةٍ حتى يخرجوا من ديارهم وأموالهم وحكم الله تعالى ألاَّ تزر وازرة وزر أخرى ، وهو أحق ما وقف عنده واقتدي به ، وأحق الوصايا أن تُحفَظ وترعى وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه قال: « من ظلم معاهدًا وكلفه فوق طاقته فأنا حجيجه » [6] .
وسيمر بك في هذا البحث المختصر بعض ممارسات النصارى الكثيرة ضد المسلمين سواء في الأندلس لما انتزعوها من المسلمين وفرضوا عليهم الدين النصراني وعذبوهم في سبيل محو الإسلام عذابًا أليمًا ، أو أيام الحروب الصليبية التي يعترف الأوروبيون بوحشية أجدادهم فيها ضد المسلمين . أو أيام الاستعمار الذي أعقب الحروب الصليبية ؛ لتثبت هذه الحوادث التاريخية مع ما سبق ذكره أنه لا عدل للبشرية إلا في ظل الإسلام فقط ، وأن الفساد والظلم يعم أرجاء الأرض إذا حكمت بغيره .
ومن شواهد ذلك مما كتبه نصارى غربيون: قول المؤرخ الغربي ( أرنولد ) عن فتح مصر: « يرجع النجاح السريع الذي أحرزه غزاة العرب قبل كل شيء إلى ما لقوه من ترحيب الأهالي المسيحيين الذين كرهوا الحكم البيزنطي لما عرف به من الإرادة الظالمة ، ولما أضمروه من حقد مرير على علماء اللاهوت » [7] .
ويقول أيضًا: « إن هذه القبائل المسيحية التي اعتنقت الإسلام إنما فعلت ذلك عن اختيار وإرادة حرة ، وإن العرب المسيحيين الذين يعيشون في وقتنا هذا بين جماعات مسلمة لشاهد على هذا التسامح » [8] .
ويقول الفرنسي ليوتي: « وإذا كان فريق من ذوي الأغراض الملتوية يزعم أن الإسلام يبعث على التدمير والفوضى والتعصب فإني بصفتي رجلًا قضيت بين المسلمين مدة من الزمان في الشرق والغرب ولم أكتفِ بما قرأته عن الإسلام في الكتب أقول: إن جميع تلك المزاعم لا نصيب لها من الصحة » [9] .
إن المسلمين في فتوحهم ما كانوا يجبرون الأمم الأخرى على اعتناق الإسلام بل يتركون لهم حرية التعبد ما داموا خاضعين لحكم الإسلام باعتراف الغربيين:
يقول جوستاف لبون: « إن العرب كانوا أكثر حكمة من كثير من رجال السياسة الحديثة ، عرفوا حق المعرفة أن أوضاع شعب لا تتناسب مع أوضاع شعب آخر ؛ فكان من قواعدهم أن يطلقوا للأمم المغلوبة حريتها ، ويتركوا لها الاحتفاظ بقوانينها وعاداتها ومعتقداتها » [10] . ونقول: ليس ذلك حكمة فحسب بل دين يدينون لله به امتثالًا لقوله تعالى: ] لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ[ ( البقرة: 256 ) .
ويقول أيضًا: « وما كانت انتصارات العرب لتعمي أبصارهم لأول أمرهم وتحملهم على الإفراط المألوف عند الفاتحين في العادة ، ولا اشتدوا في إرهاق المغلوبين على أمرهم ، ولا فرضوا عليهم بالقوة دينهم الجديد الذي كانوا يريدون بثه في أقطار العالم ، ولو عملوا ذلك لأهاجوا عليهم جميع الشعوب التي لم تخضع لهم ، فاتقوا حق التقاة هذه التهلكة التي لم ينج منها الصليبيون الذين دخلوا الشام في القرون اللاحقة ، بل رأيناهم حيث دخلوا في الشام ومصر و أسبانيا يعاملون الشعوب بمنتهى الرفق تاركين لهم أنظمتهم وأوضاعهم ومعتقداتهم ، غير ضاربين عليهم في مقابل السلام الذي ضمنوه هم إلا جزية ضئيلة كانت على الأغلب أقل من الضرائب التي كان عليهم أداؤها من قبل . وما عرفت الشعوب فاتحًا بلغ هذا القدر من المسامحة ولا دينًا حوى في مطاويه هذه الرقة واللطف » [11] .
بينما كان النصارى يُكرِهون الناس على التنصر كما فعل الأسبان بعد أن خضع مسلمو الأندلس لسلطانهم ؛ فإنهم لم يرضوا إلا تنصيرهم أو إجلاءهم عن بلادهم ، مع أن المسلمين أخذوا منهم عهدًا قبل تسليم غرناطة أن لهم أن يدينوا بدينهم ولهم البقاء في أملاكهم ، فنكثوا عهدهم ، وأوقعوا بالمسلمين أشد العذاب وقد انتقدهم مؤرخوهم ومفكروهم قبل انتقاد المسلمين لهم ؛ وفي هذا يقول فولتير: لما فتح العرب أسبانيا لم يرغموا قطُّ النصارى الوطنيين على انتحال الإسلام ، ولما استولى الأسبان على غرناطة أراد الكردينال خمنيس أن ينصِّر كل العرب مدفوعًا إلى ذلك بغيرة دينية أو طموح إلى إنشاء شعب جديد يخضع لصولته ، وأرغم خمسين ألف عربي على أن يحملوا رمز دين لا يؤمنون به .
وذكر فاريتي وهو من كبار مؤرخي أسبانيا أنه تم نفي ثلاثة ملايين من العرب والعرب المتنصرين ، وبلغ من هلك أثناء عملية النفي أو استرق زهاء مائة ألف [12] .
موقف النصارى من الإسلام:
انقسم النصارى تجاه دعوة النبي صلى الله عليه وسلم إلى قسمين:
القسم الأول: آمنوا به ، وصدقوه ، وعرفوا أن ما جاءهم به هو الحق من عند الله تعالى ، قد بشرت به كتبهم كما قال الله تعالى على لسان عيسى عليه السلام إنه قال لقومه: ] وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ[ ( الصف: 6 ) ، وعلى رأس هذا القسم النجاشي رحمه الله تعالى الذي آوى المسلمين المهاجرين ونصرهم ومنعهم من ظلم قريش وبطشها وقهرها . وفيه ومن معه وأمثاله ممن آمنوا بنبيهم ثم آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم نزلت آيات كثيرة في مدحهم ، والثناء عليهم وبيان عظيم ثوابهم قال الله تعالى:
] وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَناًّ قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسَابِ [ ( آل عمران: 199 ) .