فهرس الكتاب

الصفحة 2001 من 3028

وأشار كلًا من سكيرفن و باول Paul, 2003) (scriven & إلى أن التفكير الناقد هو عملية عقلية منظمة، تتميز بالفاعلية والبراعة في تكوين المفاهيم، والتطبيق، والتحليل، والتركيب، وتقويم المعلومات المجمعة أو المتولدة أو المستنبطة من الملاحظة والخبرة, والعلاقات السببية. وهو في شكله النموذجي قائم علي القيم العقلية التي تسمو فوق تقسيم الموضوع, بوضوح ودقة وضبط واتساق، وتحليل سليم للأسباب بعمق واتساع ووضوح، وصولًا للبرهان الصحيح. وهو يستلزم اختبار التراكيب أو عناصر التفكير المتضمنة في الغرض من المشكلة أو القضية بحيث تصاغ في سؤال, يقود إلى افتراضات, ومفاهيم, وممارسات تجريبية لتحديد العوامل المؤدية إلى النتائج، وما يتبع ذلك من تضمينات, واعتراضات من وجهات النظر البديلة, والإطار المرجعي. فالتفكير الناقد ـ كونه يستجيب إلى تغير الموضوع والقضايا والأهداف ـ ويمتزج بعدد من أساليب التفكير الأخرى منها التفكير: العلمي، والرياضي, والتاريخي, والإنساني, والاقتصادي, والأخلاقي أو الافتراضي, والفلسفي. فالمفكر الناقد المصقول جيدا يكون لديه القدرة على أن:

-يطرح أسئلة حيوية ومشكلات، ويصيغها بوضوح ودقة .

-يجمع المعلومات المناسبة ويقيمها، ويستخدم الأفكار المجردة ليفسرها أو ليوضحها بالفاعلية المؤدية إلى النتائج السببية الجيدة والحلول، ويختبر تلك النتائج وفق المعايير والمستويات المناسبة.

-يفكر بانفتاح عقلي مع وجود أنظمة بديلة للتفكير، والإدراك والتقييم حسب الطلب، للافتراضات والتضمينات والنتائج العملية.

-يتواصل بفعالية مع الآخرين في اكتشاف الحلول للمشكلات المعقدة.

وعندما تخضع مضامين وسائل الإعلام للتفكير الناقد، يستطيع الفرد أن يتبين ويحدد الإيجابيات والسلبيات للرسائل الظاهرة والخفية لتلك المضامين الإعلامية. ولا يوجد ثمة شك في أن تلك المضامين الخفية يحمل في طياته أضرارًا ذات تأثيرات مهددة للفرد والمجتمع على حد سواء.

إن مواجهة تلك التأثيرات والحد منها يتوقف بدرجة كبيرة على مستوى النضج الفكري لدى مستقبلي تلك الرسائل، فإذا كانت لديهم مقومات التربية الإعلامية الواعية فإنهم سيكونون أقدر على تجنب ما يمكن أن تحمله تلك الرسائل من تأثيرات سلبية. فالتربية الإعلامية مطلب ضروري لمواجهة سلبيات ما تبثه وسائل الإعلام ، ولكن ينبغي التدارس الواعي لكينونة تلك التربية الإعلامية التى يؤمل تحقيقها من قبل المتخصصين والمجتمع، كما ينبغي عدم التسرع في تناول موضوعها. فتحديد أهدافها ومحتواها ووسائل تحقيقها وأساليب تقويمها بحاجة إلى تكاتف العديد من الجهود الحثيثة التى يعد المؤتمر الدولي الأول للتربية الإعلامية بادرة طيبة ومثالًا واقعيا حيا يجسد هذا التكاتف المنشود لجهود المعنيين بالتربية والإعلام على المستوى العربي.

إن التسرع في تضمين التربية الإعلامية بالمناهج من دون إعداد دراسات وافية قد يؤدى إلى إهدار الوقت والجهد والمال دون تحقيق الأهداف المنشودة، فقد يشكل ذلك عبئًا إضافيًا على المناهج، ويؤثر في جوانب تربوية أخرى ذات أهمية قصوى، تشمل المهارات والقيم والاتجاهات التى ينبغي تزويد المتعلمين بها من خلال المناهج، التى يمكن أن تساهم بفعالية في تحقيق أهداف التربية الإعلامية. حيث لا يخفى على المتخصصين في المناهج أن المنهج منظومة متكاملة، ينبغي التعامل معها بشمولية وحذر ، حتى لا تتأثر العناصر الأخرى للمنظومة. وكما هو معلوم أيضا أن التغيير في أدوار المؤسسات التربوية والمناهج على وجه الخصوص تحكمه سياسات تعليمية وإدارية وليس الجوانب الفنية فقط.

وطرح السعيد (2005) تصورًا للدمج بين التعليم والإعلام وهي أن تتبني وزارات التربية والتعليم إجراء مسابقات محلية ومسابقات على مستوي المملكة، وقد نقول على مستوي الخليج. ويكون محور المسابقة هو إنتاج فيلم تربوى من قبل كل مدرسة ابتدائية، وآخر من كل مدرسة متوسطة, وثالث من كل مدرسة ثانوية, وتجري ثلاث مسابقات على مستوي المراحل التعليمية الثلاث, لأحسن فيلم على مستوي المرحلة الابتدائية, وأحسن فيلم على مستوي المرحلة المتوسطة, وأحسن فيلم على مستوي المرحلة الثانوية. وتعكس محتويات الأفلام قضايا المجتمع، لبناء قيم معينه يحتاجها المجتمع، مثل تصوير لخطوات البناء العائلي الممتد، أو تصوير مسيرة المصارف الإسلامية، أو مشروع"كيف نحول المجتمع إلى مدرسة للجميع ؟"و"ساهم معنا في بناء مجتمعنا". فمثل هذه الأفلام تساهم في تحريك الطاقات في المدارس, وتوجيهها إلى حاجات الأمة العربية والإسلامية, وتدفع بالمعلمين لاستخدام التقنيات الحديثة من آلات تصوير, وفوتوشب, وربورتاج الأفلام, والإخراج، وغير ذلك من الموضوعات المتعلقة بإنتاج الأفلام الفيديوية، التى تغطى النقص الإعلامي الفني التربوي. ويمكن لكل مدرسه أن تبيع إنتاجها، ويكون عائده للمدرسة وللمشرفين على الإنتاج الفني المذكور, هذا إضافة إلى العائد التعليمي الإيجابي الذى يعود على تلاميذ المدارس وعلى المجتمع من حولهم.

إن مثل هذه الأنشطة يمكن أن تفعل أدوار المناهج لتطبيق العديد من الأفكار التى تنمى قدرات المتعلمين على التفكير في مشكلات مجتمعهم ، كما يمكن أن تشمل المشكلات التى تطرحها وسائل الإعلام لحثهم على التفكير الناقد لما تحمله رسائلها من مضامين إعلامية.

سادسا: آليات تضمين التربية الإعلامية في المناهج التعليمية.

إن ما تم طرحه ليؤكد الحاجة إلى تكريس الجهود العربية لتعميق مبادئ التربية الإعلامية، لكونها مطلب يفرضه واقع عصرنا، فهى لم تعد ترفًا يمكن الاستغناء عنه، نظرًا لتأثيرها الجوهري في أنماط التربية غير النظامية المبلورة لشخصيات الأفراد.

ولكن إذا ما سلمنا بأهمية تضمين التربية الإعلامية في المناهج المدرسة، فإن ثمة إشكاليات أخرى تواجه تنفيذ ذلك، وتخص آليات هذا التضمين. فهل تُخصص مادة مستقلة بمسمى منهج التربية الإعلامية (كما هو قائم بالفعل في المناهج اللبنانية) ؟ أم تضمن التربية الإعلامية بشكل تكاملي مع المناهج القائمة؟ أم يُفرد وحدات ضمن المناهج يتم فيها تناول مبادئ التربية الإعلامية؟

إننا سنكون أكثر حاجة إلى إجراء المزيد من الدراسات العلمية لتحديد أنسب المداخل لكل مرحلة من مراحل التعليم، فلكل مدخل من هذه المداخل مميزاته وعيوبه. فالمدخل الأول سيلقى المزيد من الأعباء على كاهل المتعلم، الذى يئن من كثرة المناهج الدراسية وتعدد فروع بعض المناهج. وكذلك سيكون الحال بالنسبة للمدخل الثالث الخاص بتضمين وحدات مستقلة ضمن المنهج إضافة إلى صعوبة تخصيص وحدات خاصة بها في بعض المناهج. ولكن قد يكون الأمر أكثر مناسبة إذا ما اتبعنا المدخل الثاني (المدخل التكاملي) ، والأمر بحاجة إلى المزيد من البحث والدراسة العلمية لتحديد المدخل الأمثل.

ومن الإشكاليات التى تواجهنا أيضا كيفية إعداد وتأهيل من سيقوم بتنفيذ منهج التربية الإعلامية الذى سيتم تضمينه في المناهج وفق المدخل التكاملي ؟ سيحتاج الأمر إلى إعادة نظر في برامج إعداد المعلمين قبل الخدمة، وكذا البرامج التدريبية لهم أثناء الخدمة.

وعلى الرغم من أن عملية التنظير للتربية الإعلامية مطلب ضروري ومهم ، إلا أن الممارسات التنفيذية التى تحقق الغايات المنشودة قد تعترضها العديد من العقبات والمعوقات، وفى مقدمتها قناعات الأطراف المسئولة عن تحقيق هذا التكامل من التربويين والإعلاميين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت