وتُعد مراجعة الأدبيات مرحلة أولى من مراحل الإجابة العلمية عن الأسئلة المطروحة، أما المرحلة الثانية؛ فستتم - بمشيئة الله تعالي- خلال النقاشات والحوارات (فى المؤتمر) لاستكمال العديد من الجوانب حول الرؤى الواقعية، وذلك في ضوء الإفادة من خبرات المشاركين التى ستعمق الرؤية العلمية لأدوار المناهج في تحقيق التربية الإعلامية.
ويتوقع أن تأتى- بمشيئة الله تعالي- المرحلة الثالثة لطرحنا هذا على هيئة دراسات ميدانية وتجريبية مستقبلية، وفق ما سيتم التوصل إليه من استنباطات في هذا المجال، التى ستكشف مدى الحاجة إلى التربية الإعلامية. لعل ذلك يكون لبنة من لبنات الجهود التربوية لتدعيم التواصل بين رجالات التربية والإعلام في مجتمعنا العربي، أملًا في جعل الواقع العربي أقل عرضة للمؤثرات الملوثة للبيئة التربوية، وتطلعًا إلى تفعيل مضامين التربية الإعلامية في المناهج التعليمية.
وفيما يلى عدد من المحاور على هيئة أسئلة استفسارية، يتبعها عرض لإجاباتها من واقع مضامين الأدبيات ورؤى أعضاء الفريق، وجميعها آراء بحاجة للمزيد من التحاور بشأنها .
أولا: ما هية التربية وما هية الإعلام وما العلاقة بينهما؟
1-ماهية التربية؟ وما أدوارها؟
أشار بدوى (1977، 127) إلى أن التربية عملية عامة، لتكييف الفرد، كي يتمشى ويتلاءم مع الحضارة التى يعيشها. فالتربية عملية يقوم بها المجتمع لتنشئة الأفراد كي يسايروا المستوى الحضاري العام. والتربية أوسع مدى من التعليم، الذي يمثل المراحل المختلفة، التي يمر بها المتعلم، ليرقى بمستواه في المعرفة في دور العلم. والتربية نظام اجتماعي، يحدد الأثر الفعال للأسرة والمدرسة، في تنمية النشء من النواحي: الجسمية، والعقلية، والأخلاقية، حتى يمكنه أن يحيا حياة سوية، في البيئة التي يعيش فيها.
وأوضح جوهر (1994، 147-156) أن الوظيفة المهمة للمجتمع التى تحافظ على بقاءه واستمراره يسميها التربويون"التربية"، ويعرفها الاجتماعيون باسم"التنشئة الاجتماعية"ويسميها الإعلاميون"التوعية والتثقيف"، بينما يسميها علماء الدين ورجاله"التهذيب والتأديب". وكل هذه التسميات ـ رغم تباين بعض مدلولاتها ـ تعنى المفهوم الأعم والأشمل، وهو التربية.
فالتربية كوظيفة مجتمعية تحفظ للمجتمع بقاءه واستمراره، وتعمل في ثلاثة مستويات:
1.مستوى الفرد: وفيه تُعنى التربية بتنمية الإنسان الفرد، تنمية جسمية، وعقلية، ووجدانية شاملة.
2.مستوى المجتمع: وفيه تُعنى التربية بإعداد الفرد للحياة الإيجابية في المجتمع، وذلك بإعداده للقيام بأدواره المختلفة.
ج- المستوى الحضاري/ الثقافي: وفيه تحرص التربية على: نقل التراث الثقافي نقلًا ديناميًا من جيل لآخر، وتمكين الأفراد والجماعات من المشاركة والاستمتاع بالثمار الثقافية والحضارية للمجتمع، وإعداد الأفراد والجماعات للقيام بدورهم في بناء وتطوير ثقافة المجتمع وحضارته المستقبلية.
وعندما تقوم المجتمعات بوظيفة التربية فإنها تقوم بها عن طريق الأفراد (الآباء والأمهات) ، والمؤسسات ( التعليمية، والإعلامية، والدينية، والاجتماعية..) المختلفة. فالتربية من هذا المنظور تشبه مظلة كبيرة، يعمل في ظلها ومن أجلها مؤسسات وأجهزة متنوعة.
2-ماهية الإعلام؟ وما أهدافه؟
عرف عبدالحميد (1997، 21) الإعلام بأنه:"العملية الاجتماعية، التي يتم بمقتضاها تبادل المعلومات، والآراء، والأفكار بين الأفراد أو الجماعات داخل المجتمع، وبين الثقافات المختلفة، لتحقيق أهداف معينة".
وأشار نصار (2004، 12) إلى أن أبرز الأهداف التي تتجه إليها وسائل الإعلام المقروءة أو المسموعة أو المرئية هي: الإعلام أو الأخبار، والتوجيه والإرشاد، والتفسير والإيضاح، والتثقيف.
3-ما العلاقة بين التربية والإعلام؟
لقد ظلت المدرسة المصدر الأول للمعرفة حتى بدايات القرن العشرين، وظل المعلمون هم المصادر الرئيسة لتوزيع المعرفة، وكان الناس يعتمدون على المدرسة كمصدر (محتكر) يستمدون منه معرفتهم بالعالم من حولهم. أما اليوم؛ فقد تطور الإعلام الحديث، وتقدمت فنونه، حتى استطاع أن يثبت قدرته على صنع بيئته التربوية الخاصة، معلنا بذلك نهاية عصر احتكار مؤسسات التعليم النظامي لنشر الثقافة والمعرفة. وأصبحت غالبية المجتمعات تشهد تنافسًا مستترًا ومكشوفًا بين النظامين التعليمي والإعلامي.
وقد أشار عبدالرحمن وآخرون (1994، 28) إلى أن الطالب في البلدان العربية عندما ينهى المرحلة الثانوية العامة يكون قد قضى (10800) ساعة تقريبًا في حجرات الدراسة (على أقصى تقدير) ، وقضى في مشاهدة التلفاز (15000) ساعة تقريبا، ويترتب علي طول تلك الفترة العديد من التبعات الثقافية والصحية والنفسية والاجتماعية وغيرها.
إن أدوار المؤسسات التعليمية أدوار آخذة في الانكماش، وسوف تستمر هكذا حتى تقتصر على تنمية الجوانب المعرفية وحدها في التنشئة، وذلك إذا سارت التغيرات المعاصرة في نفس اتجاهها الحالي. ونتيجة التطور الهائل في إمكانات الإعلام الحديث وتهديده لوجود المدرسة، فقد بدأ المهتمون يتجهون بفكرهم وجهات شتى: فمنهم من ينادي بإغلاق أبواب المدارس وإحلال وسائل الإعلام محلها. ومنهم من ينادي بضرورة تطوير المدرسة من حيث مبناها ومحتواها حتى تصبح في مثل جاذبية وسائل الإعلام وتشويقها. وفريق ثالث أكثر تفاؤلًا ينادى بتحقيق قدر مناسب من التنسيق والتعاون بين ما تبذله المؤسسات التعليمية والمؤسسات الإعلامية من جهود وصولًا إلى تحقيق الأهداف والغايات التربوية (جوهر، 1994، 148) .
لقد أصبح هناك ثمة اتفاق واعتراف بخطورة الدور الذى تلعبه أجهزة الإعلام في تشكيل عقول الناس، وفى غرس قيم واتجاهات ليست كلها مما يرضاه المجتمع وفق ظروفه وتقاليده وتوجهاته وقيمه وآماله. فيشير جوهر (1994، 150) إلى أن وسائل الإعلام الحديثة قد ساهمت في إيجاد جيل تحرر من كل شيء سوى إشباع رغباته بأسرع السبل وأيسرها ، حتى ولو كان في هذا خرق للأعراف والقيم وقواعد الأخلاق المقبولة.
إن الرسائل الإعلامية قد بلغت مستوً عال في التأليف والإخراج والتقديم، وأصبحت ما تحتويه من مضامين لها أثر عميق في القيم والاتجاهات التى تتسلل إلى عقول كل أفراد الأسرة. فقد استطاعت أجهزة الإعلام أن تزيد من هوة اغتراب الفرد في مجتمعه، مما ساهم في تقليل قدرة كل جيل على التفاهم مع الجيل الذى يسبقه. وقد زاد ذلك من صعوبة قيام الأسرة والمدرسة بأدوارها ومسئولياتها التربوية على الوجه الأكمل، وذلك تحت وطأة التأثيرات الإعلامية التى تعمل في اتجاهات مخالفة. فأصبحت البيئة التربوية للإنسان العربي مصابة بالتلوث، بمعنى وجود مؤثرات غير مرغوبة في الوسط الذى يتربى فيه الإنسان منذ نشأته ويتعامل معه. وهذه المؤثرات من شأنها التشويش على بعضها، بما يهدد النمو السوي للإنسان من النواحي الجسمية، والعقلية والوجدانية.
فتناول فهيم (1419، 22) عددًا من الأخطار التى يحدثها التلفاز بقدرات الطفل العقلية في بداية سني الدراسة. فقد لوحظ أن الأطفال الذين يشاهدون التلفاز بكثافة يكونون أكثر معاناة من التخلف في القراءة والفهم والمحادثة، فضلًا عن رفضهم مشاركة الآخرين في تجاربهم وأدواتهم. كما طمس التلفاز الشعور بالاندهاش والانبهار، فعندما تُرى أشياءً جديدة سرعان ما يُقال: لقد رأينا ذلك على الشاشة.
4-ما طبيعة العلاقة بين التربية والإعلام، وهل هى علاقة تصارعية (تنافسية) أم تكاملية؟