فهرس الكتاب

الصفحة 198 من 3028

وعندما واجهته ببعض القناعات التي اكتسبتها من خلال مناقشاتي مع زملائي بالمعهد وكونها تمثّل في نظري حقائق تدحض بسهولة ترّهات معتقده وتناقضات دين الآباء والأجداد ... تمعّر وجهه ونزع عنه رداء الابّوة وتأبّط شرّه... وتهدّدني بأغلظ العقاب في حال إصراري على الإلتزام بالإسلام...

قلت ل"جون"-وهل تتصور أن أباك كان جادّا حقّا في عقابك وتعنيفك ؟- حاصرني بنظرة عميقة وقال: - انظر إلى عيني هاتين , كيف تراهما؟ وقبل أن ينتظر تعليقي تابع:- ألا تراهما حمراوين ذابلتين ؟ لقد كحّلهما أبي بالبوتاس , بهدف إعدامهما حتى لا أستبين طريقي إلى المسجد, وأظلّ حبيس البيت , كما استعمل معي الوخز الكهربائي ( وأراني بعض الآثار الواضحة في يده اليسرى: انكماش في بطن إبهامه..) كما أنه -عندما أعيته الحيلة واستنفذ تقنياته- ذهب إلى أحد مراكز الشرطة وحرّضهم على اخذي إلى السجن مع جملة اللمتطرّفين ( مستغلا ساعتها الحملة الكبيرة التي قام بها النظام البورقيبي ضد الإسلاميين عام 1987) .. وفعلا جاء"البوليس"إلى منزلنا ولكنّي تظاهرت أمامهم بطقوسي النصرانية القديمة... فتركوني وعاتبوا أبي على مغالطته تلك وأفهموه: أن الأوامر لديهم لا تنصّ إلا على اعتقال"الإخوانجيّة"... وابنك هذا ليس منهم ...إنه نصراني ملتزم..

قلت ل"جون"- وكأني لا اصدّق ما أسمعه منه:- طيّب وأمك أين هي؟؟ ما كان موقفها على هذا الركح؟

تبسّم ابتسامة ميكانيكية وقال: - وماذا عساها أن تفعل المسكينة ... وهي التي لم تفلح يوما في معارضته , لما تعرف من انغلاقه وغلظته... ثم ساد بيننا صمت لبعض الثواني.. وأقسم أنّي لم أكن أتصوّر نفسي ساعتها في يقظة, وأن هذا الشاب العادي النحيف مشحون بكل هذه التجربة ومثقل بكل هذه المعاناة...

وأسرعت إلى قطع الصمت بقولي ل"جون"مداعبا ومسلّيا: حقا أنت بطل يا"جون"..:

وبتواضع أسرع إلى نفي تعليقي بقوله: كلاّ كلاّ.. Vraiment, tu est un heros

* الهروب:

وأردت أن أعرف بقية القصة فدغدغته بسؤال استطرادي قائلا: - طيّب وكيف وصلت إلى هنا؟

استأنف سرده السابق مجيبا: عندما علمت حرص أبي على صدّي بكل وسائله المتاحة عن إسلامي, خاصّة عندا هدّدني ذات يوم بكلّ حنقه وغلظته وتعصّبه قائلا:

وترجمتها"أقسم أني قاتلك يوما ما"..Je te jure qu'un jour je vais te tuer..

وهنا جحظت عيناي استغرابا وقاطعته بدهشة: - أبوك يتهدّدك بالقتل ؟؟… لا يا جون لا بدّ أنه كان مازحا ليرهبك حتى ترجع…

قطّب ما بين حاجبيه وقذفني بنظرة بعيدة وكأنه يعاتبني على شكّي وارتيابي فيما يقول … وهمس: - نعم ياسيدي .. صدّق أو لا تصدّق ولكن أبي قالها مرارا على مسمع من أمي وأختي"مرقريت"وأنا أعرف صدق وعيده وحزمه في التنفيذ … لذا قرّرت الهروب ذات صباح من البيت لأحافظ على ديني الجديد…

-ولكن إلى أين ؟

-فررت باتجاه الساحل"سوسة"بعيدا عن العاصمة أقضى النهار متجوّلا في الشوارع وآوي في الليل إلى المساجد …وأقتات من المال الذي أخذته من درج أمّي … أنا على هذه الحال منذ شهرين يا سيّدي …

قلت وبعض الشرود يحاصرني: لابدّ أن أباك نادم الآن على أفعاله التي كانت وراء فرارك من البيت , وهو الآن - بلا شك- جادّ في البحث عنك ... وقد يكون أعلم"البوليس"بغيابك ونشر إعلانا عن ضياعك...

ردّ بثقة:- نعم.. ومن أجل ذلك أتلفت كل أوراق هوّيتي حتى لا أعطي الفرصة لإيقافي وردّي إلى قبضة أبي.

قلت: ولماذا جئت إلى قابس إذن ؟

قال: لأغيّر مسرح اختفائي

قلت: وهل أنت الآن , بعد هذه المدة الطويلة من الغياب عن الأهل نادم على فعلتك ؟؟ ألا تكون قد سبّبت لأمّك وأختك وربّما لأبيك بعض التعب والهمّ بهروبك دون سابق إعلان... لا تنسى أنك في النهاية ولدهم... رغم كل ما حصل..

وهنا تدّخل صاحب حسين ليقول: ... نعم . وهو كذلك يا شيخ ... ومن أجل هذا جئت به إليك ... لأنه طلب مني إيصاله إلى رجل ثقة ليبيّن له الحدّ الفاصل بين الجائز والممنوع فيما فعل ... ودعّم - حسين- قول صاحبه بإيمائة خفيفة من رأسه.

قلت: وفي نيّتي أن لا أتعجّل الحسم أمامهما , بالصّورة التي ربّما كانا ينتظرانها مني: - جميل أن يفرّ المرء بدينه . وينقذ نفسه من ضغط وحصار البيئة الكافرة حتى يمارس عباداته في أمن وسعة ويناجي ربّه في حريّة ولكن حالتك - يا حسين- أراها أكبر من السؤال... وعندي أرى أن تذهب إلى جهة رسمية موثوقة لأنك متنقّل من هوية إلى أخري .. ومهاجر من ضلال إلى هدى , ومن نصرانية إلى إسلام ..: كأن تذهب إلى المفتي أو إلى المجلس الإسلامي الأعلى , أو إدارة الشعائر الدينية... أو أي جهة دينية معروفة وموثوقة .. فتعرض حالتك جملة وتفصيلا.. وتعلن إسلامك .. حتى تتمّ في صالحك إتمام الإجراءات اللازمة..

وأما بخصوص الوالدين فسأسوق إليك قول الله سبحانه في سورة لقمان حيث يوصى المؤمنين في مثل حالتك بقوله"وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلى.."

وفيما كنت اتكلّم كان حسين يوقّع على ما أقول بإيماءات خفيفة من رأسه ..

* وغادرني حسين مودّعا:

ثم لم يلبث حسين وصاحبه بعد ذلك إلا قليلا حتى استأذنا في الإنصراف ولم أشأ أن أترك حسين ينصرف من عندي دون تذكار يذكّرني به... فأهديته نسخة من المصحف الشريف في طباعة جيّدة تفبّلها بحرارة ولم يمهلني حتى فتح في المصحف وأخذ يقرأ على مسمعي سورة الفاتحة مع تعتعة خفيفة... كانت خير خاتم لجلستنا التي لم تدم اكثر من ساعة ونصف الساعة.

وعند الباب ودّعته وأنا أقول أسأل الله لك التوفيق والثبات ... وأسأله سبحانه أن ييسّرك لليسرى في أمر الدين والدنيا ... وأن يهدي والديك ليكتمل شمل الإيمان عندكم ...

.. ثم همست فيما بيني وبين نفسي: - من كان يصدّق أن يكون هذا الفتى النحيف مشحونا بكلّ هذه المعاناة..

-حقّا لقد كانت رحلته من"جون"إلى"حسين"رحلة عذاب..

الأسرة المسلمة?

الطفولة

بين

شراسة الهدامين

ورحمة الإسلام

الأطفال هم جيل الغد ورجاله .. وهم في غد الأمة قادتها في السلم والحرب ومؤدبو نشئها ومفكروها وواضعو برامجها ومنفذو اطروحاتها واختياراتها... بجدهم ووعيهم وإيمانهم وصدقهم يرقى المجتمع ويزهر.. وبفتورهم وتقصيرهم وتميعهم ينهار المجتمع وتدك أركانه ويأخذ مكانه وفق السنن المتداولة في سقوط الأمم في ذيل القافلة الحضارية إن لم يكن بالرضا وبالاختيار فبالقوة والجبر.. كما يعبر العلامة أبو الأعلى المودودي رحمه الله تعالى...

ولأجل ما للطفولة والشباب من تأثير في مستقبل الأمم والحضارات بادرت جل الحركات الهدامة في العالم على اختلافها إلى السيطرة على الأطفال والشباب متأولة في ذلك أنها بسيطرتها تلك على هذه الكتلة الطرية من المجتمع .. تكون قد أمسكت من مكان حساس وقيادي لتلك الأمة ولتلك الشعوب...

إذ الانطباعات الأولى لا تنسى وهي المؤثرة والموجهة لمختلف مراحل حياة الناشئة ولهذا السبب أو ذاك نجحت تلك الحركات رغم خبث اطروحاتها في إخضاع الأمم لأفكارها وأهوائها وسوقها إلى المصير النكد الذي خططته لها من قبل وهذا واقع ملموس يحسه كل دارس حصيف لواقع المجتمعات الحاضرة.. فمثلا الواقع المزري الذي تتخبط فيه المجتمعات العربية والإسلامية .. كيف تم الإعداد له ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت