فهرس الكتاب

الصفحة 197 من 3028

على كل حال ما هذه إلا محاولة بكر اجتهدت في تقديمها حسب طاقتي وأدواتي المتواضعة ... وهي ابتداء , مساهمة تنتظر بقية مساهمات أخرى قد تكون أعمق وأشمل وأصوب , بإمكان الآخرين من الأدباء والمثقفين تقديمها ليبرهنوا على حضورهم الواعي والفاعل في دائرة الصراع .. ويثبتوا مساندتهم الجادة للقضيّة..

هامش:

من ذاكرة الأيام

من"جون"إلى"حسين"

رحلة عذاب

.. بصراحة أقول لكم أني لم أتردد يوما في الكتابة كما تردّدت بخصوص كتابة هذه الواقعة / القصة... التي التقطتها أجهزتي الخاصة مباشرة ذات يوم من فم بطلها: جون/ حسين..

إذ كانت تمرّ عليّ فترات أجدني فيها منشرحا لتدوين حالة جون/ حسين وإخراجها للناس حتى يتبيّنوا ... وتأتي علي فترات أخرى ضاغطة تزهّدني في تدوين مثل هذه الواقعة / الشاهدة: ربما بحجة أنها لن تضيف جديدا على صور المعاناة التي يزخر بها ملف الدعوة وهي ليست في النهاية إلا نتسخة مكرّرة عبر الأيام لما يلاقيه أنصار الإسلام وأتباع الحق من الاضطهاد العالمي المرصود .. تارة بإمضاء صليبي وطورا بإمضاء يهودي .. أو بإمضائهما معا إذا اقتضى الأمر . ثم بدا لي ذات يوم أن أنسف ترددّي هذا وأحسم الأمر لصالح الكتابة ليقيني بضرورة اطلاع الرأي العام عليها ووضعها في دائرة الضوء حتى يزداد الذين آمنوا إيمانا ..ويغصّ الظالمون بغيظهم... وأيضا للاعتبارات التالية:

-أ- كونها أمانة حمّلني إياها الأخ"حسين" ( جون سابقا) ..وخصّني بخبرها وتفاصيل وقائعها متحمّلا أتعاب مسافة أربع مائة كيلومتر قطعها على خط شمال/ جنوب .. وكما تعلمون: لا بدّ من أداء الأمانة .

-ب- كونها"شاهد حيّ وواقعي"للحقد الصليبي المكبوت في صدور النصارى تجاه أتباع الحركة الإسلامية والقابل للإنفجار والتنفيذ متى سنحت الفرصة... ولوعلى حساب الأبوّة والرّحم...

-ج- لطرافة مسرحها وحساسية العلاقة التي تجمع بين عناصرها: إذ تدور أحداثها بين الوالد وما ولد .. على الركح الداخلي للعائلة..

-د- لما تمثله في بعض أبعادها كنتيجة لجاذبية الإسلام واستعلاء الإيمان وفعاليّة اليقين.

...وكان بطلها شاب كان يدعى سابقا"جون"ثم محاه وأسّس لنفسه إمضاءا إسلاميّا جديدا هو"حسين"

كيف كان ذلك ؟

* اللهم إلا طارقا يطرق بخير ... يا رحمان..

...ذات ظهيرة من أيام الصيف الماضي .. (1988) ..وأنا أمني النفس بقيلولة هادئة, إذ رنّ جرس البيت , فتنافست أنا وولدي الصغير على فتح الباب واستطلاع الأمر.. وأنا أهتف في داخلي: اللهم إلا طارقا يطرق بخير ... يا رحمان..

اصطدم بصري بشابين يقفان على استحياء على بعد متر أو مترين من الباب أسرع كبيرهما إلى تحيّتي ومعانقتي مع وابل من الأسئلة عن الحال والأحوال... وكأنه يريد أن يظهر لمرافقه بأنه يتمتع بصلة قديمة معي وعلاقة حميمة وفعلا: فهو من روّاد مسجد السّلام بقابس الذي كنت الإمام الخطيب فيه قبل اعتقالي إبّان فتنة 1987 ومن العناصر التي لا تغيب عن درس التفسير والإملاء القرآني ... وأتذكّر أنه كان كثير الاستفتاء والاستفهام..

ولم يمهلني طويلا حتى قدّم لي صاحبة قائلا: - هذا الأخ"حسين"قدم قبل ساعة من العاصمة... كان مسيحيّا باسم"جون"ثم هداه الله إلى الإسلام جاء ليسلّم عليك ويستفسرك في بعض الأمور.

فاجأتني المقدمة ووجدتني مدفوعا إلى معاتفة الضيف"جون"بحرارة مهنئا ومبشّرا ومكبّرا فيه بطولته ومعظّما نعمة الله عليه بالهداية وبإماءة عفوية أذنت لهما بالدخول.

* باختصار قال صاحبه:

استقر جون/ حسين وصاحبه على الأريكة في قاعة الجلوس , واختصرت بدوري مجاملات الضيافة بتقديم مشروب مثلج وبعض المستطيلات من البسكويت"الوطني"وألححت على الضيفين بالقبول

وبعد أن رشف صاحب حسين جرعة من كأسه وقضم نصف مستطيل من بسكويته افتتح الجلسة بقوله: -باختصار يا شيخ (بصراحة لم أرض أن يخصّني بهذا اللقب أمام الضيف) أخونا"حسين"هذا التقيته قبل قليل بمسجدنا بالمدينة وأعلمني بأنه قادم من الشمال وأنه قد ترك بيت أبويه منذ شهرين هربا من الكفر ومن الموت الذي توّعده به أبوه عندما علم بإسلامه وانسلاخه عن دين أجداده من المسيحيين وبعد أن فشلت المحاولات المتعددة التي بذلها- الأب- لإقناع جون بضرورة التمسّك بمسيحيّة آبائه والإبتعاد عن دين"المتطرّفين"وهو قد جاء يسأل ويستفتي -"هل هروبه من بيت أهله- في هذه الحالة- جائز أم لا ؟؟ إنه مستعد - كما قال لي - في صورة عدم جواز ذلك إلى الرجوع إلى بيت والديه ولوكان في ذلك موته"

ازداد ضغط المفاجأة علي وقلت في نقسي: - يبدو أن وراء الأكمة ما وراءها .. كما يقال وأن الأمر أعقد وأعمق مما أراد صاحب حسين اختصاره في هذا الكلام المشحون بالعقد والغموض .. وقررت أن أسمع القصة كاملة طريّة من فم"جون"الذي ظل طوال الوقت مركّزا بصره إلى أسفل .. وبدا لي وكأن الزائر الغريب يعيش حقا قصة عذاب ويختزن في أعماقه شحنة نوويّة من المعاناة والهموم أكبر من سنّه وأقوى من بدنه..

* القصّة طريّة من فم"حسين":

التفت إلى - حسين- وأبديت له رغبتي في سماع القصة كاملة بتوقيعه فأمضى على الموافقة بابتسامة خجولة .. وابتدر بسرد قصته بلغة فرنسية ممزوجة برافد من الألفاظ العربية .. وكأنه شاعر يلقي قصيدا ينعى فيه نفسه... قال: كان اسمي"جون"ولدت بتونس العاصمة من أسرة مسيحيّة أصلنا من- قبرص - أبي جاء بالعائلة قبل ولادتي إلى تونس ليعمل بالشركة التونسية للكهرباء والغاز اضطرته ظروف العمل إلى الاستقرار بالعاصمة ... كانت نشأتي وطفولتي ربيعيّة حالمة عشتها في رخاء ورفاه , وكنت ناجحا في دراستي الإبتدائية , وقد رشّحني تفوّقي إلى الالتحاق بالمعهد النموذجي ب"أريانة"حيث التقيت بنوابغ المستقبل وصفوة الأذكياء من التلاميذ (وللعلم فإن هذا المعهد لا يلتحق به إلا أصحاب المعدّلات العالية في مناظرة الدخول إلى التعليم الثانوي , وهو يمتاز بإطار خاص من المدرّسين , ومعدّات خاصة , وتجهيزات حديثة)

... وخلال الدراسة توطّدت الصداقة بيني وبين بعض التلاميذ ذوي الميولات الإسلامية حيث انبهرت بسلوكهم وشخصيتهم وثقافتهم وسرى تأثيرهم عليّ إلى درجة أني جاريتهم في الكثير من الأمور وقد أقنعوني ببطلان الأفكار الدينية التي ربّيت عليها وجذبوني بالتي هي أحسن إلى الإسلام فتعلّمت الوضوء والصلاة وحفّظوني الفاتحة ولقّنوني الشهادتين .. وبذلك صرت عضوا منهم وجزءا من فصيلتهم.. وصرت أتردّد معهم على المسجد.

* عندما علم أبي بإسلامي...

ولاحظ أبي مع مرور الأيام كثرة خروجي في الصباح الباكر على غير العادة وغيابي عن المنزل في أوقات محدّدة ... كما لاحظ في الوقت نفسه عزوفي وفتوري عن ممارسة الطقوس المسيحيّة التي ربّيت عليها ... فارتاب وأخذ يتجسّس ويتحسّس ويتربّص بي.. حتى استنتج في النهاية أني انحزت على"جوقة المتطرّفين"عل حدّ زعمه.

فعاتبني في أول الأمر على هذا الطيش (؟؟) والعقوق (؟؟) بلغة الواعظ وحذّرني ناصحا بالإلتزام بالمسيحية الدين الحق (؟؟) وحثّني على الإبتعاد عن المتطرّفين (؟؟) حتى لا أصاب بالعدوى الإسلامية...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت