وقبل أن نستعرض هذه الملامح ونتوغّل مع الكاتب في أغوار هذه الشخصية , ثمّة ملاحظة نودّ لفت النظر إليها وهي: أن الصورة التي سنتعرّف عليها ليست من خيال الأديب ذلك أن الكتاب/ المصدر يدخل فيإطار السّيرة الذاتيّة: حيث أن الشخصيات والعناصر حقيقية قد عايشها الكاتب عن قرب , ثم رسمها وسجّل ملامحها كما رآها وشاهدها , لا كما تخيّلها وتصوّرها .. ولهذا نجد ملامح صورة هذا اليهودي في هذا العمل الأدبي لدوشتوفسكي, قد جاءت مطابقة ومصدقة لحقيقة الصورة التاريخية المعروفة عن اليهود بألوانها وتضاريسها وخصوصياتها النفسية والفسيولوجية والدينية والإجتماعية , ناطقة بشجعها وصلفها ودمامتها وماديّتها وتعصّبها وانتهازيّتها... إلى آخر قائمة الأوصاف والسّمات التي تنفر بها الشخصية اليهودية عبر التاريخ...
أما حديث الكاتب عن"عيسى فوميتش"وهو اسم هذا اليهودي , موضوع الحال , فقد جاء في موضعين من الكتاب: فقد
ذكره في الفصل الرابع الذي يحمل عنوان:"انطباعات أوليّة - تابع-"ثم ذكره بأكثر توسّع وتفصيل وتركيز في الفصل التاسع حيث خصّه بستّ صفحات ابتداءا من الصفحة 184 إلى الصفحة 190 من الطبعة الفرنسية للنسخة التي بين يدي الآن .
يبدأ دوستوفسكي حديثه عن هذه الشخصية في الفصل الرابع بقوله:"... كان البولونيّون من نزلاء معسكرنا لا يحبّون من بين كل الزملاء إلا ذلك اليهودي ... ربّما لأنه كان الوحيد القادر على تسليتهم ومداعبتهم كما ان يهوديّنا الظريف هذا كان في الوقت نفسه محبوبا من طرف كل السجناء وموضع سخريّة الجميع... إنه اليهودي الوحيد في المعتقل ..وأنا الآن لا أستطيع أن أتذكره دون أن انفجر ضاحكا ..."
ثم يأخذ الكاتب في رسم وعرض ملامح صورة ذلك اليهودي بكل دقّة وأمانة. وبإمكاننا اختصارها وتقسيمها كالآتي:
* الملامح الفسيولوجيّة: وهي تبدو كاريكاتوريّة إلى حدّ بعيد .. يقول دوستوفسكي في وصف عيسى فوميتش:"عيسى فوميتش هو اسم هذا اليهودي .. إنه يشبه فرّوجا أصلع . لم يكن صغيرا بل يبدو أنه على عتبة الخمسين من عمره... كان هزيلا , متجعّد الوجه , وما تزال جبهته ووجنتاه تحمل آثار السّياط .. وإنّي لمتعجّب من أمره حتى أنني لا أستطيع أن أفهم كيف استطاع هذا الهزيل النحيل تحمّل الستّين جلدة..."
* الملامح النّفسية: فهذا الرجل - يقول دوستوفسكي- يجمع خليطا مضحكا من السّذاجة والمكر , ومن الطيبة والكبرياء, ومن العجرفة والغطرسة ومن التبجّح والحياء... فهو شديد المكر والحمق في الوقت نفسه, ومع عجرفته وصلفه فقد كان جبانا إلى أبعد حدّ..ومن الغريب بالنسبة لي - يواصل الكاتب- أن السّجناء لا يذكرونه في شئ إلا استدراجا لمداعبته والتندّر به وقد اشتهر في المعتقل وأصبح حديث السجناء جميعا حتى أنهم كانوا يردّدون:"نحن لا نملك إلا عيسى فوميتش واحدا فلاتؤذوه..."
وهكذا هم دائما اليهود عبر التاريخ: يخلقون من حولهم دائرة اهتمام وجعلون من أنفسهم محلاّ لعطف الآخرين وعنصرا ضروريا لتوازن الواقع رغم فسادهم وإفسادهم... وخبث طوّيتهم..
* الملامح الإجتماعية: في هذا الجانب يقول الكاتب: من بين جميع المعتقلين كان اليهودي"عيسى فوميتش"هو الوحيد الذي ظلّ يلازمه المرح.. كانت مهنته كصائغ تدرّ عليه ثروة معتبرة تعفيه في الغالب من السّخرة...كان يعيش- بيننا- متنعّما له غلاّيته الخاصة للشاي , وحاشية لفراشه, وماعون كثير متنوّع.. وكان يهود المدينة لا يبخلون عليه بمساعدتهم وزياراتهم... وباختصار نستطيع القول أنه كان الوحيد الذي يعيش في رخاء وهناء... هذا الوضع المادي الممتاز رشّحه ليكون قطب السّلف والرّهن داخل المعتقل يقصده السّجناء لرهن حوائجهم مقابل المال والقرض الربوي..""
وهكذا نجد أن اليهود يشكّلون دائما نشازا في مناخ الحياة العامة في البيئة التي يحلّون بها ... ولو كانت هذه البيئة سجنا.. ففي الوقت الذي يكون الناس فيه محاصرين بالجوع والفقر والخصاصة ترى اليهود وحدهم يتنعّمون.. وفي الوقت الذي يغتمّ فيه الناس ويحزنون , تراهم وحدهم كذلك , فرحين مسرورين شامتين.. وهذا النّشاز يعطيهم فرصة للإنتهازية والإستغلال والإقطاع والتسلّط..
* الملامح الدينية: وهي أكثر بروزا من سواها في صورة هذا اليهودي حيث يظهر من خلالها شديد التعصّب والتزمّت متعلّقا بالطقوس والشعائر:"فقد كان يذهب كل سبت , تحت الحراسة, إلى المعبد ... وفي مساء كل يوم جمعة يتوافد كل سجناء المعتقل إلى زنزانتنا قصدا ليشاهدوا كيف يقيم - عيسى فوميتش - قدّاسه الديني , وكان تطفّلهم هذا مما يزيد في اطرائه وزهوه وحماسه.. فبمنتهى الحذلقة يأخذ عيسى فوميتش مكانه أمام طاولته الصغيرة وقد لبس عباءته الصوفية الخاصة التي يحتفظ بها في درجه ثم يفتح كتابه ويوقد شمعتين .. ويبدأ يهمهم ويدندن في دعاء وتضرّع غامض .. وهكذا يكون قد دخل في صلاته: يرتلها وهو يدندن تارة ويصيح تارة .. وفي الأثناء تراه يبصق ويدور ويقوم بحركات وإشارات غريبة مضحكة ... ثم فجأة تراه يغطي رأسه براحتيه ويشرع في البكاء والشهيق حتى يفقد وعيه ويسقط رأسه فوق كتابه... ثم وهو في قمّة بكائه ونحيبه ... ينفلب ضاحكا ومترنّما"يقول دوستوفسكي: وذات يوم سألت عيسى فوميتش عن معنى ذلك البكاء ومعنى ذلك الفرح في قدّاسه فأخبرني بلطف قائلا: ان البكاء هو تعبير عن فقدان"القدس"وأما الفرح فسببه ومصدره يقينا بعودة اليهود - حسب ما جاء في توراتنا - إلى أرض الأجداد أرض الميعاد وتشييد مملكة إسرائيل..
ولنا هنا تعليقان:
-أ- المدهش في السلوك الديني لليهود - وعيسى فوميتش مثالا- أنهم لا يخجلون ولا يشعرون بعقدة النقص وهم يمارسون إلتزامهم الديني , ولا يتقاعسون - مهما كان الظرف- على إظهار تمسّكهم وإخلاصهم لطقوسهم وقدّاسهم وشعائرهم. فبالرغم من الإخراج الكاريكاتوري الذي ظهر فيه عيسى فوميتش وهو يمارس طقوسه أمام المسجونين , فإنه يبدو مقتنعا بما يفعل وشاعرا بواجبه الدّيني الدعوي..
وهذه ميزة يحسد عليها اليهود: فالبعد الديني - على زيفه وبطلانه- يظلّ من الملامح الثابتة والبارزة في الشخصيّة اليهودية على مستوى السّلوك والمعاملات وهو لا يخضع للمساومة أو التنازل أو أي نوع من التعطيل مهما كان ضغط الواقع ومهما كانت حساسيّة المرحلة ... وحدّة اللحظة التاريخية..
-ب- أما التعليق الثاني فهو يخصّ ما جاء في تفسير"عيسى فوميتش"لحالة البكاء والفرح في قدّاسه الدّيني .. وما يمكن أن يشكّله من خلفيّة لهذه الهجرة المتدفّقة لليهود السوفيات إلى فلسطين ..
فعيسى فوميتش ما هو إلا أحد جذور هذه الظاهرة المهاجرة.. وما هو إلا أحد آباء وأجداد هذه الوفود المزدحمة من اليهود الرّوس على بوّابة فلسطين وهذا الجيل المهاجر من الأحفاد لا بدّ أن يكون قد أشرب ولقّن تلك التأويلات والتفسيرات والنبوءات الكاذبة على أيدي"عيسى فوميتش"ومعاصريه من اليهود السوفيات .. والقائلين بالعودة إلى أرض الأجداد , أرض الميعاد ... واسترجاع بيت المقدس.. وجاءت البروسترويكا لتمنحهم فرصة العمر لتحقيق الحلم وتنفيذ الرغبة ...
وبعد..
-هل أكون قد وفّقت في تجلية ملامح صورة اليهودي في الأدب الرّوسي من خلال هذا العرض المتواضع والسّريع لأثر من آثار أحد أهم مشاهير الأدباء الرّوس؟؟