لقد كان موقف"قريش"من القران الكريم اكثر تقدمية وصدقا واصدق واقعية من نظرة بن جلون للقران. إذ كان موقفهم مستمدا من علمهم وتذوقهم وحذقهم للغة والبلاغة أما بن جلون الفرنكفوني المستغرب فعلى أي اعتبار يبني نظرته للقرآن من انه شعر رائع.. فقد جاء على لسان شخصية الأعمى قوله"لا بد أن اذهب فالأطفال رهيبون إنني أحاول تعليمهم القرآن مثلما كنت سأفعل بشعر رائع"ص59. وعلى لسان البطلة الوجودية برأس الصفحة الموالية 60"لقد سبق أن فكرت في هذا ولكن كما ترى أنا مثلك احب القرآن كشعر رائع"وهو قول سخيف ورأي رجعي متخلف لم يعد يطرحه حتى من يحترم عقله .
ويبدو أن بن جلون تنقصه النزاهة والموضوعية والشجاعة في مثل هذه المواقف وإلا كيف يطرح نظرته السخيفة هذه ولا يخجل من إبداء هذا الرأي المتعفّن"الجاهلي"أما الآراء والمواقف الموضوعية الصريحة التي أخذ"علماء الغرب وعقلاؤه"يصدعون بها يوما بعد يوم أمام الرأي العام: ويكفي أن نذكّره بما استنتجه الدكتور: موريس بوكاي الطبيب الفرنسي في كتابه"الإنجيل والقرآن والعلم"وصدع به امام الأكاديمية الفرنسية إذ قال لقد دهشت لما ورد في القرآن من نظريات علمية. وإنه من المستحيل أن يكتب إنسان في القرن السابع ميلاديا كل هذه الحقائق المجهولة آنذاك .. وإن صحّة المعطيات الفيزيولوجية والجنينية في القرآن , ومعطيات علمية غيرها لا يمكن حصرها ... لدليل واضح على أن القرآن كتاب منزّل .
(وبالمناسبة نذكر بن جلون بأن الدكتور بوكاي تعلم اللغة العربية ودرسها وهو في الخمسين من عمره ... ولم يقرأه من خلال الترجمات الغربية) ..
موقفه من الدين ... ومن الصحوة:
يتلخص موقف بن جلّون من الدين في جملة أوردها على لسان الأب المحتضر بالصفحة 19:"يجب أن يعايش الدين في صمت وتأمل , وليس في هذه الجلبة التي تكدّر صفو ملائكة القدر"
ومن ثم فهو يمقت ويبغض ويعادي أبناء الحركة الإسلامية , لأنهم حريصون على نسف هذه المقولة الجامدة , لوعيهم بخطورتها ودورها الإنهزامي السلبي على مستوى النفس والمجتمع ووعيهم أيضا بنية وقصد وهدف المروّجين لها من أبناء أمتنا خاصة. وبالتالي فهم يسعون إلى تفجير التعاليم والمبادئ الدينية وتحريكها في الساحة , والخروج بها من دائرة الضمير إلى دائرة السوق والشارع والمعمل والسلطة. وبكلمة: إلى دائرة المجتمع لإصلاحه وتحريره وتنميته وتغييره.
وهذا الإخراج الإجتماعي الحركي للدين الذي تعمل الصحوة على تعميقه وترشيده وتوسيعه , يؤرق"العملاء"ويقلق"المستغربين"فقد جاء بالصفحة 60:".... وأمقت الذين يستغلّونه في تشويشات ويحدّون من حريّة التفكير .. إنهم منافقون....مؤنون متعصّبون أو منافقون , لا يهم إنهم يتشابهون وليست لي أي رغبة في معاشرتهم أنا أعرفهم جيّدا. لقد تعاملت معهم من قبل إنهم يستندون إلى الدين للسحق والهيمنة وأنا أستند حاليا إلى الحق في حرية التفكير وحرية الإعتقاد أو عدمه. هذا لا يعني سوى ضميري.."
وبالصفحة 135 يتحدث عن المراة المسلمة الملتزمة المتحررة من أفكار الهدم والفساد بقوله:"... كن جميعا دميمات وينبعث منهن الضيق: طائفة من الأخوات المسلمات المتعصبات الشرسات كن قد أتين لتنفيذ مخطط واضح جدا يتلخص في إيذائي وربما تشويهي أو تهديدي و تخويفي"
ولا ينسى أن يقدّم خدمة مجانية لأسياده , وذلك بتحريضهم ضد الحركة الإسلامية , بإثارته للنعرة الصليبية عندما يلفت نظرهم إلى موقف القرآن , والمسلمين من النصارى:".... لا بد أن أذهب فالأطفال رهيبون ... لكنهم يطرحون أسئلة مربكة من قبيل:"هل حقا سيدخل جميع النصارى النار؟"ص95"
ويفضح إلحاده وفسوقه ونفاقه بما جاء بالصفحة"بما أن الإسلام هو أفضل الأديان فلماذا انتظر الله طويلا لكي ينشره"و"لماذا وصل الإسلام متأخرا جدا؟؟"
خاتمة:
وبعد, لقد توسّع بن جلّون في سبّ الإسلام وأهله , ولم يخجل من فضح مواقفه التقدّمية المهزومة من الألوهية والقرآن والدين , وبالتالي يكون قد ظلم نفسه وخان أمته , ولن تنقذه الجائزة يوم التغابن , ولن ينصره الغرب يوم الحسرة.
ومن جهتنا, لا يكاد يمر يوم ,إلا ونزداد يقينا من أن الغرب الصليبي يعرف كيف ينتقس عملاؤه ويصطفي أجراءه من أبناء جلدتنا ويعرف أن يضع جوائزه وأمواله خارج حدوده , ومتى يوسّم ومن يوسّم , ةومن هم الجديرون بالتكريم والتتويج وأي الأعمال تستحق الشهرة والتلميع ... ومن ثم يصبح عاديا جدا أن تحتوي القائمة على أسماء: سلمان رشدي ونجيب محفوظ وطاهر بن جلّون .... وغيرهم كثير.
فسبّ الدين , واستنقاص مبادئه وتعاليمه , والطعن في رجالات الإصلاح والدعوة والتشكيك في القيم والمثل ... أصبح علامة مميزة وبارزة لاستحقاق التوسيم الغربي , وتأشيرة الانتماء والولاء لمعسكرات
العداء الصليبي والصهيوني للإسلام والمسلمين.
على هامش هجرة اليهود السوفيات إلى فلسطين:
صورة اليهودي في الأدب الروسي:
من خلال كتاب"ذكريات دار الموتى"ل"دوستوفسكي"
هجرة اليهود السوفيات إلى فلسطين عبر بوابة - البوستوريكا- منذ مطلع هذا العام - 1990- أثارت الكثير من ردود الأفعال وفجّرت الكثير من الأشجان والأحزان العربية...
وإذا كان ولا يزال ردّ الفعل الرسمي العربي لم يتجاوز - كما عوّدنا- الشّجب الخطابي والتنديد اللفظي والاستياء المكبوت ... فإنّ ردّ فعل النخبة الثقافية لم يرتق - بدوره- إلى مستوى مسؤولياتها التاريخية والحضارية .. ولعل أحدث دليل على ما نقول خلوّ البيان الختامي للمؤتمر العالم السابع عشر للإتحاد العالم للأدباء والكتاب العرب الذي انعقد أخيرا بتونس, من أي إشارة تنديد بهجرة اليهود وخطرها على مستقبل القضية .. والمنطقة.. لا تلميحا ولا تصريحا , ما عدا جملة باهتة اقتضاها سياق الكلام والتي ثقول:"... كما يواصل - أي الإحتلال الإسرائيلي- بناء المستوطنات , ويخطّط لإسرائيل الكبرى مستغلا هجرة اليهود السوفيات والدّعم المالي والعسكري الأمريكي."
وفي سياق متابعة ومعايشة الحدث/ المؤامرة, وفي إطار المساهمة الثقافية أرى - من موقعي- أن أستعرض بعض ملامح صورة"اليهودي"في الأدب الرّوسي. وأختار نموذجا لشخصية يهودية سجّلها الأديب الرّوسي الشهير: دوستوفسكي في كتابه الوثيقة الصادر عن دار بودليرعام 1966 تحت عنوان"ذكريات دار الموتى"والذي سجّل فيه صاحبه: مشاهداته وانطباعاته , تأمّلاته وحواراته ... وحياته التي عاشها في معتقل -سيبيريا- محكوما عليه بالأشغال الشاقة أيام حكم القيصر نيكولا.
* فكيف رسم دوستوفسكي هذه الصورة لزميله في الزنزانة واليهودي الوحيد في المعتقل: عيسى فوميتش؟؟
* وما هي ملامح الصورة النفسية والإجتماعية والدينية التي تنطوي عليها شخصية يهودي"ذكريات دار الموتى"؟؟