فهرس الكتاب

الصفحة 194 من 3028

قال لي مرة الشاعر الفلسطيني الكبير"محمود مفلح"عندما طلبت منه تعليقا على جائزة نوبل التي منحت هذا العام لنجيب محفوظ.."..إن الأيدي التي منحت الجائزة لهؤلاء.... ليست نظيفة. وأنا بصراحة لا اطمئن كثيرا للهدايا التي تأتينا من الغرب".. وعليه فإننا لا نغالي إذا قلنا بأن اختيار بن جلون لأكبر جائزة أدبية فرنسية ليس نظيفا و أن التكريم الفرنسي- والغربي عموما- لا يمكن أن يكون أبدا مجانيا ولا إنسانيا .. ذلك انه جاء تنفيذا ذكيا وماكرا للصيحة التي أطلقها الرئيس- ميتران- في آذان المهتمين بأمر"اللغة الفرنسية"وقال فيها بالحرف الواحد"إن أحدا لن يستمع إلى شعب بدأ يفقد مفرداته".

ذلك أن الفرنسية بدأ استعمالها عالميا يشهد تقهقرا وانحسارا أمام الإنجليزية وهذا ارق أولي الأمر في فرنسا ورأوا فيه صفعة حضارية لا يمكن تأجيل ردها وتصحيحها .. مما دفع بهم إلى استنفار الغيورين لعقد -كومنولث- لغوي لتدارس الأمر بحزم وجد ... (و دعك من الحزم العربي...)

وكان ابرز المهتمين والمهمومين"الرئيس ميتران"الذي دأب على متابعة إحصائيات تعلم اللغة الفرنسية ومدى انتشارها في العالم و الذي خصص جزءا من كتاب صدر له عن السياسة الخارجية للهجوم على الدبلوماسيين الفرنسيين الذين يتحدثون بالإنجليزية في الخارج مهملين لغة بلادهم (1) .. ومن هنا نفهم لماذا كان إسناد هذه الجائزة- جائزة جونكورد- لمواطن من العالم الثالث يكتب بالفرنسية ويتكلمها.. انه الطعم في راس صنارة الدعاية الفرنسية والغربية لمزيد الترغيب ومزيد الجلب للمتفرنسين والمستغربين من أبناء العالم الثالث- والعربي خصوصا- وهي طريقة جديدة قديمة دأب عليها الغرب في صناعة المفكر المستغرب.

لماذا"ليلة القدر"؟?

و أما لماذا كان اختيار"ليلة القدر"بالذات لتكون موضوع الجائزة فهذه حكاية أخرى يجهلها الكثير من أبناء جلدتنا الذين صفقوا طويلا للبادرة الفرنسية و اكبروا الشهامة الغربية .. ويعلمها الدين ينفقون طوعا من خزائنهم لخدمة لغتهم ونشر مبادئهم... ويعلمها أيضا كل من يتصفح هذه الرواية بعيدا عن طقس الدعاية والإشهار.

إن وقفة واعية وتنقلا يقظا بين تضاريسها كفيلان بفضح الوجه النكد لصاحبها وتعرية مواقفه التقدمية (؟؟) تجاه الدين عموما والصحوة الإسلامية خصوصا. وقبل أن نبدأ تصفح الرواية نرى من الضروري الوقوف قليلا حول ظاهرة"الإيمان الجديد"الذي بدأ يرفعه المستغربون من مثقفينا كشعار عقائدي بديل لينفوا عن أنفسهم ظاهريا أمام الجمهور والرأي العام المسلم تهمة الإلحاد والكفر بضغط من المناخ الإيماني الذي أشاعته الصحوة الإيمانية والتي أعادت فيه الاعتبار إلى"الدين".

عقائد المثقفين:

أ) فقد جاء على لسان مدير مجلة أسبوعية عند تنصيبه لمشرف جديد على الركن الثقافي بالمجلة قوله"... فكرت برهة في الردود التي ربما قد توجه إلينا من قبل قرائنا ذوي الحساسية الإسلامية وذلك لما اشتهر به غلطا وخطأ وبهتانا- فلان- من معاداة الإسلام ... بينما هو حسب رأيي شاعر رباني ولم اقل إسلامي... لأن- فلان- اختزل مرحلة التدين و الأديان ليسعى إلى الالتقاء بالمطلق مباشرة عن طريق الإبداع .. عن طريق الإلهام .. عن طريق الحب... هو ليس ملحدا. هو رباني." (2) .

ب) وجاء في الحوار حول عقيدة الشاعر المنتحر- خليل حاوي- مع أحد معارفه هذا السؤال ? ما هي حقيقة موقفه الديني إذ أن البعض يؤكد إيمانه والبعض الآخر يلمح إلى إلحاده ؟

أجاب صديقه المقرب ?.... كان مؤمنا ولكن إيمانه كان خاصا غير معهود ولا مألوف ولذلك يصح القولان فبه فلا يمكن تقريب إيمانه من أي من المعتقدات الشائعة وخاصة من أي المؤسسات الدينية القائمة بيد انه كان مضطرا للتعبير عنه بالأدوات المتاحة المتداولة وحسب معرفتي لم يكن ضد الإيمان بإله قد لا تكون له أية علاقة بالله الذي تقول به الأديان الموحدة المعروفة ولم يكن يدعو إليه..." (3) "

ج) وأما عن عقيدة صاحبنا موضوع الحال فقد صرح بها لأحد الصحافيين بقوله.."أطالب أن يبقى الإسلام كعقيدة وكإيمان لكن في حدود الضمير الشخصي ولكل مسلم أن يمارس إسلامه بدون أن يجعل من تلك الممارسة تعله لكي يرغم الآخرين أن يقوموا بنفس الأعمال ... ولهذا أقول بكيفية واضحة انه احتراما للدين الإسلامي يجب أن نجعل هذا الدين في مستوى عال ولا نستعمله لا أيديولوجيا ولا سياسيا وهذا ما أنادي به كمسلم وكانسان مؤمن بحرية التعبير وحرية السلوك والتفكير واحترام الرأي الآخر.." (4) .

وهذا الرأي"التقدمي الحضاري المتفتح المهزوم"نراه معروضا ومسرودا ضمن مواقف مختلفة بين صفحات رواية ليلة القدر وموزعا على إحدى عشر موضعا من الكتاب بتفاوت في اللهجة والمساحة والصيغة ونستطيع أن نلمح في ذلك ?

*سوء الأدب ... مع الله ?

ويبدو دلك جليا في تعليق الأب المحتضر على صوت المؤذن بقوله"... وكانت صيحاتهم تختلط بصوت المؤذن الذي كان يستعمل- ميكروفونا- لكي يسمعه الله على نحو افضل"ويعلق الراوي ?"... ابتسم أبي كما لو كان يقول بأن ذلك المؤذن لم يكن سوى رجل بئيس"صفحة 17 وبتشنج حانق وحقد صارخ يواصل الأب ?"أسدلي الستائر قد ينخفض صوت هذا الغبي الذي ينهق..."ص19 فهو يقارن الآذان الذي يحتوي على افضل واشمل صيغ التوحيد بالنهيق الذي يجب أن ينتهي والذي يرى في الإبقاء عليه وجها من وجوه التلوث الذي يفسد صفاء النفس ويلطخ مناخ المدينة .. في الوقت الذي يقول عنه الفيلسوف الفرنسي المسلم"إن عبارة- الله اكبر- التي يطلقها المسلم ( المؤذن) للتعبير عن عقيدته تجعل من كل سلطان ومن كل ملك وفي كل علم أمرا نسبيا .. إن هذا النداء هو تعبير عن الحرية الحقيقية لأنه تأكيد للبعد المتسامي للإنسان أي تأكيد لقدرته على الخروج من حتمية طبيعته وغرائزه وعاداته وتجاوزها جميعا. وهذه القدرة على التسامي هي المبدأ الأساسي لكل مجموعة إنسانية حقيقية" (5) . (نعتذر للطاهر بن جلون عن تعليمه هذا البعد الفلسفي للآذان)

وعندما يتحدث عن المدينة الفاضلة يبدو إعجابه بها و بسكانها كبيرا عندما يكتشف خصوصياتها التي تنفرد بها عن"الواقع"يقول على لسان البطلة الوجودية ?".. كان يقطنها حوالي مائة طفل ذكورا وإناثا كانوا يعيشون هناك في اكتفاء ذاتي بعيدا عن المدينة.. بعيدا عن الطرق وبعيدا عن الله نفسه"ص33 . ويتوسع اكثر في هذا المنحى في سوء توقير المولى سبحانه عندما يتكلف ذلك الدعاء الجنسي السخيف على لسان رجل الغابة وهو يلهث وراء المتعة الحرام ?"... بسم الله الرحمان الرحيم وصلى الله على آخر الأنبياء سيدنا محمد وعلى آله وصحبه. بسم الله الأعلى. الحمد لله الذي جعل المتعة العارمة للرجل تكمن في الداخل الدافئ للمرأة . الحمد لله الذي جعل في طريقي هذا الجسد البالغ الذي يتقدم وفق ما تبتغي شهوتي هذا دليل على نعمته ووجوده ورحمته. الحمد لله."ص 47.

إن هذا الإخلال بأدنى توقير وإجلال وتعظيم للمولى تعالى لا ينم إلا عن نفس وجودية لئيمة وهل مخبوءة لا كما جاء في الرواية بين جنبي"رجل الغابة"وإنما هي قابعة بين جنبي"بن جلون"ذاته .

*نظرته للقرآن الكريم?

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت