فهرس الكتاب

الصفحة 193 من 3028

الممرضة ? وقع عليها إذن.. وإذا وجه لي سؤال فأنا مستعدة لان اقسم بأنني تركت جعبة الأقراص على المنضدة قرب فراش- موريس- ( ترتمي على قدمي الأم القاتلة وتعانقها) ... عفوا عفوا سيدتي انك كنت تحبينه اكثر مني... ( صفحات 154 و 156)

* عندما عالج (صومرت موم ) هذه المشكلة أدبيا .. لم يكن يتصور أن يأتي اليوم الذي تتحول فيه"وجهة نظره"إلى قانون تتبناه الدولة ويمسي ساري المفعول يطبق في وضح النهار باسم السلطة تحت يافطة"الرحمة"و"الشفقة"و"الإنسانية"و"الحضارة"....وينتقل تمثيلها من ركح المسارح إلى واقع الناس وركح الحياة اليومية ... وتتخلى"الأم السيدة تابرت"عن دورها في المسرحية .. إلى الأم السيدة"السلطة"في الواقع... ويتخلى"الطبيب"المستعد دائما للتوقيع .. عن دوره للبرلمان.. وتتخلى الممرضة من جهتها عن دورها .. للإعلام... انه تقنين"العاصفة"...

الرحمة... على الطريقة النمساوية

وأما الخبر العاصف الثاني فبإمضاء نمساوي وقد تناقلته الصحف الغربية وخلاصته أن أربع ممرضات بمستشفى"لينز"اكبر مستشفى نمساوي بالعاصمة ( فيانا) ... قتلن 44 مريضا في 4 سنوات بدعوى انهم كانوا مزعجين وثقيلي الظل .. مما دفع بالسيد"قوتر بوجي"رئيس شرطة فيانا إلى القول بأنها"اكبر سلسلة قتل تعرفها أوروبا"وقد جاء في اعترافات المتهمة الرئيسية ( ولتراود فاقنر) - 30 سنة- عزباء- قولها? نعم أحدثنا الموت لعدد من المرضى ولكن كان ذلك بدافع الشفقة .. كانوا عجائز أو في حالة ميؤوس منها... وتضيف قائلة ? كانت البداية سنة 1984 مع عجوز في الرابعة والتسعين من عمرها... كنت اقتل واحدا كل ثلاثة اشهر ولكن هذا لم يكن كافيا ... فأصبحت اقتل ثلاثة كل أربعة اشهر...

الإنسان ? قيمة أم سعر ؟؟

إن هذه الجرائم الحضارية القذرة .. النظري منها كالقانون البريطاني الجاهلي الذي أشرنا إليه في بداية هذا المقال أو التطبيقي كالممارسة النمساوية ناجم في الحقيقة عن خلفية فكرية فلسفية متخلفة مسكونة في (الباطن الغربي) والتي تلخص وجهة النظر الغربية"للإنسان"الذي هو عندها مجرد"سعر"لا"قيمة"ومجرد"رقم"لا"ذات".

والإنسان عندها أيضا ليس اكثر من"زر"في ماكينة الإنتاج الغربي فإذا أصابه عطب ما وصار غير مساهم في دفع الماكينة ... استغني عنه وأحيل على الإهمال..

والمعاقون وأصحاب العاهات- العقلية منها خاصة -... يبدو انهم غير مرشحين للمساهمة في دفع ماكينة الإنتاج الغربي .. وبالتالي فهم"قطع غيار"غير مرغوب فيها وغير مطلوبة .. وليس لها مكان في"المصنع الحضاري"ولهذا تراهم يفلسفون للتخلص منها نهائيا ولو على حساب الرحمة والشفقة ... ذلك إن الالتزام بمبدأ"البقاء للأصلح"وعقدة"السوبرمان"لا يمكن التنازل عنه أو التفريط فيه..

إنسانية الإنسان في حضارة الأزمة:

لقد كان الفيلسوف الأمريكي"جون ديوي"محقا في استنتاجه الذي لخص فيه وجهة نظره النقدية للمسار الانتحاري الذي تنتهجه الحضارة الغربية- حضارة الأزمة- والذي يقول فيه?"... إن الحضارة التي تسمح للعلم بتحطيم القيم المتعارف عليها ولا تثق بقوة هذا العلم في خلق قيم جديدة ... تدمر نفسها بنفسها"

ذلك أن الجانب الأخلاقي بالمقارنة إلى الجانب المادي في واقع النشاط الحضاري الغربي - في أوروبا كما في أمريكا-.... اصبح متخلفا كثيرا- على حد تعبير الدكتور عبد الصبور شاهين (4) - إلى درجة أن أحدا لم يعد يتصور أن من الممكن تحقيق أدنى تقدم في سبيل إصلاحه... لقد أصبحت الحياة أرقاما وعلاقات حسابية خلوا من أية قيمة أخلاقية ... ومن الممكن قطعا أن نسلم بأن حجم المشكلة الأخلاقية على محور الحضارة الغربية قد اصبح اكبر من طاقة مصلحيه وقدرتهم على مواجهته ربما لأن واقع الحضارة الغربية مادي في جوهره ومن العسير أن تجد الأخلاق لها مكانا في عالم يقيس كل شيء بمعيار مادي ..

وهذا ما دفع"رينيه دوبو"الحائز على جائزة نوبل للعلوم لعام 1976 وجائزة بولتزر لعام 1969 إلى القول بصراحة تشوبها مرارة وحسرة ?"... نحن نشكو تجريد الإنسان من إنسانيته ويخبرنا علم الأجناس (أنثروبولوجي) أن الإنسان يكتسب مشاعره الإنسانية من خلال صلاته الحميمة بالأحياء الآخرين من حوله و أن كل أطوار نموه متكيفة دائما بالإثارات الاجتماعية التي يتلقاها خلال فترة حياته . فعلينا أن ننشئ الآن علما للرجل المعاصر لا يعتبر الإنسان مادة وعلينا أن ندرس علاقة الإنسان بالأناس الآخرين في حالات انفعالاته العاطفية العميقة خلال لقاءاته الفردية وصلاته الاجتماعية العادية..." (5)

وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين?

إن هذه الشواهد المؤسفة التي سقناها ضمن هذا المقال وغيرها كثير وأنكى ... لدليل شؤم على المصير المدمر والمفزع الذي يتربص بالبشرية في حال إسلام قيادها إلى المنهج الغربي الوضعي واستكبارها عن إسلام الوجه لخالقها والدخول في السلم كافة. وتبني المشروع النبوي للإصلاح والتحضر على مستوى الفرد والجماعة .

ذلك أن الوصفات الغربية المرصودة لوضع حل لمشاكل البشرية وهمومها والتخفيف من حدة المعاناة التي يكابدها الإنسان- ذكرا وأنثى- على اكثر من مستوى وفي اكثر من مجال لا تحمل في عمقها إلا السم والدمار ... رغم الأسماء اللماعة التي توقعها والألوان البراقة التي تجملها والأطر المصطنعة التي تظهر فيها... وأخبار الليل والنهار التي تزكمنا بروائح الحروب والمجاعات والاعتداءات والانتهاكات والتدمير والإفساد ... لخير دليل على ذلك.

وهذا ما يجعلنا ننادي بدعوة الغرب إلى الاستقالة ورفع يده عن قيادة البشرية وسحب مشروعه الفاشل.. وإفساح المجال أمام الصحوة الإسلامية المباركة حتى تنزل برنامجها الواعد الذي وصفه المولى سبحانه بأنه"رحمة للعالمين".

هوامش ?

(1) جريدة الصباح التونسية.

(2) العاصفة للكاتب البريطاني صومرت موم- تعريب حسن الزمرلي- الدار التونسية للنشر

(3) جريدة"الصباح الأسبوعي"الاثنين 17/4/1989 صفحة"مجتمع وقضايا"

(4) انظر المقدمة الرائعة التي صدر بها كتاب"دستور الأخلاق في القرآن"للدكتور عبد الله دراز- ص (كح) مؤسسة الرسالة.

(5) انظر كتاب"إنسانية الإنسان"- رينيه دوبو- تعريب دكتور نبيل صبحي الطويل- عن مؤسسة الرسالة- ص 60

الطاهر بن جلون...

يسبّ الدين في"ليلة القدر"

قرأت أخيرا رواية- ليلة القدر- للكاتب المغربي المستغرب"الطاهر بن جلون"في طبعتها العربية .. بعيدا عن طقس الدعاية والإشهار.

وما إن وصلت إلى نقطة النهاية فيها حتى همست لصاحبي الذي جاء يستعيرها مني"لقد نجح هذا الفرنكفوني في رصد مساحة لا بأس بها من روايته هذه لسب الدين"متمثلا قول الشاعر"و إن كنت لا تدري فتلك مصيبة و إن كنت تدري فالمصيبة اعظم.. وعلينا أن ندري. بل يجب ويتحتم... ولنبدأ من الأول"

*التكريم الفرنسي... ليس نظيفا..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت