بينما تظل المشاركة الإسلامية المعاصرة غائبة عن الميدان بشكل أو بآخر وهذا في الحقيقة واقع يؤسف له ويحز في قلب كل مسلم غيور يحس بانتمائه إلى الأمة الشاهدة- خير أمة أخرجت للناس- والتي من مستلزمات شهادتها وقيادتها أن تظل صاحبة السبق والامتياز لا أن تكتفي بالنظر والانبهار ? ذلك أننا نملك الطاقات وتتوفر لدينا مصادر الفاعلية كما أن لدينا تراثا علميا قيما شاهدا على نبوغ العقل المسلم وإبداعه .. وأبوة علمية ونسبا علميا عريقا يصلنا بأعلام البحث وأقطاب العلم وجهابذة المعرفة من ابن سينا إلى الرازي فالادريسي فالخوارزمي فابن الهيثم فابن خلدون .. والقائمة طويلة .
فلأي سبب إذن تظل مشاركة العقل المسلم المبدع معطلة ومغيبة عن الساحة ؟؟
أسباب وعوائق
في الحقيقة هناك شبكة من الأسباب الموضوعية القاهرة والمعيقة تكمن وراء هذا التغييب المقصود وتعمل جادة على إقصاء المساهمات الإسلامية أو في احسن الحالات تعتيمها وتقزيمها إن وجدت.
ومن هذه الأسباب ?
(1) الفهم السلبي لحقيقة الكفاءة ? ففي عالمنا العربي والإسلامي يسود فهم خاطئ وسلبي للكفء باعتباره صاحب الشهادات العليا واللقب البارز الذي يؤهله لاعتلاء منابر التدريس في المعاهد العليا ويسمح له بتقلد المناصب الرسمية السامية وإدارة المؤسسات... دون أي اعتبار للتخصص والفاعلية والإخلاص والخلق.. وبهذا المقياس السطحي والفهم السلبي وجد كثير من أصحاب الكفاءات الحقة والتخصصات العالية والمهارات والفعالية والاستقامة.. أنفسهم مبعدين عن مصادر ومراكز التأثير والتنظير والتوجيه والتخطيط والبحث..
(2) الاعتماد على المؤسسات والجامعات الغربية في تكوين الإطارات وترشيد (؟) الطاقات العلمية المتخصصة -من جهة- وارتكاز كثير من المؤسسات العلمية والتقنية الموجودة- على استحياء- في بعض الأقطار العربية على أنماط مستوردة من الغرب .. أضف إلى ذلك الفوضى وانعدام التخطيط وغياب المنهج الذي أدى إلى تشتيت الجهود وتفتيتها ومن ثم تقلصت المساهمة واختفت المبادرات الطيبة الصالحة إذ لم تجد المحضن الفاعل ولم تتوفر لها المؤسسة الناجعة...
(3) المناخ السياسي المضطرب السائد في عالمنا العربي والإسلامي والمتسم في عمومه بالاستبداد والحزبية الضيقة .. حيث توجد علاقة متشنجة مضطربة بين بنية السلطة وخصائصها وبين متطلبات التقدم العلمي والتكنولوجي . وهذا التشنج والاضطراب قد تعدى بدوره لينعكس على العلاقة القائمة بين الرموز السياسية وأصحاب الكفاءة ..حيث يصبح الكفء بحكم خبرته وتأهيله ونبوغه وفاعليته يمثل عنصر عدم استقرار وهاجس خوف بالنسبة للسلطة (3) .. وهذا ما دفع ولا يزال يدفع بكثير من الأنظمة إلى توخي سياسة التهجير ولو بطرق ذكية غير مباشرة كافتعال واختلاق عوامل دافعة إلى ذلك ? كعدم المبالاة وتقليص فرص العمل المناسب وخنق حرية التعبير والتفكير وعدم الاعتناء بمخابر البحث ومراكز التجارب بناءا وتجهيزا .. كل هذه العوامل وغيرها تولد بمرور الزمن لدى النابغين شعورا مريرا بالإحباط واليأس والقلق والانسحاب .. وهذه في الحقيقة ضريبة النبوغ في العالم المتخلف.
ولعل في كلمة أحد السياسيين العرب لمواطنه العالم الدكتور في علوم الذرة .. والذي يشهد له عالميا بنبوغه وتفوقه وفاعليته في ميدان تخصصه والذي فاز سنة 1969م برئاسة الوكالة الدولية للطاقة النووية ... خير دليل على تلك النظرة المجحفة للسلطة تجاه أهل الخبرات العلمية والكفاءة . فقد قال له بالحرف الواحد"سنعصرك مثل الليمونة ثم نرميك"..
(4) حرص الغرب على إبقاء العالم الإسلامي في صفوف الدول المتخلفة أو بالعبارة المهذبة الخادعة ? الدول النامية.. وقد سلك لهذا الغرض سياسة تتسم بالعداء الصريح والمكر الحاد وهي تركز على ?
أ) محاربة الإسلام وإبعاده عن ساحة التأثير والفعل والحركة. حتى تتعطل المحركات الفاعلة والطاقات الإيجابية التي باستطاعتها استنهاض الأمة وتجديدها وبعثها من رقدة العطالة والتخلف والارتقاء بها إلى مراكز الريادة وقمم المجد.
ب) إقصاء العلماء الصادقين والكفاءات العليا الفاعلة والمخلصة عن أية مشاركة أو مساهمة في تقرير شؤون الأمة .. التي ستجد نفسها في النهاية مشلولة ومعطلة لفقدانها القيادات القادرة على التدبير والتخطيط والتنظير والتعبئة.
ج) فرض التبعية الاقتصادية التي مهد لها الغرب عمليا بنسفه أسس الاقتصاد الذاتي للامة ... كالمحاولات التي استهدفت لها الصناعات المحلية والتقليدية والزراعة المحلية وغيرها. فقد عمد الغرب إلى تحطيمها وتشويهها وتخريبها... حتى يفر لبضاعته وإنتاجه سوقا رحيبة واسعة.. ويجعل من البلاد سلة استهلاك.
د) سد الطريق ورصد العراقيل أمام محاولات التقارب وأشكال التعاون والتضامن .. وإضعاف العلاقات الثقافية والتجارية والسياسية .. وذلك عن طريق فرض التجزئة التي لا تزال تمثل اكبر عائق أمام تطلع الأمة إلى استرداد قوتها وفاعليتها.
كل هذه الأسباب وغيرها.. كانت وراء غياب المشاركة الإسلامية في حركة الإبداع الحضاري وهي- ولله الحمد- ليست عوائق مزمنة أبدية وإذن لكان اليأس والقنوط وإنما هي في متناولنا متى شئنا إزالتها وإبعادها عن طريقنا.. شريطة العودة الواعية إلى الذات والتحقق العميق والفاعل لتعاليم إسلامنا وكتابنا في إطار من المنهج السليم والعمل الاستراتيجي المبرمج والمنضم والمتين.
هوامش?
(1) انظر? القرآن وقضايا الإنسان- الدكتورة بنت الشاطئ- ص 241.
(2) انظر? حول إعادة تشكيل العقل المسلم- الدكتور عماد الدين خليل- ص71.
(3) انظر مجلة العالم- العدد 23 -ص 65.
انهم يفلسفون قتل الإنسان
"... صدر قانون جديد في بريطانيا يقضي بالعمل على التخلص من الأطفال حديثي الولادة والذين يولدون مصابين بعاهات كالخلل العقلي. وصدر هذا القانون الجديد في أعقاب حالة مستعصية لطفلة ولدت ليلة 25 ديسمبر الماضي ولا تزال تعاني من أعراض إعاقات خطيرة وأجريت عليها عدة عمليات جراحية دون أمل في شفائها..."
تقنين"العاصفة":
هذا الخبر المفزع الذي أوردته إحدى الصحف اليومية (1) في صفحة (صدى المحاكم) المخصص عادة لنقل وتتبع الجرائم التي يرتكبها- المواطن- نحو المجتمع والسلطة.... ذكرني بمسرحية"العاصفة" (2) للكاتب الإنكليزي- صومرت موم- والتي عالج فيها مشكلة من أعوص المشاكل الاجتماعية الناجمة عن الحضارة المادية في الغرب والمعبر عنها لدى الغربيين ب"الاوتانازي"بمعنى هل يسمح لأي كان بأن يقضي على حياة شخص عزيز عليه إذا أصيب ذلك الشخص بمرض لا رجاء في شفائه منه أو في أي حالة من الحالات التي لا سبيل لإخراجه منها ...والمؤلف يبين لنا من سياق المسرحية وخصوصا في خاتمتها أن السيدة تابرت أم الضحية .. قامت بعمل إنساني بطولي (؟) أملاه عليها عطفها على ولدها العاجز.. فقد جاء في الحوار الأخير الذي يسدل على إثره ستار المسرحية ?
-السيدة تابرت ? - (في هدوء كامل ) .. كنت قد وعدت- موريس- اثر الحادث بأنني سأمكنه من التخلص من الحياة إذا أصبحت الحياة لا تطاق بالنسبة إليه...فقلت له ? إذا أصبحت آلامك مبرحة وإذا طلبت إلي أن أريحك فإنني لن أتأخر أمام مسؤولية إعطائك السم مهما كان لتضع حدا لحياتك الأليمة..
الممرضة ? هل أنت مستعد للتوقيع على شهادة الوفاة يا دكتور ؟
الطبيب ? على أتم الاستعداد يا آنسة