يقول خالد محمد خالد في كتابه ? الدولة في الإسلام- الذي أعلن فيه توبته الثقافية? - إن تسمية الحكومة الإسلامية بالحكومة الدينية فيه تجن وخط آن . فالحكومة الدينية مؤسسة تاريخية نهضت على سلطان ديني بينما كانت أغراضها سياسية وأضلت الناس سعيرا بسوء تصرفاتها وتحكمها... (بينما) الإسلام حتى في فترات استغلاله من بعض الخلفاء والحكام فانه لم يمنح أيا منهم سلطة باباوية أو كهنوتية لأنه لا يتسع لأي كهنوت لا في تعاليمه ولا في تطبيقاته .... من اجل هذا كان تسمية الحكومات الإسلامية المنحرفة بالحكومات الدينية وتحميل الإسلام وزرها أمر مناف لكل صواب.
والادعاء بإلغاء وغياب النقد والمعارضة في ظل الحكم الإسلامي فيه تجن على الحقيقة ... ولا نراه ينطبق - حسب تجارب الامس واليوم- إلا على الأنظمة الثورية العربية التي تنتهج سياسة تكميم الأفواه واغتيال المعارضين وتحريم النقد والتجريح...
بيتما الحكومة في الإسلام- التي تسعى الأحزاب الإسلامية إلى إقامتها كفريضة وضرورة- خاضعة للنقد النزيه والتوجيه والتقويم ورئيسها فرد عادي ليس له من الأمر شيء إلا القيام بمهام التنفيذ وإقامة العدل الكامل وحفظ الأمن ورعاية الصالح العام والمصالح الفردية على السواء. وهو مسؤول أمام الأمة صاحبة المصلحة الحقيقية بحكم كونه نائبا عنها في القيام على وظائف الدولة.... فضلا عن مسؤوليته أمام الله تعالى.نعم.. التشريع الهي في الحكومة الإسلامية ولكن الرئيس الأعلى للدولة منتخب عن طريق الشورى أو عقد البيعة الذي يوجب التزامات على كل من الحاكم والمحكوم طرفي العقد وكل منهما معرض للخطأ والصواب فيجب التناصح والتوجيه فالحكومة الإسلامية في آخر التحليل حكومة مدنية عادية غير إنها محكومة بشرع الله ومقيدة بنصوص الكتاب والسنة الصحيحة ومنضبطة بالقواعد الأصولية الإسلامية فلا طاعة لها في معصية (أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم) (إني وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت أعينوني و إن أسأت فقوموني) وتقويم الحكومة الإسلامية حق للناس جميعا وواجب عليهم يستوي في ذلك الرجال والنساء وعلى الحكومة أن تستجيب للنصح والتقويم من أي مكان جاءها (أصابت امرأة وأخطأ عمر) .
ج) الأحزاب الإسلامية ? حالة إنقاذ
إذا كان هناك شعور مشترك ومتقارب بالتحديات المعاصرة المتعددة التي تواجهنا كعرب وكمسلمين فإن هناك تباينا في كيفية المواجهة واختلافا في صيغ النهوض والتنمية. والذين يرون في البديل الإسلامي دعوة إلى التخلف وتضييعا للوقت الذي نحن بحاجة إليه- لمزيد بذل الجهد من اجل الوصول إلى الفضاء وتصنيع الذرة -واهمون ومتهمون من ناحيتين ?
تماديهم في الإطناب في إظهار الهوة في ميزان القوى العسكرية بيننا وبين عدونا الصهيوني والقوى الإمبريالية التي تسانده- وتأكيدهم على وجود هوة قائمة بيننا وبين أولئك الأعداء في مجال العوم و التكنولوجيا والقوى المادية ثم اكتفائهم لردم الهوة بالتعبئة السياسية المرتكزة على المصلحة الاقتصادية لتحقيق تعبئة الشعب وتنظيمه والهاب حماسته بمزيد استهلاك الشعارات الثورية وهو ما يجعلهم يستهزلون بالمحتويات التي تحملها أخلاقنا وقيمنا... ويعتبرون مشكلة الإيمان مشكلة تجاوزتها اهتمامات الجماهير..
-ومن هنا كان الأولى بالذين يستهجنون قيام أحزاب إسلامية- في هذا المناخ العالمي- ويبغونها عوجا أن يعتبروا هذه الظاهرة بمثابة حالة إنقاذ للامة في صراعها الحضاري وصيغة فاعلة من صيغ نهضتها ومسيرتها الحقيقية نحو المجد... نحو الحضارة ..
الحركة الحضارية
وغياب المشاركة الإسلامية المعاصرة
لا جدال في أن قرننا الحالي شهد ولا يزال يشهد ازدهارا هائلا وتقدما ملحوظا في شتى مناحي الإبداعات الحضارية من فتوحات علمية متنوعة باهرة وتقنيات عصرية عالية مدهشة... لم يحفل بمثلها التاريخ البشري من قبل .. بصرف النظر عن مدى التوظيف السيئ والسلبي الذي استهدفت له كثير من الاختراعات والآليات والذي كانت له انعكاسات سيئة ونتائج وخيمة على الكون والإنسان ... والراجع أساسا- نعني ذلك التوظيف- إلى ضمور الوازع الديني والأخلاقي في الضمير الغربي.
أسباب تقدم الغرب والتفوق العلمي
ولا جدال كذلك في كون الغرب بجناحيه هو صاحب الريادة في ذلك والمتقدم قبل غيره في كثير بل في جل ميادين العلم والتقنية ? تطويرا واكتشافا وابتكارا .. نقولها بكل موضوعية بعيدا عن أي انفعال عاطفي..
فقد استطاع العقل الغربي بما توفر له من أسباب العمل وبما تهيأ له من عوامل البحث والفعالية كالحريات والمصداقية والأمن الثقافي والفكري والعلمي والاجتماعي والتشجيع الأدبي والمادي والرعاية المستمرة والمتابعة الجادة والتخطيط والمنهج .... أن يقطع أشواطا عملاقة في مجالات الإبداع والابتكار والبحث مسجلا بذلك بصمات مشرقة وانتصارات جلية في مختلف مناحي الإبداع الحضاري .. تشهد بريادته وتفوقه.
إلا أن الحقيقة التي يجب ألا تغيب عن الذهن ونحن نقر هذا الامتياز العلمي للغرب ونعترف له بهذه الريادة .. هي أن العقل الغربي لم ينطلق من فراغ ولا من لمسة سحرية ... ليسجل كل هذه الانتصارات والفتوحات وما كان له أن يصل بهذه الدرجة من السرعة إلى ما هو عليه اليوم من تفوق وسبق لو لم يجد بين يديه بدايات جادة ومقدمات متينة وأسسا راسية وجهودا سابقة اعتمدها كمرتكزات ومنطلقات لبداية مسيرته العلمية.. فقد انطلق هذا العقل من حيث انتهت خطوات سلفنا من علماء الإسلام في العصر القيادي للحضارة الإسلامية التي أضاءت للغرب الأوروبي في ظلمات عصوره الوسطى وقدمت له مع أجهزة الرصد الفلكي ذخيرة من علوم الطبيعة والملاحة والطب والرياضيات والفلك (1) ... وهذه حقيقة يعترف بها علماء الغرب أنفسهم وكشفت عنها وسطرتها بكل موضوعية الكاتبة الألمانية"ايزفريت هونكا"في كتابها القيم"شمس الإسلام تسطع على الغرب"وافصح عنها"غوستاف لوبون"بقوله ?"إن جامعات الغرب لم تعرف لها مدة خمسة قرون موردا علميا سوى مؤلفاتهم (يقصد علماء المسلمين) وانهم الذين مدنوا أوروبا مادة وعقلا وأخلاقا وتأثير العرب عظيم في الغرب" (2)
غياب المشاركة العلمية الإسلامية:
إلا أن الإضافات الغربية لهذه الأسس والجهود .. تتمثل في كون علماء الفرنجة عرفوا كيف يستفيدون منها وكيف يوظفونها ويجعلون منها مصادر دفع وفعالية ولم يجعلوا منها ترفا فكريا يتلهون به أو مادة متحفية ساكنة أو عروضا أثرية .. بل حرصوا على التزود منها وهضمها وتمثلها والاسترشاد بها واستفتائها فيما أشكل عليهم من أمور العلم .. وبذلك استطاعوا أن يكونوا فاعلين ورائدين في مجالات العلم والإبداع .. تتوالى خطواتهم حثيثة مكتشفة مجاهل الكون متنقلة من عصر البخار إلى عصر الكهرباء إلى عصر الذرة... ويظل الغرب كما أشرنا في البداية صاحب التاج والمبادرة دون منازع والمهيمن على الحركة العلمية والتقنية ...