فهرس الكتاب

الصفحة 190 من 3028

أقول لك بصراحة وبأسف في الوقت نفسه أن السبب بإيجاز هو غياب التفاعل و التعامل المنتج مع أبجديات إسلامنا..نعم فنحن- حتى الساعة- لم نحذق الصيغة الصحيحة الفاعلة في تعاملنا مع هذا الدين و ما يحمل من تعاليم فذة و إشارات راشدة ودافعة...وإلا لما انتظرنا حتى يشتغل العقل الياباني بتصميم مثل هذه الآلة ..

صحيح أن واقعنا العربي و الإسلامي المتخلف يحد من التطلع إلى آفاق الابتكار والإبداع وان مناخنا السياسي والاجتماعي و الثقافي- السائد- و المتسم في عمومه بالاضطراب والتوتر لا يشجع على الابتكار والتنافس والبحث..ولكن ليس هذا العقبة كلها..فلو أننا تفاعلنا بعمق و بصيرة ووعي منتج مع ركن الصلاة مثلا واتخذنا منه عامل دفع إلى البحث والابتكار..لكنا من المبرزين في تصميم آلات قياس الزمن وضبط الاتجاه و تعصير أدوات الطهارة..

وبالمناسبة هل بلغك أن ميضات بعض المساجد في أوروبا لها (( حنفيات ) )تفتح وتغلق أوتوماتكيا وقد صممت خصيصا للوضوء وهي تهدف إلى قطع الطريق أمام أية محاولة للإسراف في الماء إذ لا تخرج منه الا بمقدار ما يكفي لوضوء لا سرف فيه.. وعندي أن هذا التصميم الهادف يمثل البعد التقني- أو بالأصح التفسير التقني- لحديث بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بسعد وهو يتوضأ فقال له"ما هذا الإسراف يا سعد"فقال سعد"أو في الوضوء إسراف"قال"نعم ولو كنت على نهر جار"

فكأني بالقوم قرأوا هذا الحديث قراءة واعية منتجة هدتهم إلى تصميم ما يعين المسلم -المعاصر- على العمل بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم ... بينما اكتفينا نحن بالقراءة الوعظية للحديث دون تمثل وتدبر بعده التقني.

فمتى نتجاوز موقف الانبهار إلى المبادأة والفعالية..

من جانب المحراب يبدأ سيرنا للمجد

العنوان الذي اخترته لهذا التعقيب هو جزء من بيت شعري للشاعر الإسلامي"وليد الاعظمي"يقول فيه ?

من جانب المحراب يبدأ سعينا للمجد .. لا من ظلمة الماخور

وهو البيت الثلاثون من قصيدة"نور الشهادة"التي كتبها الشاعر ستة 1960. وكان قد ألقاها في المؤتمر الأول للحزب الإسلامي- فرع لواء الرمادي- كما نص على ذلك في ديوانه"الزوابع"ص78 وقد رايته مناسبا للتعقيب على تصريح سمعناه وقرأناه هذه الأيام لزعيم دولة عربية إفريقية ألقاه في حفل جامعي حضره طلبة التعليم العالي وأعضاء هيئة التدريس بالجامعات والمعاهد العليا. وقد جاء فيه كما لخصته إحدى جرائدنا اليومية وبالتحديد جريدة"الصباح"في عددها 13483 ليوم الثلاثاء 26 من ذي القعدة بالصفحة الخامسة انه يستهجن قيام البعض بتشكيل أحزاب دينية في عدد من الأقطار العربية اعتقادا منهم بأن المشكلة في الوقت الراهن هي مشكلة إيمان. وقال إن مشكلة الإيمان لم تعد تحتل المركز الأول من اهتمامات الجماهير. فالمسلمون يعرفون أمور دينهم ولا يحتاجون إلى من يعلمهم دينا جديدا. أضاف إن الذين يشكلون أحزابا دينية ويريدون أن يحكموا باسم الله يعتقدون انه ليست هناك مشكلة إلا مشكلة الإيمان مؤكدا أن المشكلة في الوقت الراهن هي جملة المشكلات الاجتماعية والاقتصادية التي يعاني منها المجتمع. وأوضح انه إذا حكمت مجموعة باسم الله فذلك يعني أننا سنعود إلى الخلف ويسود التفريق بين الذكر والأنثى ولا يوجه إلينا النقد باعتبار أن السلطة الدينية سلطة مقدسة... ثم حرض الطلبة وهيئة التدريس على العمل و اختصار الوقت وتكثيف الجهود للوصول إلى الفضاء وتصنيع الذرة. وقال ? لسنا على استعداد لتضييع الوقت فأمامنا تحديات خطيرة..

هذا إذن مجمل الكلام وهو على قصره واختصاره مشحون- في رأيي- بكلمات لا بد من وضع النقاط عليها وتصحيحها وتوضيحها .

أ) مشكلة إيمان..

"أزمتنا أزمة إيمان"هذا هتاف ردده الإسلاميون في الجزائر في إحدى مظاهراتهم السلمية الجماهيرية المشهودة ويبدو أن هذا الشعار قد استفز كثيرا من المنافقين والعلمانيين والمتسلطين. والذين يرددون بدهاء هذه الأيام بأن مشكلة الإيمان لم تعد تحتل المركز الأول من اهتمامات الجماهير بدعوى أن المسلمين يعرفون أمور دينهم ... قولهم مردود ومطعون ? ذلك أن رفع شعار"أزمتنا أزمة إيمان"الذي تبنته جماهير الصحوة الإسلامية لم يأت من فراغ ولا يمكن تصنيفه من باب المزايدات... بل جاء تعبيرا صادقا وصارخا عن معاناة وإحساس بأزمة الهوية في مناخ التخلف والانحطاط المعاصر في ظل تجارب وسياسات ما بعد الاستقلال حيث استيقظت الشعوب الإسلامية من غفوتها- كما يقول الدكتور عبد المجيد النجار- لتجد نفسها تحت هيمنة سياسية لا تتبنى الهوية الإسلامية أصلا في مفهومها الأصولي وإنما تتبنى الهوية العلمانية في الغالب. فعزلت الهوية الإسلامية تماما عن أن تكون في موقع تستفيد فيه من يقظة العالم الإسلامي لتستعيد دور الفاعلية الاجتماعية بما يتولد منها من مشاريع عملية اقتصادية وثقافية وتربوية وغيرها وظلت هذه المشاريع تستنسخ من العالم الغربي.

ومن هنا يتأكد لدينا أن مشكلة الإيمان /الهوية تظل في الصدارة وستبقى هما مركزيا نوويا لدى الجماهير الإسلامية حتى تستعيد عافيتها الحضارية وتسترد استقلالها النفسي والسياسي والثقافي والوطني. ذلك أن"الصلة بين طبيعة الهوية في الأمة وبين مستقبلها الحضاري هي صلة السبب بالمسبب والمقدمة بالنتيجة. فبحسب ما تكون عليه أية أمة في موقفها الوجودي وفي تقييمها للإنسان ودوره وفي تنظيمها لحياته وفي أسلوب تعاملها مع الكون .. يكون نمط حضارتها ومبلغ رقيها وتعميرها في الأرض . وذلك لأن هذه العناصر الأيديولوجية الثقافية -إيمان / هوية- هي المحرك الأساسي للفاعلية الحضارية فعلى قدرها تكون تلك الفاعلية وبالتالي على قدرها يكون الأداء الحضاري إيجابا وسلبا".

ومن جانب آخر ننبه إلى كون الأحزاب الإسلامية عندما تتبنى هذا الشعار وهذا الطرح- إيمان / هوية- لا تدعي أنها تريد تعليم المسلمين دينا جديدا بل همها ? إحياء علوم الدين وتصحيح وترشيد الممارسة الدينية على مستوى الفرد والمجتمع وتثوير الوعي وتحريك السواكن والإرشاد إلى الحق والفضيلة ورفع الغبن عن الذات المسلمة ودفعها إلى الإبداع بدل العطالة والى الإنتاج بدل الاستهلاك والى المبادأة بدل الانبهار والتبعية تحقيقا لقول المولى سبحانه وتعالى في الآية الكريمة ? (( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ) )الآية 104 من آل عمران.

ب) الدولة الدينية ? أم الدولة الإسلامية..

والقول بأنه"إذا حكمت مجموعة باسم الله فذلك أننا سنعود إلى الخلف ويسود التفريق بين الذكر والأنثى ولا يوجه إلينا النقد باعتبار أن السلطة الدينية سلطة مقدسة"... يبدو- كما لا يخفى على وعي القارئ ولا يستند إلى دليل ولا برهان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت