فهرس الكتاب

الصفحة 1964 من 3028

ما بال أصواتكم قد خرست وأفواهكم قد لُجِمَت عن الدفاع عن الحق وأهله من علماء الملة والدين ؟!! وعن أعراض المسلمات الطاهرات التي اغتصبت في مشارق الأرض ومغاربها على أيدي ٍ من الصليبيين الحاقدين ؟!!!!!

فهل يا تُرى قد جاء ذلك الزمان الذي أخبرنا عنه حبيبنا ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم إذ يقول: (( سيأتي على الناس سنوات خدَّاعات يُصدَّق فيها الكاذب ويُكذَّبُ فيها الصَّادق ويُؤتمن فيها الخائن ويُخَوَّن فيها الأمين ) )؟!!! [رواه ابن ماجه وأحمد والحاكم في المستدرك، وانظر السلسلة الصحيحة للألباني - حديث رقم 1887]

إني أوجه إليكم هذه الكلمات شفقةً وخوفًا عليكم من عذاب الجبار سبحانه وتعالى وانتقامه؛ فإن عذابه أليم شديد، قال تعالى: (((وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا ) )) [النساء: 30] ، وقال تعالى: (((وَأمَّا الذِينَ اسْتَنْكَفُواْ وَاسْتَكْبَرُواْ فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًَا ألِيمًا وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا ) )) [النساء: 173] ، وقال تعالى: (((فَإِنْ يَتُوبُواْ يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمْ الله عَذَابًا ألِيمًا في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ في الأَرْضِ مِنْ وَليٍّ وَلاَ نَصِيرٍ ) )) [التوبة: 74] ، وقال تعالى فيمن استكبر عن الحق وافترى على الله الكذب: (((وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ في غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلاَئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ ) )) [الأنعام: 93]

الصِّنْفُ الثالث

هم من أهل الخير والاستقامة، لا يُعرف عنهم إلاَّ كل خيرٍ وصلاح، نحسبهم كذلك ولا نزكي على الله أحدًا، أصحابُ عقيدةٍ صافية وطريقةٍ سُنِّيَّةٍ مرضية، لكنهم (يا للأسف والحزن) قد توقفوا في أمر نزار قباني وحكمه في الدنيا: أهو من أهل الإسلام أم من أهل الردة والإلحاد ؟!!!

ورحمة الله على محدِّث الفقهاء وفقيه المحدثين في زمانه: أحمد بن حنبل حين وقعت له فتنة خلق القرآن فثبت ثبوت الجبال الرواسي وأفتى بكفرِ مَنْ قال أن القرآن مخلوق، وتوقَّفَ أُناسٌ في القرآن وأمسكوا، فلم يقولوا بأنه غير مخلوق أو مخلوق، وقد كانوا طوائف: فمنهم مَنْ وَقَفَ مُطلقًا ولم يصرح بشيء مُدَّعِيًا أنَّ الأمر لم يتبين له !!! وطائفةٌ قالت: إن القرآن كلام الله فقط

وقد كانت القضية عند الإمام أحمد وأمثاله من الأئمة الأعلام من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة، مما جعل الإمام أحمد يحكم بكفر مَنْ توقَّف في قضية خلق القرآن

فعن يعقوب بن بختان قال: (( سألت أبا عبد الله عن الرجل يقف، قال: هذا عندي شاكٌّ مرتاب ) ) [المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة: 1/354]

وعن أحمد بن محمد بن الليث قال: (( سُئل أحمد بن حنبل وأنا حاضر عن الواقفة، فقال: الواقفة والجهمية واللفظية عندنا سواء ) ) [المصدر السابق: 2/255]

وقال أبو حاتم الرازي رحمه الله: (( قال مصعب: هؤلاء الذين يقولون في القرآن: (( لا ندري مخلوق أم غير مخلوق ) )هم عندنا شَرٌّ مِمَّن يقول مخلوق .. يُسْتَتَابون، فإن تابوا وإلا ضُرِبَت أعناقهم )) [شرح اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي: 1/358]

وكذلك قال الإمام إسحاق بن راهويه حين سُئل عن الرجل يقول أن القرآن كلام الله ويقف، قال: (( هو عندي شرٌّ مِنَ الذي يقول مخلوق؛ لأنه يقتدي به غيره ) ) [المصدر السابق: 1/362]

وهذا قول أهل العلم: أنَّ مَنْ تَوَقَّفَ في القرآن فهو كافر بالله العظيم، وهو قول أهل المدينة وأهل الكوفة وأهل بغداد وأهل مصر وأهل الشام وأهل الجزيرة وأهل خراسان وأهل الثغور، وانظر للتوسع: شرع أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي 1/357-363

وبعد هذا كله: أيُتَوَقَّف في أمر نزار قباني وحكمه في شريعة الإسلام ‍؟!!!

يا أصحاب الفطر السليمة: أسألكم بالذي خلق لكم عينين ولسانًا وشفتين: هل في قلوب المؤمنين المخبتين أعظم من ذلك الرب الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ؟!!!!! ومن قال في كتابه الكريم وهو يمجد نفسه ويثني عليها وهو أهل الثناء وأهل المجد: (((وَمَا قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِه وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) )) [الزُمر: 67]

يا حُماة الإسلام: أيُستهزأُ بالخالق سبحانه وتعالى ويُرْمَى بكُلِّ نقيصةٍ وعيبٍ (وهو المنزه عن ذلك سبحانه وتعالى) ثُمَّ لا يُحكم على ذلك المستهزئ بالرِدَّة عن دين الله تعالى ؟!!!!!

يا من رضيتم بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمدٍ صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولًا: أيُشتمُ ربٌّ عبدناه ثم لا ننتصر له ؟!!! فوالله إنَّا إذًا لعبيد سوء وما نحن له بعابدين

فيا قلة السالكين !! ويا كثرة الهالكين والمخذولين !!!

ورحمة الله على الإمام ابن بطة العكبري قائد لواء أهل الحديث في زمانه، الذي كان يشكو بثه وحزنه إلى طلابه مما كان يراه في زمانه من غربةِ الدينِ بين أهله وذويه وحامليه، فمِمَّا قاله: (( يا إخواني: عصمنا الله وإياكم من غلبة الأهواء، ومشاحنة الآراء، وأعاذنا وإياكم من نصرة الخطأ وشماتة الأعداء، وأجارنا وإياكم من غِيَرِ الزمان وزخاريف الشيطان؛ فقد كثر المغترون بتمويهاتها، وتباهى الزائغون والجاهلون بلبسة حلتها، فأصبحنا وقد أصابنا ما أصاب الأمم قبلنا، وحلَّ الذي حذَّرَنَاه نبينا صلى الله عليه وسلم من الفرقة والاختلاف وترك الجماعة والائتلاف، وواقع أكثرنا الذي عنه نهينا، وترك الجمهور منا ما به أمرنا، فخلعت لبسة الإسلام، ونزعت حلية الإيمان، وانكشف الغطا، وبرح الخفا، فعبدت الأهواء، واستعملت الآراء، وقامت سوق الفتنة وانتشرت أعلامها، وظهرت الرِدَّة وانكشف قناعها، وقُدحت زناد الزندقة فاضطرمت نيرانها، وخلف محمد صلى الله عليه وسلم في أمته بأقبح الخلف، وعظمت البليَّة، واشتدت الرزيَّة، وظهر المبتدعون، وتنطَّع المتنطِّعون، وانتشرت البدع، ومات الورع، وهُتِكتْ سُجفُ المشاينة، وشُهرَ سيف المحاشة بعد أن كان أمرهم هيِّنًا، وحدهم ليِّنًا، وذاك حتى كان أمرُ الأمَّةِ مجتمعًا، والقلوبُ متآلفةً، والأئمةُ عادلةً، والسلطانُ قاهرًا، والحقُّ ظاهرًا، فانقلبت الأعيانُ، وانعكس الزمانُ، وانفرد كلُّ قومٍ ببدعتهم، وحزب الأحزابُ، وخُولِفَ الكتاب، واتخذ أهلُ الإلحادِ رؤوسًا أربابًا، وتحولت البدعة إلى أهل الاتفاق، وتهوك في العسرة العامة وأهل الأسواق، ونَعَقَ إبليسُ بأوليائه نعقةً فاستجابوا له من كل ناحية، وأقبلوا نحوه مسرعين من كل قاصية فألبسوا شيعًا، وميزوا قطعًا، وشمتت بهم أهل الأديان السالفة، والمذاهب المخالفة، فإنا لله وإنا إليه راجعون .. وما ذاك إلا عقوبة أصابت القوم عند تركهم أمر الله، وصدفهم عن الحقِّ، وميلهم إلى الباطل، وإيثارهم أهواءهم، ولله عز وجل عقوبات في خلقه عند ترك أمره ومخالفة رسله، فأُشْعِلَت نيران البدع في الدين، وصاروا إلى سبيل المخالفين، فأصابهم ما أصاب مَنْ قبلهم مِنَ الأمم الماضين، وصرنا في أهل العصر الذين وردت فيهم الأخبار، ورويت فيهم الآثار ) ) [الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة: 1/163]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت