وهو من أكثر الشعراء الذين أساؤوا إلى المرأة وامتهنوها بتعرية جسدهاوتشريحها على قارعة الطريق: وفي رثائه لزوجه بلقيس وأم أولاده صوّرها لنا أنها امرأة تافهة مع أنه قبل ذلك وصفها بأنها معبودة ورسولة، ولم يكتب شيئًا عن أدبها أو فكرها أو خلقها أو ثقافتها؛ لأنه يختزل المرأة في وصف الجسد فقط، على نحو عنيف من الإيغال في مفاهيم الاشتهاء والافتتان؛ إذ لا يرى في المرأة إلا الجنس، ويعتبر الجنس هو الحياة كلها (20) .
ولذلك فهو يلعن المرأة المحتشمة ويثور عليها، ويرفض الالتزام بمجتمعه وقيمه، ولم يكتب عن المرأة كأم أو أخت أو زوجة، بل جل كتاباته تدور حول العشيقات والخليلات.
ولا يتحدث عن المرأة بقدر ما يتحدث عن جسدها؛ إنه لا ينظر إليها إلا بوصفها دمية ومتعة، ولا يعرض العلاقة الإنسانية بين الرجل والمرأة إلا من زاوية الجنس.
ورغم إساءته للمرأة ومصادرة عقلها وفكرها وثقافتها وأخلاقها وعطائها للمجتمع وإلغاء كل ذلك في شعره فإن له جمهورًا من النساء يعتبرنه الشاعر المعبر الراقي، وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على ضحالة فكر هؤلاء النسوة وانحلالهن إلى درجة يجعلن الحياة كلها جنسًا وشهوة على الطريقة النزارية (21) .
سادسًا: جمهوره المراهقون، ويدعمه المنافقون:
لا يمتري عاقل أن اللاهثين وراء شعره شهوانيون، يعانون فترات المراهقة المبكرة والمتأخرة، وما دام شعره مترددًا بين الكأس والجنس؛ فمن البدهي أن يكون جمهوره من المراهقين والشهوانيين؛ لأن شعره غذاؤهم.
وأرجو ألا يستعجل في الغضب بعض جمهوره والمعجبين به من هذه المقدمة المعقولة؛ لأن شاعرهم ينص على ذلك بقلمه حينما يقول: (قصيدة(نهداك) كانت الشرارة الأولى التي أطلقتني، والمفتاح إلى شهرتي، الطلبة العراقيون كانو يسكرون عليها على ضفاف دجلة، واللبنانيون كانوا يمزمزونها على موائد العرق في زحلة، لقد كان الطلاب خلال تاريخي الشعري كله جنودي وكتائبي وراياتي، فبهم شددت أزري؛ وبهم أسرجت خيولي، وبهم أكملت فتوحاتي) (22) .
والواقع أن نزار قباني ما هو إلا نبت أجنبي مسموم يحاول أن يطرح من خلال شعره عن المرأة مجموعة من المفاهيم الفاسدة والمنحلة التي يطمع النفوذ الغربي أن تصبح من المسلّمات عند الشباب المسلم.
ويساور الشك كل متأمل في هذه الحملة الدعائية التي صاحبت هلاكه رثاءً ومدحًا وشعرًا ونثرًا، هل كانت لأسلوبه فقط؟ أم لمضامين شعره ومعانيها الثورية التي هي في غاية الاستخفاف بمقام الربوبية والنيل من الشريعة، والانحراف في الشهوانية، والتعلق بالغرب إلى حد الهيام، وهل هناك نفاق يراد له أن يظهر ويشيع حينما يخفي حقيقة هذا الزنديق عن الناس، ويشاع بينهم المدح والرثاء مكان الذم والتحذير؛ فأين هي الموضوعية؟! وأين أمانة الكلمة؟!
المصادر:
(1) انظر المفيد في تراجم الشعراء والأدباء والمفكرين تأليف جماعة من الأساتذة (148 ـ 149) وانظر: ثلاثون عامًا مع الشعر والشعراء، تأليف رجاء النقاش (155) .
(2) بتصرف من الواقعية الإسلامية في الأدب والنقد للدكتور أحمد بسام ساعي (112) ودراسات في الأدب العربي الحديث (134) وانظر: موسوعة مقدمات العلوم والمناهج (4/564) .
(3) انظر أقواله السابقة في كتابه (قصتي مع الشعر) الصفحات (26 ـ 28 ـ 115) ودراسات في الأدب العربي الحديث للدكتور محمد مصطفى هدارة (132 ـ 133) وموسوعة مقدمات العلوم والمناهج للأستاذ أنور الجندي (4/567) .
(4) الصحافة والأقلام المسمومة، للأستاذ أنور الجندي (167) وقد نقله عن محمد سالم غيث في كتابه: الحب والجنس في شعر نزار قباني.
(5) هو جليل كمال الدين، في الشعر الحديث وروح العصر (307) وانظر: الواقعية الإسلامية في الأدب والنقد (113) .
(6) انظر: جريدة الحياة (5/11/1417هـ) .
(7) انظر كتاب: حول الأديب والواقع للدكتور عبد المحسن طه بدر (66) .
(8) انظر: جريدة الجزيرة 30/3/1391هـ.
(9) انظر مقالة بعنوان: نزار قباني في زمن التقاعد الأدبي، للدكتور محمد ياسر شرف، مجلة الموقف الأدبي العددان (138 ـ 139) ص (217) .
(10) انظر قوليه في دراسات في الأدب العربي الحديث (135) وعزاه إلى كتاب نزار: قصتي مع الشعر (123) وانظر: موسوعة مقدمات العلوم والمناهج (4/566) .
(11) انظر كتابه: قصتي مع الشعر (134) ودراسات في الأدب العربي الحديث (141) .
(12) انظر موسوعة مقدمات العلوم والمناهج (4/566) .
(13) انظر كتابه: قصتي مع الشعر (118) ودراسات في الأدب العربي الحديث (139) .
(14) انظر كتاب: ثلاثون عامًا مع الشعر والشعراء (160) وقد نقله عن مجلة (مواقف) اللبنانية عدد (16) .
(15) أقواله تلك في كتابه: قصتي مع الشعر (14 ـ 39 ـ 77 ـ 89) وقد أحصاها الدكتور محمد مصطفى هدّارة (145) .
(16) من قصيدته: يوميات امرأة لا مبالية. انظر: حول الأديب والواقع (80) .
(17) انظر قوليه السابقين في كتابه: قصتي مع الشعر (36 ـ 191) ودراسات في الأدب العربي الحديث (142) .
(18) انظر قوليه السابقين في الصحافة والأقلام المسمومة (168) .
(19) الصحافة والأقلام المسمومة (167) .
(20) بتصرف من: عمق الروح وصلب الفكر، لسهيلة زين العابدين حماد (58) وموسوعة مقدمات العلوم والمناهج (4/564) .
(21) بتصرف، من: عمق الروح وصلب الفكر (58) ودراسات في الأدب العربي الحديث (143) .
(22) انظر مقولته في كتابه: قصتي مع الشعر (95) ودراسات في الأدب العربي الحديث (147) .
وهنا نقف وقفات مع أصنافٍ من الناس وموقفهم من نزار
الصِّنْفُ الأوَّل
أهل الصلاح والفضل والدين، وأصحاب الشريعة، ووُرَّاث النبوة
أولئك الذين ظهروا على صدور المجلات والجرائد السيَّارة في بلاد المسلمين [جريدة المسلمون العدد 692 بتاريخ 9 مايو 1998م] في وقت خروج نزار قباني من الدنيا إلى الدار الآخرة، وعن بعض فتاواهم التي أوهمت القارئ بأنَّ نزار قباني هو شاعر فسقٍ وعُهرٍ وخنا لا غير، وبهذا فإنَّ حكمه حكم الفاسق بكبيرته المؤمن يإيمانه، وهذا فيه تدليس واضحٌ وغَررٌ بَيِّنٌ لعامَّة المسلمين وخاصَّتهم