فهرس الكتاب

الصفحة 1961 من 3028

لا يشك كل مطلع على شعره ونثره في زندقته وإلحاده، حيث تعدى على الذات الإلهية، واستهتر بالشرائع السماوية، وجعل رضى حبيبته موصلًا له إلى مقام الربوبية أو الرسالة، وتقريره أن الحياة مجرد لهو وعبث ومجون، هدف الإنسان فيها تحصيل الشهوات والملذات، مع ثورة عنيفة ومستمرة في شعره ونثره على الدين والأخلاق والمبادئ والقيم. وفي الحقيقة فإنه كان يمثل مرحلة متقدمة في إطار الشعوبية الذي بناه الغزو الفكري في أدبنا العربي بالنرجسية والكشف والإباحية، والخروج عن أصالة مفهوم الشعر في الأدب العربي.

يقول أحد الباحثين: لا سبيل إلى فهم شعر نزار قباني دون الاستعانة بنظريات علم النفس الحديث، وبالذات نظرية (فرويد) عن الغريزة الجنسية ومراحل نموها وانحرافاتها المختلفة، وليس هذا بالأمر الغريب فقد اتفقوا على تلقيبه بشاعر المرأة؛ وأغلب شعره يدور حول المرأة، يتحدث بلسانها: يقدسها ويهجوها... وأغلب شعره يدور حول دائرة مغلقة قلما يخرج منها وهي دائرة الغزل الجنسي المسرف في الواقعية والشوق إلى مفاتن الجسد ووصف العاهرات والماجنات والمتهالكات (4) .

وكان نزار مغرمًا بل مصرًا على أن شعره كله وطني إلا أن بعض الباحثين (5) فند هذا الزعم؛ حيث أحصى قصائده في دواوينه الستة الأولى التي تبلغ مائة وتسعين قصيدة منها مائة وخمس وخمسون قصيدة في المرأة، وليس منها وطنية إلا إحدى وعشرين قصيدة.

ولست أود الإطالة في هذه المقدمة؛ حيث سأترك القارئ يطلع على شيء من شعره ونثره من مقولاته حتى تتبين له حقيقة هذا الرجل التي زوّرها الإعلام العربي حينما دلّس على الناس في رفع شأنه وتعظيمه، ويمكن تقسيم انحرافاته إلى ما يلي:

أولًا: اعتداؤه على مقام الربوبية:

1-قال في مقالة له بعنوان: هل يمكن استنساخ المتنبي: (... ومعناه أن العلماء بدأوا بتحدي السماء... ومعنى هذا أيضًا أن الإنسان لم يعد له رب يؤمن به، يركع في محرابه ويصلي له ويطلب رضاه وغفرانه.. لأن المختبرات أخذت مكان الرب..) (6) .

2-ومما قاله في قصيدة له:

(متمردان على السماء.. على قميص المنعم

صنمان إني أعبد الأصنام رغم تأثمي) (7) .

3-وفي رسالة حب كتبها قال:

(يحدث شيء غير عادي..

في تقاليد السماء...

يصبح الملائكة أحرارًا في ممارسة الحب...

ويتزوج الله حبيبته) (8) .

تعالى الله عن قوله علوًا كبيرًا.

4 -وقال أيضًا في إحدى قصائده:

(ملك أنا... لو تصبحين حبيبتي

لا تخجلي مني... فهذي فرصتي

أغزو الشموس مراكبًا وخيولا

لأكون ربًا، أو أكون رسولا) (9)

ولقد قال فرعون قبله: (( فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى ) ) [النازعات: 24] وقال: (( مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيْرِي ) ) [ القصص: 38] وفرعون ـ أخزاه الله ـ قالها وهو في غمرة الملك والسلطان؛ وأما نزار فقالها وهو في مستنقع الانحلال والرذيلة؛ فهو من فراعنة هذا الزمان في التعدي على مقام الربوبية، ـ تعالى الله عن أقواله وأقوال الظالمين علوًا كبيرًا ـ.

ثانيًا: ثورته على كل ما هو شرعي:

فنزار لا يفتأ يثور على الدين والشريعة، والقيم والمبادئ، والسلوك والأخلاق، ولا يأنف من التصريح بذلك حينما يقول: (أنا ضد الشرعية بكل صورها) ، ويقول أيضًا: (أنا بطبيعة تركيبي ضد الشرعية) وأشعاره تدل على ذلك؛ حيث لم يترك خلقًا قويمًا إلا ثار عليه في سكرة شعره الجنسي (10) وينقم على المجتمعات العربية عدم قبولها ثورته وهزله واستخفافه بالدين والقيم حينما يقول: (شعراء الغزل الحسي في أوروبا وكتاب الروايات المسرحية لا يخوضون حربًا صليبية مع مجتمعهم كما يخوضها الكتاب العرب) (11) .

ثالثًا: موقفه من اللغة العربية:

يعتبر نزار من الشعوبيين الذين يكرهون اللغة العربية وفنونها؛ حيث يسميها: اللغة المتعجرفة، وهو يرى أنه أسدى معروفًا للعرب بخلطه اللفظ العربي بغيره من الأعجمي والعامي؛ زاعمًا أنه اخترع لغة جديدة للأمة العربية (12) .

وتشتد نقمته على المجامع اللغوية التي لا تجيز التخبط في المصطلحات المحدثة وإدخالها في اللغة العربية حيث يقول: (كانت اللغة أملاكًا خصوصية، اللغويون جمعية منتفعين، وكانت الفتوى بشرعية كلمة أو تعريب مصطلح علمي أو تقني تستغرق المجامع اللغوية سنوات من التنجيم والاستخارات، والألوف من كؤوس الشاي ومحلول البابونج) (13) .

رابعًا: انهزاميته أمام الغربيين وانحلالهم:

كثيرون أولئك العرب الذين انهزموا أمام حضارة الغرب منذ عهد رفاعة الطهطاوي وإلى يومنا، ولكن كثيرًا منهم كان انهزامهم أمام مظاهر الحضارة من حيث التفوق الصناعي والتقني والنظام الإداري وثورة المعلومات وسرعة الاتصالات، ومن المنهزمين من كان انهزامهم أمام الانحلال الأخلاقي والتفسخ والعري، وما نزار إلا من هذا الصنف، ولا أدل على ذلك من تحسره على شعبه العربي المنغلق حسب زعمه حينما يقول: (لو كنت أستطيع أن أستورد شعبًا عربيًا آخر تكون له ثقافة برجسون وبروست وأندريه مالرو لفعلت، لكن الشعب العربي هو قدري لأنني ورثته كما هو) (14) .

وهذا الانبهار والتأثر واضح في شعره ونثره حتى أداه إلى استخدام رموز شعائرهم وأساطيرهم؛ كاستخدامه ألفاظًا كالصليب والكنيسة في تعابيره وتشبيهاته ومن ذلك:

1- (صليب المتاعب نحمله على أكتافنا) (15) .

2-هذا الحب بيني وبين الجمهور صار صليبًا ثقيلًا على كتفي) (15) .

3- (حين أفكر في جراح أبي خليل، وفي الصليب الذي حمله على كتفيه) (15) .

4- (تهرأ كل ما فيه كباب كنيسة نخر) (18) .

5- (لم أسرق نار السماء كبرومثيوس) مستوحيًا تلك الأسطورة الإغريقية (16) .

خامسًا: إسهامه الكبير في هدم الأسرة وإشاعة الفاحشة:

فلقد كرس حياته وشعره لهذا الغرض، وأكثر دواوينه إنما هي في وصف جسد المرأة والدوران حول الجنس بل والغوص في تفصيلاته، فهو في شعره شهواني موغل، والشهوة يكاد يعبدها.

والجنس ملازم له يدور في خياله حتى في حديثه عن الأمور العادية من السفر والكتابة لا تفارقه الصورة الجنسية أبدًا، ومن ذلك قوله:

كل فنادق العالم التي دخلتها حملت معي دمشق، ونمتُ معها على سرير واحد) ويقول: (أحيانًا أشعر أن الورقة مستعدة فأمارس الحب معها بنجاح، وأحيانًا كثيرة أشعر أن الورقة لا تريد فألبس ثيابي وأنصرف) (17) .

وقد مضى سابقًا مقولته أنه نادرًا ما وقع في الحب!

ويكفي في ذلك مقولته الكفرية: (لو كنت حاكمًا لألغيت مؤسسة الزواج وختمت أبوابها بالشمع الأحمر) وقوله: (العري أكثر حشمة من التستر) (18) .

فتأمل إلى أي حد يبلغ استخفافه بشرع الله؛ فهو يريد إلغاءه لتكون الفوضى الجنسية بديلًا لذلك.

ويقدم كتابه: (يوميات امرأة لا مبالية) إلى طالبات الجامعة الأمريكية ويقول فيه: إنه كتابكن كتاب كل امرأة حكم عليها هذا الشرق الغبي الجاهل بالإعدام، ونفذ حكمه فيها قبل أن تفتح فمها، ولأن هذا الشرق غبي وجاهل ومعقد يضطر رجل مثلي أن يلبس ثياب امرأة ويستعير كحلها وأساورها ليكتب عنها، أليس من مفارقات القدر أن أصرخ أنا بلسان النساء ولا تستطيع النساء أن يصرخن بأصواتهن الطبيعية (19) .

وهذا النص يكشف لك حقده على الدين وعلى المجتمعات الشرقية؛ لأنها تدين بالإسلام، ويصفها بالغباء والجهل والتعقيد!

وكذب في زعمه أنه يدافع عن المرأة؛ لأن حقيقته أنه يدافع عن الفوضى الجنسية؛ إذ ينفي عن عالمه الشعري كل امرأة تجاوزت الأربعين، أو كانت لا تتمتع بذلك الجمال المثالي والمطلق!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت