فهرس الكتاب

الصفحة 1937 من 3028

من أهم أسباب تضييع الإجازة: وقوع الكثير من الأبناء والأمهات فريسة الفراغ بسبب توقف الدراسة والمذاكرة ، والفراغ نعمة من نعم الله تعالى على العبد ، روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ".فهو نعمة يجب استغلالها بالطاعة والعبادة ، أو بالأمور المباحة شرعًا دون ما هو محرم ، ففيما أحلَّ الله غنية عما حرم، وقد أرشد المولى نبيه صلى الله عليه وسلم إلى استغلال الفراغ بقوله { فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبّكَ فَارْغَبْ } .فمن فرغ من الفريضة فلينصب إلى النافلة ، ومن فرغ من الصلاة فلينصب إلى الدعاء ومن فرغ من أمر الدنيا فلينصب إلى أمر الآخرة . وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"اغتنم خمسًا قبل خمس"، وذكر منها:"وفراغك قبل شغلك"رواه الإمام أحمد والبيهقي والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

فإذا لم يضبط الفراغ بهذا الضابط فإنه سينقلب إلى نقمة وبلية ومفسدة للمرء وتسلط من الشيطان وقفل لباب العمل ... فكم كان الفراغ سببًا في الانحراف بكل ضروبه، والفساد بشتى صوره ، عند عدم استثماره، فهو منَّة ونعماء، لكن إذا استغِلَّ في معصية الله فهو نقمة وبلاء.

وإلى الذين حزموا حقائب السفر نقول: إن السفر في الإسلام لا بأس به، بل قد يكون مطلوبًا لمقاصد شرعية ، يقول الثعالبي رحمه الله: من فضائل السفر أن صاحبه يرى من عجائب الأمصار، وبدائع الأقطار، ومحاسن الآثار ما يزيده علمًا بقدرة الله تعالى، ويدعوه شكرًا على نعمه.

تلك الطبيعة قف بنا يا سارِ حتى أريك بديع صنع الباري

فالأرض حولك والسماء اهتزتا لروائع الآيات والآثار

لا يصلح النفوسَ إذا كانت مدبرة إلا التنقل من حال إلى حال".فالماء الدائم يأسن، والشمس لو بقيت في الأفق واقفة لمُلَّت والأُسْد لولا فراق الغاب ما افترست والسهم لولا فراق القوس لم يصب ."

لكن السفر في الإسلام له حدود مرعية ، وضوابط شرعية ، منها أن يكون السفر في حدود بلاد الإسلام المحافظة ، أما أن يكون إلى بقاع موبوءة ومستنقعات محمومة ، وبؤر مشبوهة، فلا، ما لم يكن ثمَّ ضرورة، مع القدرة على إظهار شعائر الإسلام، وهل يُلقى الحمل الوديع في غابات الوحوش الكاسرة، والسباع الضارية؟ ، أخرج الترمذي وأبو داود بسند صحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"أنا بريء من رجل يقيم بين ظهراني المشركين"وقال تعالى: { إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرًا} . وقد استثنى العلماء من ذلك المجاهد في سبيل الله والداعية إلى الله والمسافر للعلاج أو لدراسة ما ينفع المسلمين أو للتجارة، كل ذلك مشروط بأن يكون مظهرًا لدينه، عالمًا بما أوجب الله عليه، قوي الإيمان بالله، قادرًا على إقامة شعائره، وللضرورة حينئذ أحكامها.

وإلى الذين عزموا على السياحة نقول: إن السياحة لفظة براقة، وعبارة أخَّاذة استهوت الكثير وجذبت أمثالهم ولكن هذه السياحة لها دلالاتها الشرعية، فكم كان أسلافنا يجوبون الأرض شرقًا وغربًا جهادًا في سبيل الله، ودعوة إلى دين الله، بأفواههم وأفعالهم وسلوكهم وحسن تعاملهم . نعم لاستثمار السياحة في هذا المقصد العظيم بمفهومها النقي النظيف المنضبط بالضوابط الشرعية ، غير أن مما يبعث على الأسى أن في الأمة منهزمين كُثر، عبّوا من ثقافة الغير حتى ثملوا ، وزعموا وبئس ما زعموا أن السفر والسياحة لا يمكن أن تتحقق إلا بأيام سوداء، وليال حمراء، ومجانبة للفضائل، ونبذ للحياء، وإعلان بالفضائح، ومجاهرة بالقبائح .

إن الولوغ في هذه المياه العكرة، والانسياق وراء أمراض الأمم المعاصرة، وأدواء المجتمعات المنحرفة، وإفرازاتها المنتنة، لا يمكن أن يقبله ذوو النفوس المؤمنة، والمجتمعات المحافظة.

نعم لسياحة التأثير لا التأثّر، والاعتزاز لا الابتزاز، والفضيلة لا الرذيلة، والثبات لا الانفلات ، لقد ثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن أعداء الإسلام يستهدفون أفواجًا من السياح المسلمين ليوقعوا بهم ويبهروهم عن طريق الغزو الفكري والأخلاقي وجرّهم رويدًا رويدًا، إلى حيث الخنا والفجور، والمخدرات والخمور، والتبرج والاختلاط والسفور، بل قد يرجع بعضهم متنكّرًا لدينه ومجتمعه وبلاده وأمته ، ويستغلونهم اقتصاديًا ، حيث بلغ مجموع ما ينفقه السائحون إلى بلاد الغرب حوالي 17 مليار ريال ، هذه المبالغ تؤثر في المجتمع شعروا أم لم يشعروا، فمن الناحية الاقتصادية سحب هذه الأرصدة وإخراجها خارج البلاد له تأثير كبير في اقتصادها ، ومن ناحية أخرى، فيها إنعاش لاقتصاد الدولة الأخرى ، ودعم لأرصدتها، فإذا كانت تلك من بلاد الكفار، صار دعمًا بطريق غير مباشر، وإذا كانت دولة كافرة محاربة، أصبح هذا المال سببًا لقتل المسلمين .

يجب على هؤلاء أن يجعلوا ولاءهم لدينهم وأمتهم ، فيحركوا هذه الأموال في بلادهم، ويقيموا بها مشاريع نافعة، تعود عليهم بالأرباح، وعلى بلادهم بالنماء والخير والازدهار، بدلًا من أن يسافروا بها للهوى والشيطان، وينفقونها على ترف رخيص، وعلى بذخ في الأكل والسكن .

أين عقول ذوي الألباب عن الإحصاءات المذهلة من مرضى الهربس والإيدز، ومن عصابات وشبكات الترويج للمسكرات والمخدرات . إننا نناشد المسافرين والسائحين أن يتقوا الله في أنفسهم وأسرهم، ومجتمعاتهم وأمتهم، ونذكرهم قبل أن ترفعوا أقدامكم: فكروا أين تضعونها، فمن مشى غِرّة في موضع زلق. واعلموا أن الله يراقبكم ، فلا يراكم حيث نهاكم، ولا يفقدكم حيث أمركم { إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا } .

سافروا للخير والفضيلة، والدعوة والإصلاح، فلا حجر عليكم، وكونوا ممثلين لبلادكم الإسلامية، مظهرين لدينكم، داعين إلى مبادئه السمحة، حيث يتخبط العالم بحثًا عن دين يكفل له الحرية والسلام، ولن يجده إلا في ظل الإسلام.

كونوا سفراء لدينكم وبلادكم ، مثلوا الإسلام أحسن تمثيل، كونوا دعاة بأفعالكم وسلوككم ، لا تبخلوا على أنفسكم باصطحاب رسائل تعريفية بالإسلام ومحاسنه وتعاليمه السمحة ، فوالله إن دخول كافر واحد في الإسلام خير لكم من حمر النعم .

والحذر الحذر أن يفهم العالم عن المسلمين وشبابهم أنهم أرباب شهوات وزبانية ملذات ، بل أفهموهم بسلوككم أنكم حملة رسالة، وأصحاب أعلى هدف وأشرف غاية، ذوو شخصية فذة، وشريعة خالدة، ودين يرعى العقيدة والمبادئ والقيم، ويدير الحياة عن طريق الحق والعدل والسلام، ويبحث عما يكفل للعالم الرقي والتقدم والحضارة.

* ــ ومما ينبغي التحذير منه، ما تعْمِد إليه بعض الشركات والمؤسسات السياحية من الدعوة إلى السفر إلى بلاد موبوءة، وإظهارها بدعايات مغرية وإعلانات مزخرفة، ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب ، إنها قنابل موقوتة ، وألغامًا مخبوءة ، لنسف المبادئ، ودوس القيم والأخلاق والفضائل.أين هذه الشركات من الترويج للسياحة داخل هذه البلاد المباركة التي حباها الله بمقومات شرعية وتاريخية وحضارية تجعلها مؤهلة لتكون بلد السياحة النظيفة النقية ، إنها قادرة على إعطاء مفهوم صحيح، ووجه مشرق للسياحة، التي خُيل لبعض المفتونين المنهزمين أنها صناعة الفجور والإباحية والانحلال .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت