فهرس الكتاب

الصفحة 1938 من 3028

لقد منَّ الله على هذه البلاد بالحرمين الشريفين، مهوى أفئدة المسلمين، ومحط أنظارهم ، ومنَّ عليها بالأجواء المتنوعة التي تشكل منظومة متآلفة منسجمة يقلّ نظيرها في العالم ، فمن البقاع المقدسة إلى الشواطئ الجميلة، والبيئة النظيفة السليمة من أمراض الحضارة المادية وإفرازاتها، إلى الجبال الشُمَّ الشاهقة، ذات المنظر الجميل، والهواء العليل، والأودية الخلابة، مرورًا بالمصائف الجميلة، والصحارى البديعة، والقمم الرفيعة، والوهاد الواسعة، والبطاح الشاسعة، ذات الرمال الذهبية العجيبة، وأهم من هذه المقومات المادية والحسية المقومات المعنوية، والميزات الشرعية، والخصائص الإسلامية والحضارية، والآداب العربية الأصيلة، التي تحكي عبق التأريخ والحضارة، المعطّرة بالإيمان، النديّة بالمروءة والإحسان، فلماذا يستبدل بعض الناس الذي هو أدنى بالذي هو خير؟ ، في تأثيرات عقدية وثقافية، وانحرافات أخلاقية وسلوكية، ومخاطر أمنية، وأمراض صحية ووبائية، مما لا يخفى أمره على ذوي العقول والحجى؟!! . السياحة الداخلية تحقق لمن ينشدون الطهر والعفاف والنقاء والفضيلة والخير والحياء، التمتع بأجواء سياحية مباحة، وتسدّ الطريق أمام الأبواق الناعقة، والأقلام الحاقدة، التي تسعى لجرِّ هذه البلاد المباركة وأهلها إلى ما يفقدها خصائصها ومميزاتها، ويخدش أصالتها وثوابتها.

وإلى الشباب ، من الأبناء والبنات ، عصب الأمة وشريانها النابض، إلى من يؤمل فيهم كل خير، ويرجى منهم كل نفع ، إليك أيها الشاب أقول: أخي الشاب ما نسبك، ومن قدوتك، وما هدفك، وكيف السبيل إليه ؟ . أما نسبك فأنت ابن خالد بن الوليد، وعمار بن ياسر، وحنظلة، وسعد، والفاروق، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ، هؤلاء هم آباؤك وأجدادك، واسأل التأريخ يخبرك بصدق هذا القول، فلا تكن ابنًا مشوهًا لصورة أجداده، فإن التأريخ ينتظر منك عملًا تثبت به أنك ابنًا بارًا رافعًا لرؤوس آبائه .

دعني أخاطب عقلك الواعي وقلبك الحافظ ، كل واحد منا قد جعل لنفسه قدوة ، فمنا من جعل قدوته إمام المرسلين وسيد المتقين محمد عليه الصلاة والسلام ، ومنا من جعل قدوته مطربًا أو لاعبًا أو لاهيًا أو غير ذلك ، فهل قدوتك سينفعك بعد موتك ؟ هل سيشفع لك عند الله ويجادل عنك حتى يدخلك الجنة؟ أم أنك ستعجب به الآن وتستمتع لغنائه، وتقلد حركاته وسكناته ، ثم يوم القيامة، يلعن بعضكم بعضًا، ويتبرأ بعضكم من بعض ؟ .

أخي الشاب: لا تضيع وقتك خلال الإجازة في قيل وقال، وفي لهو ولعب، فأمتك تنتظر منك أعلى من ذلك، إخوانك في بلاد الإسلام يقتلون، ويذبحون، فكن معهم بقلبك ودعائك .فالمسلم المتمسك بإسلامه وإيمانه وأخوة الإسلام يشعر بشعور إخوانه المسلمين ، يتذكر أحوالهم ومآسيهم ، لا سيما الذين يعيشون حياة القتل والتشريد والاضطهاد ، يفكر بأحوال إخوانه في العقيدة، ويهتم بمقدسات الأمة وما يمر به الأقصى المبارك، وما تكابده فلسطين المسلمة ،حيث شلالات الدم المتدفقة والأشلاء تملأ الأزقة والطرقات ، وقل مثل ذلك في الشيشان الصامدة، وكشمير المجاهدة ، في الوقت الذي يفكر فيه كثيرون بالتمتع بإجازاتهم في منتجعات ليست للكرام ولا كرامة فالله المستعان .

أيها الآباء والأمهات: إن الشباب هم عماد الأمة وقلوبها النابضة وشرايينها المتدفقة وعقودها المتلألئه ، هم جيل اليوم، ورجال المستقبل، وبناة الحضارة، وصناع الأمجاد، وثمرات الفؤاد، وفلذات الأكباد، فاحرصوا على تربيتهم تربية صحيحة شاملة، واشغلوا أوقاتهم ببرامج هادفة ونشاطات مفيدة تكسبهم المهارات، وتنمِّي فيهم القدرات، تقوِّي إيمانهم، وتصقل فكرهم، وتثري ثقافتهم .

أين الآباء والمربون من إعداد البرامج الشرعية المباحة ، وهي كثيرة بحمد الله ، كحفظ كتاب الله عز وجل ، واستظهار شيء من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وتعلم العلم النافع، وكثرة القراءة في كتب أعلام الإسلام قديمًا وحديثًا والاطلاع على السير والتآريخ والآداب ونحوها، وإدخال السرور عليهم بالذهاب بهم إلى بيت الله الحرام في عمرة، أو إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في زيارة، أو إلى أحد مصائف هذه البلاد في سياحة بريئة ، في محافظة على دينهم وأخلاقهم، وصلة لأقاربهم وأرحامهم، حتى لا يقعوا فريسة في دهاليز الإنترنت، وشبكات المعلومات، وضحايا في سراديب القنوات والفضائيات، وأرصفة البطالة واللهو والمغريات.

ومما ينبغي الحذر منه حضور المهرجانات الغنائية التي بدأت تنتشر بحجة السياحة ، إن سماع الغناء والموسيقى محرم أشد التحريم قال الله تعالى { ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله } وقد حلف الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ثلاث مرات أن المراد به الغناء. وفي صحيح البخاري قال صلى الله عليه وسلم:"ليكونن من أمتي أقوامًا يستحلون الحرى والحرير والخمر والمعازف". كما ينبغي الحذر من التساهل في مسألة الحجاب والستر بحجة السفر والسياحة حيث يحصل من بعض النساء تساهل في هذه المسألة وتبرج واختلاط بالرجال في الأماكن العامة والحدائق والمنتزهات دون تحفظ فتعرِّض المرأة نفسها لأمور هي في غنىً عنها ، والأعجب هو سكوت الزوج ورضاه بذلك ، كل ذلك بحجة: السياحة وأنه لا داعي للتضييق على الأهل والأولاد ونسوا قول الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة عليها} .

قال رجل لعامر بن عبد قيس أحد التابعين الزهاد: كلمني، فقال له عامر: أمسك الشمس واحبسها عن المسير حتى أكلمك، فإن الزمن متحرك دائب المضي. ونُقل عن الإمام أبو يوسف القاضي يعقوب بن إبراهيم أنه كان وهو في النزع يُباحث بعض عُوَّاده في مسألة فقهية، رجاء النفع بها لمستفيد أو متعلم، حرصًا منه على ألا يخلي اللحظة الأخيرة من لحظات حياته من كسبها في مذاكرة علم وإفادة واستفادة .

هكذا كانت حال السلف مع أوقاتهم يُسابقون الساعات، ويبادرون اللحظات، ضنًا منهم بالوقت، وحرصًا على أن لا يذهب منهم هدرًا. وقد أورث ذلك نتائج أشبه بالمعجزات، وإذا بالإنجازات قريبة من الخيال، فحسبك منها حركة الفتوحات التي كانت على قدم وساق وخيول المسلمين التي أزكم أنوفها غبار المعارك وأعلى صهيلها الكر والفر، فضلًا عن الإنجازات في تربية وإعداد النشء الجديد ناهيك عن وثبة بعيدة المدى في التصنيف والتأليف والابتكار هكذا كانت أحوالهم يوم عرفوا قيمة الزمن ، وهكذا كانت إنجازاتهم يوم اتسعت مداركهم ونضجت عقولهم .

إذا كان هذا تاريخ أسلافنا الأوائل وهكذا كانوا ، فإننا مطالبون بالإقتداء بهم، وذلك باستثمار كل دقيقة وثانية من عمر الزمن نتقرب فيها إلى الله جل جلاله ونسابق إلى جنته وموعوده من خلال تربية ذواتنا، وإعداد أجيالنا لتكون قادرة على العطاء بلا حدود.

إن البدائل متاحة، والمجالات مفتوحة لاستثمار الوقت، وشغل الفراغ في هذه الإجازة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت