وبرغم هذا الحر وشدته إلا أن بعض الناس يعيشون حالة من الطوارئ مشكلين ظاهرة اجتماعية كبيرة ، وقضية مهمة خطيرة ينبغي الوقوف عندها ، هذه الظاهرة ترسم لها الخطط والمناهج، وتعد لأجلها الدراسات والبرامج ، تلكم هي الإجازة وما أدراكم ما الإجازة؟ الاستعدادات قائمة على قدم وساق حزمت الحقائب ورتبت التذاكر، وتلاقحت الأفكار وتبادلت الآراء هل يقضونها في الشرق أم في الغرب في الداخل أم في الخارج؟ هل يقضونها في السياحة والاعتبار والنظر في الآثار والديار، أم في المعاصي والآثام وغضب الواحد القهار ؟ .
في الإجازة ينقسم الناس إلى قسمين: قسم عرف أنها إجازة للراحة من عناء الدراسة أو العمل ، فجعلها فرصة لاغتنام حياته قبل الموت وتقديم عمل صالح قبل الفوت ، سافر بأهله وأبنائه إلى بيت الله الحرام أو إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم واستغل إجازته في طاعة وعبادة وذكر. علم أن الدنيا رحلت مدبرة والآخرة رحلت مقبلة فكان من أبناء الآخرة وطلاب النعيم المقيم . فنعم القوم هؤلاء، وبارك الله في ابن تذكر والده أو والدته فزارها ، أو قريب تذكر رحمه فوصلها، فكسب بذلك الحسنى .
وقسم آخر فهم أن الإجازة أيام وتنقضي ، فملأوها لهوًا وفجورًا ، واتباعًا للهوى والشيطان ... أفسدوا أعمالهم وخبثت أنفسهم وأضاعوا دنياهم وأخراهم ، وتركوا أولادهم نهبًا لرفقة السوء تنزع منهم في الصيف ما اكتسبوه في دراستهم من علم وأخلاق .
متى يبلغ البنيان يومًا تمامه إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم
كم هو مبهج أن يرتاح الإنسان بعد كد، وأن يتنفس بعد عناء، فالترفيه البريء والترويح المباح ، لا غضاضة على الإنسان فيه، بل قد يكون مطلوبًا أحيانًا لأغراض شرعية كالإعانة على الطاعة وتنشيط النفس بعد كسلها من عناء العمل وغير ذلك.
عن حنظلة الأسيدي رضي الله عنه وكان من كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لقيني أبو بكر فقال كيف أنت يا حنظلة قال قلت نافق حنظلة قال سبحان الله ما تقول قال قلت نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين فإذا خرجنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيرًا ، قال أبو بكر فوالله إنا لنلقى مثل هذا ، فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت نافق حنظلة يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ذاك قلت يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده إنكم لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم ولكن يا حنظلة ساعة وساعة، ثلاث مرات . رواه الترمذي ومسلم واللفظ له .
فالترفيه ينبغي أن يكون في حدود ما أباح الله ، والإسلام لا يحجر على المسلمين أن يروِّحوا عن أنفسهم، أو يدخلوا السرور على أهليهم وأبنائهم ، وأن يقوموا بالوسائل المباحة في ذلك شرعًا.لكن المذموم أن يُستغَل ذلك فيما يضعف الإيمان، ويهزُّ العقيدة، ويخدش الفضيلة، ويوقع في الرذيلة، ويقضي على الأخلاق والمثل .
إنَّ المسلم الحق يدرك أن الراحة لا بد أن تكون زادا ومعينًا على أمر الآخرة ، ويعلم أنه ليس له راحة في هذه الدنيا حتى يطأ بقدميه الجنة ، أما ما دام في هذه الدنيا، فهو في دار التكليف والعمل قال تعالى { وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ } فالعبادة هي مهمته ، وهي وسام عزه وتاج شرفه وعنوان سعادته وسر وجوده قال تعالى { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } . فحيثما كان وحلَّ، وأينما وُجِد وارتحل ، فإنه يضع العبودية لله شعاره ، وطاعته لربه دثاره. وأمارة ذلك ثباته على دينه وعقيدته، واعتزازه بإسلامه وافتخاره بمبادئه وثوابته ، لا يصده عن دينه زمانٌ ولا يحول بينه وبين عبوديته لربه مكان دون مكان ، فمحياه كله لله، وأعماله جميعها لمولاه { قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتي للَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذالِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ } .
ولكن البعض طغى عليهم الانتماء السلبي، وغلب عليهم الفكر الهامشي وسيطرت التبعية على جوانب كثيرة من حياتهم ، مما جعلهم أجيالًا تسيء فهم الإسلام على حقيقته ، وجعل للوثات الفكر المنحرف ومظاهر السلوك المحرم رواجًا في تكوين شخصيتهم في انهزامية ظاهرة وتبعية ممقوتة وانسياق محموم ولهث مذموم خلف سراب موضات التشبه والتقليد، وبهارج العلمنة والتغريب حتى أضاعوا هويتهم الدينية، وفقدوا معالم الشخصية الإسلامية وتعلقوا بالدنيا ونسوا الآخرة ولم يستعدوا لموت ولا بعث ولا نشور .
نصحتك فاستمع قولي ونصحي فمثلك قد يدل إلى الصواب
خلقنا للممات ولو تركنا لضاق بنا الفسيح من الرحاب
ينادى في صبيحة كل يوم لِدوا للموت وابنوا للخراب
إن الوقت هو مادة الحياة ؛ والزمن هو وعاء العمر، فالواجب استثماره في مرضاة الله، وشغله بطاعته سبحانه، فإن الإنسان مسؤول عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه ، قال صلى الله عليه وسلم:"لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه وعن شبابه فيم أبلاه وعن علمه ماذا عمل به وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه"، أخرجه الترمذي وغيره من حديث أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه . فالمستفيدون من الوقت هم الذين أعدوا لكل يوم عمله ولكل شهر مشروعه وجعلوا من أوقات الراحة لحظات نافعة وفرصًا نحو الخير دافعة.
يقول الإمام العلامة ابن القيم رحمه الله:"السَّنة شجرة، والشهور فروعها، والأيام أغصانها، والساعات أوراقها، والأنفاس ثمارها، فمن كانت أنفاسه في طاعة فثمرة شجرته طيبة، ومن كانت في معصية فثمرته حنظل، وإنما يكون الجذاذ يوم المعاد، فعند الجذاذ يَتبين حلو الثمار من مرها.أ . هـ . رحمه الله . ( الفوائد 164 ) ."
فمن أكبر علامات المقت إضاعة الوقت ، فليس الوقت من ذهب كما يقولون بل هو أغلى من الذهب واللؤلؤ ومن كل جوهر نفيس أو حجر كريم ، إنه الحياة والعمر، والإنسان يفتدي نفسه بكل غال ونفيس، قال ابن مسعودرضي الله عنه:"ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه نقص فيه أجلي ولم يزدد فيه عملي". فمن أمضى يومًا من عمره في غير حقٍ قضاه أو فرضٍ أدّاه أو مجد أثّله، أو فعل محمود حصّله، أو علم اقتبسه، َفَقَدَ يومه وظلم نفسه وخان عمره .
وليعلم الذين أهدروا أوقاتهم وبدَّدوا أعمارهم في غير مرضات مولاهم أنَّ أيام العمر قليلة، وأقل منها أيام الإجازة، وهي شاهدة لهم أو عليهم فليعمروها بالطاعات ، قبل أن تهدمهم بالسيئات وليتقوا يومًا يرجعون فيه إلى الله، ثم توفى كل نفسٍ ما كسبت وهم لا يظلمون.
كأن المنايا قد قصدن إليك يردنك فانظر ما لهن لديك
سيأتيك يوم لست فيه بمكرم بأكثر من حثو التراب عليك