فهرس الكتاب

الصفحة 1932 من 3028

لو كانت حقيقة العبادة هي مجرد الشعائر التعبدية ، لما استحقت كل هذا الموكب الكريم من الأنبياء والرسل والرسالات والشرائع من لدن آدم عليه السلام إلى شريعة محمد صلى الله عليه وسلم الخاتمة ، ولما استحقت كل هذه الجهود المضنية التي بذلها الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، ولما استحقت كل الجراح والمآسي والآلام التي تحملها العلماء والدعاة والمؤمنون على مدار الزمان في سبيل نشرها ! بل إن الذي استحق كل هذا الثمن الباهظ هو تعبيد الناس لربهم في كل شؤون حياتهم وفي كل صغير وكبير ودقيق وجليل من أحوالهم.

وبالجملة فإنهم يسعون إلى إقامة الحياة على غير دين ، إنهم يقرون بوجود الخالق ويعترفون بربوبيته ، لكنهم يرون أن الأحكام الشرعية وأصول التعامل يجب أن تكون وفق تشريعات البشر ونظمهم .

وهذا هو الشرك في حقيقته وأصله ، فأهل الجاهلية الأولى لم ينكروا وجود الله تعالى {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَاواتِ وَالأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ } لكنهم أنكروا شرائعه وكذبوا رسله وتحاكموا إلى طواغيت الإنس والجن ، فقوتلوا وحوربوا ودمروا وخسف بمن خسف منهم وأغرق من أغرق وأبيد من أبيد.

إن من أعظم أبواب الجهاد: إسقاط هذه اللافتات الزائفة، وكشف تلك المقولات الغامضة، وفضح الشعارات الملتبسة، التي تتخفى وراءها العلمانية، التي تبث سمومها في عقول وقلوب أبناء هذه الأمة.

وإن من عادة هؤلاء المنافقين ، عدم إظهار العداء السافر للإسلام، بل إنهم يتخذون سلاح التلبيس والتمويه للالتفاف حول المسلمين ، ولضمان وجودهم وعدم استئصالهم لحين المعركة الفاصلة التي يطمعون بها أن يقضوا على الإسلام.لأنهم يعلمون أنه لا حياة ولا لهم ولا لدعوتهم الجاهلية في بلاد المسلمين إلا من خلال راياتهم الزائفة، التي تخفي حقيقة أمرهم وباطن دعوتهم ، وتلبَّس على العامة أمر دينهم وعقيدتهم، فمن هؤلاء يجب التوقي والحذر، وألا نغتر بكونهم من بني جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا . ففي الصحيحين من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنهقال: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلمعن الخير، وكنت أسأله عن الشر، مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال:"نعم"فقلت: هل بعد ذلك الشر من خير؟ قال:"نعم، وفيه دَخَن"، قلت: وما دَخَنه؟ قال:"قوم يَسْتَنون بغير سنتي، ويَهْدُون بغير هديِي، تعرف منهم وتنكر"فقلت: هل بعد ذلك الخير من شر؟ قال:"نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم قذفوه فيها"فقلت: يا رسول الله، صفهم لنا، قال:"نعم، قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا. قلت فما تأمرني يا رسول الله إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم"قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال:"فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك.". وفي لفظٍ لمسلم:"وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جُثمان إنس".

أيها المسلمون: إن ما حل بالمسلمين من تأخر حضاري وعلمي وعسكري واقتصادي واجتماعي وفكري وسياسي... لم يكن سببه أنهم مسلمون ولم يكن سببه حتميات تاريخية، إنما سببه ضعف الإيمان وكثرة المعاصي وتنحية شرع الله عن الحياة فلا يتحاكمون إليه ولا يعملون به إلا من رحم الله وقليل ما هم .

فيوم أن كان قوله تعالى { إن تنصروا الله ينصركم } حيًا في قلوب المسلمين عبادة وتقوى وتوكلًا وإنابة ، لم يجرؤ أحد على احتلال أرضهم واستلاب خيراتها .

ويوم أن كانت المساجد والحلق ومدارس العلم تزخر بطلاب العلم والدارسين لم يكن هناك تخلف علمي ، بل كانت الأمة المسلمة هي أمة العلم التي تعلمت أمم الكفر في مدارسها وجامعاتها.

ويوم كانت { فَامْشُواْ فِى مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رّزْقِهِ } عبادة ، كانت المجتمعات الإسلامية أغنى المجتمعات في الأرض.

ويوم أن كانت"كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته"عبادة ، لم يكن للفقراء في المجتمع الإسلامي قضية لأن العلاج الرباني لمشكلة الفقر كان يطبق في المجتمع الإسلامي عبادة لله.

ويوم أن كانت { وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } عبادة، لم تكن للمرأة قضية ولم يكن لها حقوق مهدرة ، لأن كل الحقوق والضمانات التي أمر الله لها بها كانت تؤدى إليها طاعة لله وعبادة.

ولن يصلُحَ آخرُ هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، فلا بد من الرجوع للفهم الصحيح للعبادة بمفهومها الشامل .

الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله ، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد

هلَّ هلال العيد ومن أبناء الأمة من يذوقون من البؤس ألوانا، ويتجرَّعون من العلقم كيزانًا، يأتي العيد وفي قلوبهم هلع، وفي أعينهم خوف وفزع ، وفي أجسادهم ألم ووجع ، دماؤهم شلالات وجثثهم متناثرة في الطرقات وبيوتهم مهدومة ونساؤهم مكلومة ، أنهكهم الجوع والعطش ، وقلة الدواء وكثرة اللأواء ، وضعف النصير في اليوم العسير وعدو متجبر متكبر.

ففي فلسطين يعاني شعب كامل من التهجير والنفي واغتصاب الأملاك والأعراض، مع القتل والأسر وسائر صنوف الأذى على مدى نصف قرن من الزمان . ولا تزال الصهيونية العالمية ، التي ليس لها عهد ولا ميثاق ولا أمانة ولا شرف ، تمارس هناك أبشعَ صور الظلم والقهر والتخويف والإرهاب ، وتفرض ألوان الحصار ، وتقتل الرجال والنساء والصغار ، وتهدف إلى إبادة المسلمين، وتصفيتهم جسديًا ، وإرهابهم نفسيًا، بمذابح جماعية لم يشهد التاريخ لها مثيلًا.

فأين من يوقف وحشية هذا الإرهاب وبشاعته، ويطارد رجاله وقادته، ويستأصل شأفتهم، ويقتلع كافَّتهم؟! أين ميزان العدل والإنصاف يا من تدعونه؟! أين شعارات التقدم والتحرر والحضارة والسلام، التي لا نراها إلا حين تصبّ في مصلحة يهود ومن وراء يهود؟.

لقد جاء العيد والأمة تواجه حربًا صليبية مسعورة تستهدف دينها ومقدساتِها . جاء رمضان ومضى وقد قتل الآلاف في العراق قتلًا وسحلًا وتقطيعًا وحرقًا. وشرد عشرات الآلاف ولا زالت الفلوجة تقصف بالقنابل الطنية والصواريخ من الطائرات والدبابات والمدافع وأهلها يجأرون إلى الله من عزلتهم ووحدتهم ، ويستجدون أمم الأرض لقمةً أو كساءً وخيمةً أو غطاءً.

إنه عام عصيب عاشته الأمة المحمدية ، لاقت فيه أعتى المآسي وأدمى المجازر، فظائعَ دامية، وجرائم عاتيةَ، ونوازلَ عاثرة، وجراحًا غائرة، وغصصًا تثير كوامن الأشجان، وفجائع تبعث على الأسى والأحزان .

قتل وتعذيب وتشريد فمتى سيغمر كوننا العيد

ومتى متى يا أمتي فرحي ومتى متى ستزغرد الغيد

في كل أرض صرخةٌ لفم دوّت فدوّت بالصدى البيد

لكننا نلهو فلا غضب نبدي ولا الإيثار موجود

وكأن وقرًا قد تغلغل في آذاننا فالسمع مسدود

صرب وصهيون تمزقنا وسلاحنا في الصدر تنديد

والمجلس المأمول في شغل عنا يماطل فوقه الهود

والنخوة القسعاء صادرها متفرد في الرأي نمرود

وإذا العروبة تنبري شيعًا عادت إليها الأزمن السود

يا أمة شاخ الزمان بها وعلت محياها التجاعيد

عاث الخلاف بها وفرقها بعدٌ عن الإسلام مشهود

الهدي فيها وهي ضائعة يقتادها القيثار والعود

قد خدّرت بفم منغمة شغلت بها والسيف مغمود

في كل يوم يستباح بها دم يقامر فيه عربيد

يا أمتي ما ضاع يُرجعه سيف به الإيمان معقود

يا أمتي هذا الكتاب لنا ولنا به عز وتسويد

فإذا به سرنا سيغمرنا نصر من الرحمن موعود

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت