العيد يوم فرح وسرور ، لكنه فرح لا يدعو إلى أَشَر ، ولا يجر إلى خيلاء وبَطَر، فرح لا إسراف فيه ولا تبذير ولا تَهتُّك ولا تبرج ولا اختلاط ، فرح لا استماع فيه للغناء وما يقود إلى الخنا، فرح لا غفلة فيه، ولا إضاعة للصلوات، ولا نظر فيه إلى المحرمات . إن الفرح ومشروعيته لا تعني جواز ارتكاب المحظورات، بل إن الفرح في هذا اليوم سببه أن الله أتم على العبد النعمة، ووفقه للقيام بالطاعة والانكفاف عن المعصية. فلا تدنسوا صحائفكم بالنظر الحرام، أو الكلام المحرم، أو اللباس المحرم ، واحفظوا جوارحكم واشكروا ربكم لتسعدوا برضاه. وقد قيل: من أراد أن يعرف أخلاق الأمة فليراقبها في أعيادها، إذ تنطلق فيه السجايا على فطرتها، وتبرز العواطف والميول والعادات على حقيقتها، والمجتمع السعيد الصالح هو الذي تسمو أخلاقه في العيد إلى أرفع ذروة.
رأى أحد السلف قومًا يعبثون في يوم العيد بما لا يرضي الله فقال: إن كان هؤلاء تُقُبِّل منهم صيامهم فما هذا فعل الشاكرين، وإن كانوا لم يُتقَبّل منهم صيامهم فما هذا فعل الخائفين.
الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله ، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد
حذار من الشرك بالله عز وجل، فإنه أعظم الآثام ، والجنة على صاحبه حرام { إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذالِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا } .
فتوحيد الله تعالى أعظم القضايا ، لأنه حق الله على العبيد ، وهو أول ما دعا إليه الرسل ، وبه كل كتاب نزل ، وهو أصل الأصول والطريق الوصول وبه عرف المعبود وعمر الوجود ، وإليه دعت الأنبياء وعلَّمت العلماء وقتل الشهداء وهو أول مطلوب وأعظم محبوب وأشرف المقاصد وأعذب الموارد وأجل الأعمال وأحسن الأقوال . وهو منشور الولاية وتاج الرعاية والبداية والنهاية وهو الإكسير الذي إذا وضع على جبال الخطايا ذابت ، والسلاح الذي إذا حوربت به الأعداء هابت .
التوحيد هو عدم صرف شيء من العبادة لغير المعبود ، فهو سبحانه خالق كل ما في الوجود ، وركيزته إخلاص ليس فيه رياء وعلامته إخبات ليس معه ادعاء .
تأمل في نبات الأرض وانظر إلى آثار ما صنع المليك
عيونٌ في لجين شاخصات بأحداق هي الذهب السبيك
على قُضب الزبرجد شاهدات بأن الله ليس له شريك
ومن لوازم التوحيد إخلاص العمل لله عز وجل واجتناب الرياء فإنه يحبط العمل ، ومن أعظم أنواع الشرك الأصغر، يقول صلى الله عليه وسلم:"إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر", قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال:"الرياء ، يقول الله عز وجل إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء". صححه الألباني.
وليعلم أن من الرياء ما هو شرك أكبر وهو النفاق الأكبر، وهو الرياء في أصل العبادة. ومن الرياء ما يطرأ أثناء العبادة، ومنه ما يصاحب العبادة، ومنه الرياء بعد الفراغ من العبادة، ومنه الفرح بحمد الناس وثنائهم، وهذه جميعها صاحبها على خطر عظيم، وجميعها شرك أصغر، وبعضها يُحبِط العمل ولا يقبل من صاحبه، وبعضها الآخر ينقص الأجر والثواب.
فلنحذر من هذا ، ومن وقع منه رياء فليتب إلى الله، ويستغفره. قال صلى الله عليه وسلم لأبي موسى الأشعري:"الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل، وسأدلك على شيء إذا فعلته، أذهب عنك صغار الشرك وكباره، تقول: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم". صححه الألباني. وهذا الدعاء وقاية وعلاج وكفارة . والله أعلم .
الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله ، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد
في العيد تتجلى وحدة الأمة في أبهى حللها وأروع صورها، فيجتمع الغني والفقير، والقوي والضعيف، والعربي والأعجمي والأسود والأبيض والأحمر والأصفر ، على اختلاف لغاتهم لأداء صلاة العيد، وكل منهم يستشعر أن أخاه يشاركه في آلامه وفي آماله، فتتقارب القلوب وتتحد المشاعر وتذوب الفوارق ويرتفع الشقاق ، ولن تبلغ هذه الأمة أوجَ عزّها ولن تنال كمالَ قوتها إلا إذا أزهقت روحَ الشقاق والفرقة بيد التجمع والألفة .
الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله ، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد
أمة الإسلام: يقول الله عز وجل { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} والعبادة اسمٌ جامعٌ لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، فحب الله وحب رسوله صلى الله عليه وسلم وخشية الله والإنابة إليه وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضا بقضائه والتوكل عليه والرجاء لرحمته والخوف من عذابه، كله عبادة لله. والصلاة والزكاة والصيام والحج وصدق الحديث وأداء الأمانة وبر الوالدين وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومجاهدة الكفار والمنافقين، والإحسان إلى الجار واليتيم والمسكين والمملوك من الآدميين والبهائم، والدعاء والذكر والقراءة من العبادة.
فللمسلم في كل وقت عبادة ، وفي كل مكان عبادة ، وكل حال وكل وصف وكل نشاط سواء كان سياسيًا أو اقتصاديًا أو اجتماعيًا أو أخلاقيًا أو علميًا . { قُلْ إِنَّ صَلاَتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى للَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذالِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} .
يقول معاذ بن جبل رضي الله عنه: ( إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي ) . رواه البخاري ومسلم .
وإن من فتن الزمان ومحنة الأيام ما ابتلينا به من أقوام لم يفهموا معنى العبادة حق فهمه ولم يقدروه حق قدره ، فجعلوها محصورة في الشعائر التعبدية فحسب ، وحصروا الإسلام في فهم ضيق محدود لا يتعدى جدران المسجد وبعض العبادات الجسدية كالصيام وقراءة القرءان .
فلا بأس في شرع هؤلاء أن يصلي المسلم ويتحاكم إلى غير شرع الله . ويباح له في دينهم أن يصوم ثم يتعامل بالربا دون أدنى حرج . وله أن يحج ولكن لا تثريب عليه لو زنا .
إن هذا الفهم العقيم الذي انتشر شره وتأججت ناره، أفرز لنا شرائح منتنة من الناس، اسمهم: العلمانيين ، ذابت شخصياتهم في الغرب الكافر، وتخلل قلوبهم حبه وموالاته، وأعجبوا بما هو عليه من العلم بالمخترعات والإبداع في المصنوعات الدنيوية ، وعموا عن الخواء الروحي والدمار الأخلاقي الذي يعيشه ، فأصبحوا يرددون ما يقول ، ويتبعون ما يأمر به رغبة ورهبة ومحبة، حتى أصبح المعروف في أعينهم منكرًا والمنكر معروفًا، وأصبحوا ينادون ويعلنون بقحة ممسوجة أن تحكيم شرع الله رجعية ، وأن الجهاد في سبيل الله إرهابٌ يجب القضاء عليه، وأن معاداة الكافرين وموالاة المؤمنين عنصريةٌ لا مبرر لها.
ويتساءلون باستنكار واضح: ما للإسلام وسلوكنا الاجتماعي؟! وما للإسلام واختلاط الرجال مع النساء على الشواطئ والمنتزهات ؟! وما للإسلام وحرية الزنا ؟! وما للإسلام ولباس المرأة ؟! ما للإسلام وحرية الاعتقاد والإلحاد والجحود ؟!
بل إنهم يستنكرون بشدة وعنف أن يضبط الدين الاقتصاد، وأن تتصل المعاملات بالاعتقاد، أو حتى بالأخلاق من غير اعتقاد ، ويحلمون بإيجاد أجيال من المسلمين تصلي الفروض ، ثم تحلف كاذبة ، وتغش في البيع والشراء وتحتال في المعاملات وتأكل الربا وتقع في أعراض الناس ولحومهم ، والواحد منهم هانئ الضمير مرتاح البال قد أسكت وخزات ضميره وتأنيب نفسه ما نقره من ركعات.