( معظم هذه المظاهر نقلًا عن كتاب الهمة العالية بتصرف كبير وتقديم وتأخير حسبما يقتضيه السياق ) .
* ـ الأسباب
1 ــ دنو الهمة:
مسلكها دنيء ومركبها وطيء ...
خلق ساقط وعمل مرذول ...
لا يليق بأهل الفضل ، ولا ينبغي من أهل النبل والعقل .
إنما تتفاوت أقدار الناس بتفاوت هممهم ...
من أشد ما تصاب به الأمة أن يكون شبابها ذوي همم ضعيفة، وعزائم واهنة وتطلعات قاصرة .
يرى أحدهم نفسه قزمًا أمام المتغيرات الكبيرة ، والتحولات التاريخية ، فلا يفكر في تغيير الواقع المحيط به ، ولا يعمل ليكون فاعلًا في محيطه ، يعيش دهرًا ولم يفعل شيئًا ذا بال .
"... الماء الراكد فاسد لأنه لم يسافر ولم يجاهد ، ولما جرى الماء صار مطلب الأحياء ، بقيت على سطح البحر الجيفة لأنها خفيفة ، وسافر الدر إلى قاع البحر ، فوضع من التكريم على النحر ...".
داني الهمة قعد عن المكارم ، وكلف بالصغائر وأولع بمحقرات الأمور...
همُّه في خاصة نفسه ، وفكره محصور في مأكله وملبسه:
وإن كان في لبس الفتى شرف له فما السيف إلا غمده والحمائل
قال الرافعي رحمه الله: ( وأما ضعف الهمة فمنزلة الحيوان الذي لا هم له إلا أن يوجد كيفما وجد ، وحيثما جاء موضعه من الوجود ، إذ يولد ويكدح ويكد ليكون لحمًا وعظمًا وصوفًا ووبرًا وشعرًا أثاثًا ومتاعًا."( وحي القلم لمصطفى صادق الرافعي ، نقلًا عن كتاب الهمة العالية 28 بتصرف يسير ) ."
"... يا كثير الرقاد ، أما لنومك نفاد ، سوف تدفع الثمن يا من غلبه الوسن ، تظن الحياة جلسة وكبسة ، ولبسة وخلسة ، بل الحياة شرعة ودمعة وركعة ومحاربة بدعة ...".
فكن رجلًا رجله في الثرى وهامة همته في الثريا
2ـ الفتنة بالغرب:
كثيرون بهروا ببهرج الحضارة الغربية وهالهم ما عاينوه من ترقي أهلها في هذه الحياة وتفننهم في مختلف الفنون والصناعات .
وابتكارهم الابتكارات العجيبة المدهشة والصناعات المتفوقة .
ففتنوا بهم وقلَّدوهم في نمط حياتهم وتخلقوا بأخلاقهم ...
وتشبهوا بهم في كل صغيرة وكبيرة .
رفضوا الإيمان وهجروا القرآن وأطاعوا الشيطان .
هذا الذي هالهم ما هو إلا"حضارات ومدنيات مبنية على الكفر والإلحاد ..."
مؤسسة على الطمع والجشع والقسوة وظلم العباد ...
فاقدةً لروح الإيمان ورحمته ...
عادمةً لنور العلم وحكمته ...
حضارة ظاهرها مزخرف مزوق وباطنها خراب ...
يُظَنُّ أنها تعمر الأرض ولكن مآلها الهلاك والتدمير ...
لم يسمع الخلق منذ أن أوجدهم الله بمثل هذه المجازر البشرية التي انتهى إليها شوط هذه الحضارة ...
ليتأمل كل عاقل النتائج الوخيمة والثمرات الذميمة التي جرتها عليهم حضارتهم هل أسعدتهم في دنياهم التي لا يرجون غيرها ؟ .
فالقوة والمدنية والحضارة والمادة بأنواعها إذا خلت من الدين الحق فلن تجر إلا الويلات والمآسي". ( انتصار الحق للسعدي 10 ـ 11 بتصرف ) ."
تكاد تسقط من أفعالهم غضبًا هذي السماء وتخبو منهم الشهب
والجو يظلم مما يصنعون فيا ويح الحضارة إذا ما صانها الأدب
أهل هذه الحضارة هم الذين"هدموا المساجد وشيدوا للفجور المعابد وأنفقوا المليارات على البارات وعرضوا للناس الغانيات وملأوا المراقص بالمغنيات ، المخمور في شوارعهم يخور ، والكؤوس على رؤسهم تدور ، الأبيض عندهم مقدس والأسود مقهور ، بنوكهم مرابية ومجالسهم لاغية ملحدون لا موحدون متفرقون لا متحدون".
3 ـ العولمة والغزو الفكري:
هو حرب ضروس ضارية تقودها الدول الكافرة لاستئصال الإسلام من الوجود من خلال إبقاء العالم الإسلامي تابعًا لها ومقلدًا إياها في عاداتها وتقاليدها وأخلاقها ونظمها السياسية والاجتماعية والاقتصادية ومناهج التعليم .
والفصل بين الأمة وبين تاريخها المجيد وماضيها العريق ليحل محله تاريخ الغرب وأمجاده وأيامه وبطولاته ...
وأن تزاحم لغة الغرب لغة القرآن ، أو إضعافها ...
فالإنسان لا يفكر إلا باللغة ، وإضعاف اللغة هو إضعاف لتفكير الأمة...
وإحلال لغة محل أخرى هو إجبار للأمة المغلوبة على أن تفكر بعقلية الأمة الغالبة ...
تغلغلت تيارات هذا الغزو في شتى أنحاء العالم الإسلامي حاملة السم في العسل ، والموت فيما يزعمون أنه الدواء ...
كان لها الأثر البالغ في تخدير الأمة ...
وتضيع شخصية الشباب ...
وحرمانهم من معاني الأصالة والقوة والانتماء لأمتهم ...
"وذلك عبر عمليات ( غسيل الدماغ ) وتفريغ أفكار الناشئة ونفوسهم وقلوبهم من محتوياتها ذات الجذور الدينية والعقلية والعاطفية ..."
ثم ملء هذا الفراغ بمخترعات فكرية وعاطفية مزورة مزيفة ، تخدم غايات الطامع الغازي وتهدم كيان الأمة ..."."
الغرب يريد القضاء على الإسلام وإخراج المسلمين عن دينهم ...
{ ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء} .
"... كل ما يسعى الغرب لنشره وترويجه سواء في الفكر أو في الثقافة أو المبدأ أو الأدب والفن أو الزي والشكل ..."
إنما يعد معركة جانبية فرعية تخدم المعركة الكبرى: معركة حرب الإسلام واستئصاله ...
والطعن في رسول الأميين وخاتم الأنبياء والمرسلين ...
يقول المستشرق مارجليوث ، وهو أخبث المستشرقين وأشدهم بغضًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول: ( إن محمدًا كان يمارس الشعوذة ، وكانت له مجالس سرية أشبه بالمحافل الماسونية ، وعلامات يتعارف بها مع أصحابه ، وكانوا يرخون عذبة العمامة فوق مناكبهم...) .
ولقد حقق ما أراد في كثير من بلاد المسلمين ، فنجح في:
أ ـ تعطيل الحكم بما أنزل الله وإحلال القوانين الوضعية محله في أكثر بلاد المسلمين ...
ب ـ نشر الفساد والرذيلة والإباحية الجنسية عن طريق القنوات والصحف والمجلات ومختلف وسائل الإعلام ...
ج ـ إشغال شباب الأمة بالتوافه من رياضة وفن ، حتى ماتت همم كثير منهم ...
د ـ رفع الأقزام من ممثلين ولاعبين ومنحرفين ومغنين ، وإضفاء الألقاب الرنانة عليهم ...
مقابل الحط من مكانة العلماء وقادة الأمة العظام ...
هـ إحداث الهزيمة النفسية لدى فئام من الشباب ...
ففقدوا الثقة بأنفسهم وبدينهم ...
وأعجبوا بالغرب ونظروا إليه بإكبار وإجلال ...
وأخذوا كل ما عنده دون باسم الحضارة دون تمييز لما هو خير وما هو شر ...
يقول أحد الكتاب بسخرية لاذعة مبينًا حال الأمة وما وصلت إليه في التبعية: ( نحن جزء من الحضارة الغربية في الفساد والخمور والتحلل الخلقي ) .
كل ذلك يتم باسم العولمة ...
وهي كما عرفها كيسنجر: ( لعبة لا يجيدها إلا الكبار ، أما الصغار فسوف يجرون للميدان بقوة ) .وعرفها آخر فقال: ( هي احتلال لأكبر بقعة في العالم لكن بدون سلاح ) .
والاحتلال الذي يعنيه هو الاحتلال الثقافي والغزو الفكري ... .
* العولمة التي نريد:
"... نريد العولمة لإبلاغ رسالة الإسلام للعالمين ، ونشر الدعوة في الخافقين وتبليغ الإسلام للناس أجمعين ..."
لا نريدها هيمنة للكافرين وسوطًا في يد الظالمين ونافذة للملحدين ...
مرحبًا بالعولمة نتاج حضارات ، وثمار اختراعات ، وخلاصة اكتشافات، وجهود دراسات ...
مرحبًا بها في جامعة ومستشفى وصيدلية وشركة وعقاقير وغذاء وكساء ودواء ...
لا مرحبًا بها إن كانت دعايةً للفاتنات ، وشاشة للساقطات ، ومسرحًا للمنكرات ، وخشبةً للراقصات ، وإعلانًا للمخالفات والكفريات والمغريات...
نؤيد العولمة ليسمعوا كلامنا ، ويعرفوا إسلامنا ، ويتّبعوا إمامنا ...
ولا نؤيدها إذا كانت عصا في يد الجبروت ليعبد الطاغوت ، وتهدم البيوت ، ويخطف بها الأغنياء من الفقراء القوت ...