فهرس الكتاب

الصفحة 1847 من 3028

ولأهمية الكلمة وخطورتها فقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تنبيه أصحابه وتوعيتهم وتحذيرهم من ذلك كالألفاظ الشركية التي كانت تدور على ألسنة بعضهم ، دون أن يفطنوا لظلالها، وخطورة ما استتر تحتها من عقائد ومفاهيم .عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا:"إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين ما فيها يزلّ بها إلى النار أبعد مما بين المشرق والمغرب". متفق عليه .وصوب صلى الله عليه وسلم بعض الألفاظٍ التي تخالف العقيدة. ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا:"إن أخنع اسمٍ عند الله ــ عز وجل ــ رجل تسمى: ملك الأملاك". وفي سنن أبي داود عن بريدة رضي الله عنه مرفوعًا:"لا تقولوا للمنافق: سيد؛ فإنه إنْ يك سيدًا فقد أسخطتم ربكم عز وجل".كما غيَّر صلى الله عليه وسلم بعض الأسماء ذات الدلالات القبيحة كتغييره اسم الأجدع إلى عبد الرحمن، وبني الزّنْية إلى بني الرّشدة، وعاصية إلى جميلة، وعبد الكعبة إلى عبد الله. ( الألوهية في العقائد الشعبية / عبد السلام بسيوني 237 وما بعدها بتصرف يسير ) . كما غيَّر صلى الله عليه وسلم بعض العبارات ذات المعاني الجاهلية مثل: بالرفاء والبنين، وعم صباحًا، وأبيت اللعن ، لما تتضمنه من مفاهيم تتعارض مع قواعد الإسلام ومفاهيمه. ( المصدر السابق 247 ) . ونبَّه صلى الله عليه وسلم إلى أن قومًا يأتون بعده سيعبثون بالمسميات ويغشّون في الدلالات ، كما في سنن ابن ماجه بسند صحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:"لَيشربنّ أقوام من أمتي الخمر، يسمونها بغير اسمها...". وما هذا الحرص منه صلى الله عليه وسلم إلا أن للألفاظ دلالات حقيقية وأخرى مجازية ، وأن لها زوايا للنظر من جهة الوضع اللغوي، والدلالة الشرعية والدلالة الاصطلاحية ، والدلالة المعرفية ، كما أن الدلالة اللغوية للكلمة تدور بين النص والظاهر والمشترك والمجمل والمبهم ، والعام والخاص ، والمفهوم والمنطوق، والفحوى والإشارة . يقول ابن حزم في مقدمة كتاب (الإحكام) عن تحديد المصطلح وخطورته: هذا باب خلّط فيه كثير ممن تكلم في معانيه، وشبك بين المعاني، وأوقع الأسماء على غير مسمياتها، ومزج بين الحق والباطل، فكثر لذلك الشغب والالتباس، وعظمت المضرّة، وخفيت الحقائق. ( التبعية الثقافية 68 ) .

ولذ فإن حرب المصطلحات يحاول أربابها صبغ الإسلام بغير صبغته ، وإلباسه ثيابًا غير ثيابه ، والحديث عنه بقواعد مراوغة وعدائية ، بعيدة من الفهم الصحيح أو الإنصاف والحيادية .

أهداف هذه الحرب:

1-إرهاب المسلمين باستعمال ألفاظٌ قمعية كمصطلح التطرف والتشدد والتزمت في الوقت الذي يصف الغربيون أنفسهم على أنهم أهل الحرية والانفتاح والحوار والوسطية

2 ــ استعمال العبارات التي تؤدي إلى نتائج معروفة سلفًا كتحييد الطرف الآخر ومنعه من الاعتراض ، فلا يطرح أعداء الإسلام عداءهم بطريقة سافرة لئلا يثيروا غضب المسلمين ، وإنما يهاجمونه عبر مظلة اسمها: (تحليل التدين والسلوك الديني، أو الوعي الديني) ، ويسارعون بوضع هذا (العنوان ) في بداية أي دراسة أو تحليل لهم للإسلام لتحييد مشاعر المسلمين وعدم استفزازهم ، ثم يطعنون فيه أثناء هذه الدراسة أوالتحليل . ( علماء الاجتماع 198 ) .

3-تعمد المغالطة المنهجية لتحقيق أغراض خبيثة. فقد يكون للمصطلح دلالة خاصة في الإسلام فيجري تحريفها لصالح خصومه. مثال ذلك لفظ (الاجتهاد) الذي يحمل مفهومًا خاصًا وتعريفًا محددًا وهو: (بذل المجتهد الذي تحققت فيه شروط الاجتهاد للجهد والوسع وأقصى الطاقة في استخراج الحكم من الأدلة الشرعية ) . هذا المصطلح يستخدم الآن استخدامًا معكوسًا ؛ فبدلًا من أن يكون الاجتهاد داخل النص تعرفًا على معطياته، واستنباطًا لأحكامه الآمرة الناهية ــ نراه يستخدم بمفهوم غربي غريب عن الاجتهاد المعروف في ثقافتنا الأصيلة ؛ إذ يُعبّر به الآن عن جهد بشري مطلقٍ من كل قيد، لا علاقة له بالنصوص والأدلة الشرعية؛ حيث يرى بعضهم أن الدين تجربة مجتمع، ونتاج ظروف وبيئة معينة . ( التبعية الثقافية 123) .

4-صناعة ولاءات جديدة، وزرع أفكار ذات جذور عقلية وعقدية لا تنتمي للإسلام ، وذلك عبر توظيف المصطلح توظيفًا خاصًا. وممن يستعملون هذا الأسلوب: المنصرون الذين نصوا في أكثر من وثيقة من وثائق مؤتمر كلورادو 1978 على أن استعمال اللغة يمكن أن يكون وسيلة تنصير . ( التبعية الثقافية 611 ) . فاقترحوا استخدام لقب: ( مسلمين عيسويين ) على معتنقي النصرانية المرتدين من المسلمين ليُبقوا جزءًا من ثقافتهم المحلية ووطنهم، وعدم استفزاز مشاعر الناس حولهم ، وكذلك مصطلح ( مسجد عيسوي ) للمكان الذي يلتقي فيه هؤلاء المرتدون في الكنيسة وتحدثوا أيضًا عن ( مسجد المسيح ) وكيف يمكن الوصول للمسلمين من أجل المسيح عن طريق تأويلات قرآنية، وتوظيف الحوار المضلل في التبشير. ( المرجع السابق 767 ـ 729 ) .

كما انحشر في قاموسنا عدد كبير من المصطلحات ذات الأصول الكهنوتية: كالأصولية والتنوير والعقلانية والعلمانية ، وصرنا نسمع ممن يسمى مستنير متطرف يتحدث عن الإسلام الكهنوتي والأرثوذكسي.كما يتعاطى كثير من الحداثيين في الأدب مصطلحات: الخلاص، والصلب، والتعميد، والفداء، وما شابه!وكلها مصطلحات كنسية .

أساليب هذه الحرب:

ويعتمد غزاة هذه الحرب جملة أساليب يجدر التحذير منها:

1-تقبيح مصطلحاتٍ شريفةٍ في أصلها، ودفع أصحابها للخجل منها، أو المدافعة عن أنفسهم عن ذكرها، فما أشرف كلمات مثل: السلفية ، والأصولية ، والجهاد، والشهادة . لكن تناولها بطريقة ملتوية وموجهة جعل السلفية تهمةً، والأصولية جريمة ، والجهاد إرهابًا، والكتب الصفراء جمودًا وظلامية ، والنصوصية تحجرًا .

2-تحسين وتزيين مصطلحات خسيسة، لا علاقة لها بالإسلام؛ بل هي إما كَنَسيّة المصدر أو ملحدة، كمصطلحات: الحتمية، والعقلنة، والأصولية، والتنوير، والحداثة ، والمعاصرة، ونشرها على الألسن حتى تصير مقبولة مرتضاة ، وتجد بين المسلمين دعاة لها.

3-تحريف مصطلحات ذات أصول إسلامية، وإعطاؤها دلالات جديدة: كالاجتهاد، والرأي ، والحق ، والشورى ، والعدالة ، ليكون الاجتهاد من حق كل أحد، وكذلك الرأي حتى في المعلوم من الدين بالضرورة.

4-ابتكار مصطلحات جديدة وطرحها، وتحديد مفاهيمها ابتداءً وفق رؤية عدائية تجاه الإسلام والمسلمين كالإرهاب والتطرف والعولمة، والإلحاح عليها حتى يصطلح عليها بعض أبناء المسلمين ليوظفوها ضد إخوانهم وبني جلدتهم ، وقد يُتخذ في هذا منهجًا مراوغًا عن طريق طرح مصطلحات جديدة مستحدثة مع إعطائها مضمونًا عامًا غير منضبط، مما قد توافقهم عليه من الوجهة المبدئية، فضلًا عن جمال المصطلح الشكلي: كاصطلاح الاستنارة أو المعاصرة أو التقدمية ، ونحو ذلك ؛ فإذا استقر المصطلح في ذهن المتلقي على أنه حقيقة ثابتة بدأوا في طرحه بمضمون محدد وأفكار منضبطة تؤدي إلى هدفهم المنشود في غرس الفكرة الغربية في الثقافة الإسلامية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت