فهرس الكتاب

الصفحة 1848 من 3028

5 ـــ تخفيف رد الفعل الرافض لبعض الألفاظ المباشرة واضحة المخالفة للشريعة وتمريرها كمصطلح الاشتراكية أو الاشتراكية العلمية ــ بدل الشيوعية ــ ومصطلح العلمانية بدل اللادينية أو الإلحاد. ويدخل في هذا ليّ المصطلحات: كتسمية الخمر مشروبات روحية (ترجمة لكلمة Spirits ) والرقص فنًا، والربا فائدة ، والسكوت عن المنكرات مجاملة ، وإهانة المرأة حرية ومساواة ، والرشوة خدمات وهدايا ، وسميت معركتنا لتحرير فلسطين والقدس باسم قضية الشرق الأوسط ، وسمي العدوان على أفغانستان والعراق حربًا على الإرهاب، وسوِّغ العسف والاتهام في ظل قانون الأدلة السرية ، وسُمِّي الاستعمار وحرب الشعوب في أرزاقها وأخلاقها ودينها بالعولمة . ، وأصبحت حماية المرأة وصيانتها بمنع الخلوة والنهي عن التبرج ضربًا من سوء الظن وضعف الثقة . وصارت رعاية النشء وحمايتهم من الفساد نوعًا من التزمُّت في التربية وكبت الطاقات . وغدت محاربة الفساد وتشجيع الالتزام والتدين نافذةً إلى التطرف وبابًا إلى الإرهاب . وسمي سبّ الله تعالى تنويرًا، والاستباحة حرية، والرقص فناّ، والزنا صحة جنسية! .

أيها الأحبة إن الغزو الثقافي والفكري أخطر أنواع الغزو والسيطرة ، لأنه يجعل المغزو يتحرك وينشط بعيدًا عن هيمنة الأساطيل والأسلحة المنظورة ، ظانًا أنه يتحرك مستقلًا حرًا مالكًا زمام أمره ، ولكنه في حقيقة أمره مسلوب الإرادة ، مسخر نشاطه وجهوده من أجل الأرض التي أنبتت الثقافة التي تثير إعجابه ، فيرفع لواءها ، ويسير في ظلها ، وقد يموت ويميت جموعًا لا تحصى في سبيل ذلك.

والمصطلح هو"الحبة"أو"الجرعة"السحرية التي يتناولها الفرد لتحول اتجاه تفكيره من جهة إلى جهة - إن لم تفقده التفكير أصلًا - ، وقد يتسلل إلى العقل العام تسللًا عبر الإذاعة والصحيفة والمناهج دراسية..فيُلْتَقَط ويُستعمل ويشيع ، ولا يمضي وقت قصير حتى تضاف إليه الشروح والحواشي ، وتشذب انعكاساته الضارة عن طريق تزيينه بأساليب المنظرين، فتمتد جذوره في أرضٍ وفِد عليها ، ويبدأ يعطي ثماره: فكرًا وافدًا وثقافة هجينة.

ولنأخذ نموذجًا واحدًا من هذه المصطلحات الشائعة والتي جرت على الأقلام والألسنة أيامًا طويلة ، وهو كلمة"الرجعية".فماذا تعني هذه الكلمة في أذهان مبتدعيها؟ . وماذا تعني عند مردديها ، وخصوصًا في مجتمعات المسلمين ؟ . وما مدى الهوة بين مدلولها الأصلي ، من حيث الوضع ، ومدلولها في أذهان الناطقين بالعربية؟ .

تقول الموسوعة السياسية عن معنى هذه الكلمة: هي نقيض التقدمية ، ويطلق الشيوعيون واليساريون هذه الكلمة على الأحزاب والتيارات التي تنادي ببقاء المؤسسات القديمة على قدمها. وبناء على هذا فإن هذا التعريف يبين لنا مَنْ وضع هذا المصطلح ، ومن روجه وهم (الشيوعيون واليساريون) ويطلقونه على خصومهم جملة .

والشيوعيون وخصومهم، من حيث المبدأ والمنشأ، هم نتيجة لمجتمع وثقافة تختلف اختلافًا كبيرًا عن مجتمعاتنا وثقافتنا ، وليس المجال مجال تفنيد آرائهم والرد عليهم. ولكن الذين أدخلوا هذا المصطلح إلى ثقافتنا هم الذين تأثروا بتلك الأفكار ، ورأوا أن يحققوا عن طريق إشاعتها مآرب وغايات في نفوسهم ، في ظل مطاردة كل ما هو أصيل وهيمنة كل ما هو غريب.

وقد كَثُرَ استخدام هذا اللفظ بعد خروج المستعمرين من البلاد العربية والإسلامية ، وبروز اتجاه السيطرة على الشعوب المسلمة بحجة أنها جموع همج رعاع قاصرة عن التفكير والتصور والإدراك ، فكان لا بد من استجلاب مبادئ جديدة لتحل محل عقائدها البالية بزعمهم ؛ ثم وصْف هذه المبادئ المستوردة بشتى الأوصاف الحسنة البراقة ، وإضفاء أنواع من التزيينات عليها: كالتقدم ، والتطور ، والبناء، والتنوير، والتجديد ، والتحديث ، والعلمية ، والمنطقية … الخ ، في حين يقذف الإسلام بأبلغ أنواع السباب والشتائم والأوصاف المقذعة مثل: الرجعية ، والغيبية ، والتخلف ، والجمود ، والتحجر ، والتقوقع و الظلامية ، والسلبية ، والتعصب … الخ.

وهكذا صار لفظ الرجعية يطلق على المسلمين المتمسكين بإسلامهم ، ومن غير المسموح لهم أن يردوا على التهم الموجهة إليهم ، والقذف الساقط على رؤوسهم ، بطريقة متكافئة مع الطرق التي يثلبون ويحاربون بها ... كل هذا لإسقاط الإسلام من نفوس أتباعه .

فمن الأمور المفروغ منها عند جميع الناس على اختلاف عقائدهم ، المسلمون وغيرهم أنه لا أحد يرضى بأن تتوقف عجلة التاريخ عند نقطة معينة ، ولا أن يبقى النشاط الإنساني في مكان واحد ، وليس من مسلم يريد الرجوع بالناس إلى عصر ركوب الدواب بعدما ركبوا السيارة والطيارة والمركبات الفضائية ، وكذلك فإن الحملات الكلامية لا يمكن -لاعتبارات كثيرة- أن تتجه مباشرة وصراحة إلى دين الأمة إلا في حالات نادرة ، وفي أمكنة خاصة. وذلك لأن ما يترتب على هذا من مكاسب وإنجازات لا يتناسب مع الأضرار المتوقعة ، ولذلك فلابد من الالتفاف والمداورة بشن هذه الحملات على الأشخاص ، وتجريدهم من مكانتهم في النفوس ، وجعل صورهم تهتز في أنظار الناس من حولهم ، حتى لا يكون هناك مثل أعلى يمكن النظر إليه ، فيخلد الناس إلى اليأس ، ويألفون القنوط حينما لا يسمعون عمن يقول:"لا إله إلا الله محمد رسول الله"إلا كل سمعة سيئة ، ولا يعرفون عنه إلا الصورة المشوهة التي رسمها له خصومه ، وتكون النتيجة لا فقدان الأمل بالأشخاص فقط ؛ بل فقدان المبرر للتمسك بالإسلام الذي يحملونه من حيث هو إذ يرون أنه دين صعب التطبيق ، مكبل للنشاط الإنساني ، داعٍ إلى الكسل والخمول. وتكون النتيجة النهائية أن هذا الدين هو المتسبب الأول والأخير في تخلف هذه الشعوب ، لذلك لابد من القضاء على أثره في النفوس بشتى الطرق.

لقد كانت الفترة الذهبية لاستخدام هذا المصطلح هي فترة الخمسينات والستينات ، ثم بدأ انحساره منذ مطلع العقد الثامن من هذا القرن ، حيث أنه قد استهلك ومجه الناس لشكهم وفقدانهم الثقة فيمن يستخدمه ولتجنيه وعدم صحته في إنفاقه على من يُرمى به.

إن الصراع بين المسلمين والكفار دائم ومستمر ما دامت السماوات والأرض { ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم } وقد جرب أعداء الإسلام سلاح القوة مرارًا فما أجدى لهم نفعًا ، مما جعلهم يفكرون في وسيلة أخرى وميدان آخر للصراع . لقد أدركوا أن سر صلابة المسلمين وتفوقهم هو في إسلامهم ؛ ولذا حولوا ميدان الصراع من حرب المسلمين ذاتهم إلى حرب العقيدة الإسلامية ، وبهذا تغيرت ملامح المعركة ، فلم يعد ميدانها الرئيسي الأرض ولكنه الأدمغة والعقول ، ولم تعد وسيلتها السيف بل الفكر ، ولم تعد جيوشها الأساطيل والفرق العسكرية ولكنها المؤسسات والمناهج بالدرجة الأولى . ( العلمانية للحوالي 535 ) . وتشويه تاريخ هذه الأمة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت