فهرس الكتاب

الصفحة 162 من 3028

(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا) (62) .

(تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (63) .

إن الحركة الإسلامية تملك الكثير..

فبدلا من أن تقولب نفسها في القالب الذي يريده لها أعداؤها، فترسّخ بذلك كيد أعدائها لها.. بدلا من ذلك عليها أن تبرز البديل الغائب، وتعرض النظام العالمي الصحيح.

الإسلام هو النظام العالمي الصحيح. سواء بالنسبة لمعتنقيه، أو بالنسبة"للآخر"الذي لم يعتنق الإسلام.

فإذا كانت السمة الكبرى للعولمة هي القهر والإلزام والضغط على المستضعفين ليخضعوا لسلطانها. فإن السمة الكبرى للإسلام أنه لا يكره أحدا على اعتناقه: (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ..) (64) ، (...ً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) (65) ؟!

وإذا كانت السمة البارزة للعولمة هي فرض قالب معين للحياة - هو القالب الأمريكي - ليتقولب الناس في داخله قسرا، ولو كان مقاسهم مختلفا عن مقاسه، فتتم قولبتهم ببتر بعض أعضائهم أو تحطيمها، فإن الإسلام - دين الله - يقر الاختلاف كأمر واقع، فرضه الله في الخليقة لحكمة يريدها: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ...) (66) .

إنما يلزم الإسلام معتنقيه بثوابت معينة ومعايير معينة يعلم الحكيم الخبير أنها لازمة لتكوين الإنسان الصالح، الذي يصلح أن يكون خليفة في الأرض: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) (67) . (يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ...) (68) .

ولكنه - حتى مع معتنقيه - لا يجعلهم نسخا مكررة كالآلات. والدليل الواقعي هو اختلاف المذاهب واختلاف الآراء، الذي أقرته الأمة منذ يومها الأول، ولم تضق به، ولم تضيق عليه، إنما تضيق على الذين يخرجون على الثوابت بحجة الحرية الشخصية أو حجة الاجتهاد أو غيرها من المعاذير للتفلت من دين الله.. فهؤلاء حكم الله فيهم أنهم مرتدون.

أما غير معتنقيه فإن كانوا يعيشون على أرضه وتحت رايته"فلهم ما لنا وعليهم ما علينا"وإن كانوا خارج أرضه وخارج سلطانه فإن كانوا محاربين يحاربون، وإن كانوا مسالمين يعاهدون، ويعاملون بالقسط: (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (69) .

وإذا كانت العولمة حصيلتها الحقيقية النهائية استعباد المستضعفين لسلطانها، تحت أي عنوان وتحت أية معاذير، فالإسلام هو الذي جعل عمر - رضي الله عنه - يقول لأحد ولاته: يا عمرو! متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟!

إنما قبل ذلك كله، وفوق ذلك كله أنه إذا كانت العولمة تصدّر للناس الإلحاد والفساد الخلقي والفوضى الجنسية والشذوذ والانحراف، وتفرضه في"مؤتمرات!"عالمية، فالإسلام حريص كل الحرص على تطهير الناس من الدنس الروحي والأخلاقي، ليرتفع الناس إلى المستوى اللائق"بالإنسان".

إن التقدم العلمي والتكنولوجي والتنظيمي لا علاقة له البتة بالانحلال الخلقي، وليس من مستلزمات ذلك التقدم أن تفسد أخلاق الناس وينحطوا إلى الدرك الحيواني كما هو حادث في"الحضارة"الغربية! إنما حدث ذلك عندهم - كما أسلفنا - لظروف محلية خاصة في حياتهم، ليس لها طابع العموم، ولا هي من السنن التي لا تحيد ولا تتبدل!

وقد أعطى الإسلام - وقت استمساك الناس به على الوجه الصحيح، أو قريبا من الصحيح - حضارة إنسانية متقدمة في جميع الميادين، دون تبذل خلقي ولا انتكاس روحي، بل كان المجتمع الإسلامي أقل المجتمعات البشرية وقوعا في الفاحشة، وأقلها إدمان خمر، وأقلها إدمان مخدرات، وأقلها جرائم، وأكثرها صلاة وعبادة، وأكثرها ترابطا أسريا، وأكثرها طمأنينة، وأكثرها بركة!

والإسلام - بصورته الحقيقية - ليس موجودا اليوم إلا في الأفراد الذين يمارسونه عن إيمان واع بحقيقته. أما الغثاء الذي أخبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم - بصرف النظر عن وضعه في حكم الله (وتلك قضية لا نتعرض لها) - فالإسلام غريب عنه كما أخبر الصادق المصدوق:

"بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء" (70) .

ومهمة الغرباء - كما جاء في رواية الترمذي - أن يصلحوا ما أفسد الناس من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وتلك مهمة الحركات الإسلامية..

ليست مهمتها أن تتقولب في قالب العولمة لكي تعيش! فذلك نداء أعدائها ليقضوا عليها في النهاية ويتخلصوا منها!

والإسلام لم يتنزل ليجاري انحرافات البشر، وإنما ليصححها ويهيمن عليها.

(وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ) (71) .

ولكي يعود الناس إلى الإسلام على وجهه الصحيح، أو قريبا من الصحيح، يحتاجون إلى جهد جاهد يبذل في التربية على حقيقة الإسلام.. جهد مجهد مُضْنٍ ولكنه أكيد المفعول، ولو استغرق تمامه عدة أجيال.

ولن تتربى الأمة على حقيقة الإسلام بكتاب ينشر، أو موعظة تلقى، أو خطبة حماسية في مزايا الإسلام، وإن كان هذا كله من الأدوات الضرورية للدعوة..

إنما يتربى الناس بالقدوة أولا، ثم بالموعظة الصادرة عن القدوة، التي تجد صداها في القلوب حين تصدر عن قلوب مؤمنة بالفعل، ملتزمة بالفعل، ممثلة له في سلوكها الواقعي، داعية إلى الله على بصيرة: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (72) .

ومن أجل ذلك تحتاج الحركات الإسلامية أن تكون هي ذاتها قد ترتبت على حقيقة لا إله إلا الله، ومقتضيات لا إله إلا الله، لتستطيع أن تنقل للناس تجربة حية ماثلة في عالم الواقع، يراها الناس فيقتدون بها حين يُدْعَوْن إليها.. وذلك ما سميناه"إنشاء القاعدة الصلبة"التي تقوم فيما بعد بدعوة الناس (73) ..

ولن تجد الحركات الإسلامية السبيل ميسرا إلى أي الهدفين، بل ستجد العراقيل من كل جانب، وتجد المعوقات.. ولكن هذا قدرها الذي قدره لها الله: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) (74) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت