فهرس الكتاب

الصفحة 163 من 3028

ولكن الهدف المقصود من الضخامة بحيث يستحق كل جهد يبذل فيه، فوق أنه عبادة خالصة لله.

الهدف في النهاية - ولو استغرق تمامه عدة أجيال - هو إبراز النموذج الحضاري الصحيح، ليخرج الناس من الظلمات إلى النور..

(وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (75) .

إن النموذج الحضاري القائم اليوم يشكل فتنة كبيرة للناس.. ففيه من ألوان التقدم ما هو نافع حقيقة للناس، ولازم لهم ليرتفع مستواهم الحياتي، وفيه في الوقت ذاته انتكاسات روحية وخلقية تهبط بالناس إلى درك أحط من الحيوان.. والناس - لهبوطهم إلا من رحم ربك - يأخذون الأمرين معًا، على أنهما - معا - هما التقدم والرفعة والرقي!! ومن أجل ذلك لا يحسون في لحظة الانتكاس أنهم منتكسون، بل يظنون أنهم ماضون في طريق الرفعة ما داموا يمارسون ألوان التقدم التي تتيحها هذه الحضارة..

ولن يفصل الناس بين الخير والشر في هذه الحضارة، فيستبقوا الخير ويستزيدوا مه ويسعوا إلى التخلص من الشر، بكتاب ينشر، أو موعظة تلقى، أو خطبة حماسية.

إنما يحتاجون إلى نموذج واقعي، يحقق ما في هذه الحضارة من خير - أو في القليل لا يعوقه عن الإنطلاق في طريقه - وفي الوقت ذاته يتطهر من الدنس المتمثل في الإلحاد من ناحية، والفوضى الجنسية والانحراف والشذوذ من ناحية أخرى.. فيتبعوا النموذج على هدى وبصيرة، وعن رضىً وارتياح.

وحين يحدث ذلك تكون البشرية قد ارتفعت بالفعل، الرفعة الحقيقية التي تحقق كيان"الإنسان"..

فمن يرشد البشرية إلى ذلك إلا الذين يملكون المنهج الصحيح، والذين كلفوا تكليفا بإبلاغه للناس؟!

إن الرد الحقيقي على الطاغوت الحالي الذي يسمى العولمة، هو إبراز النموذج الصحيح الذي يجب أن يكون عليه الإنسان، لكي يصدق الناس - في عالم الواقع - أنه يمكن أن يتقدم الإنسان علميا وتكنولوجيا واقتصاديا وحربيا وسياسيا وهو محافظ على إنسانيته، محافظ على نظافته، مترفع عن الدنايا، متطهر من الرجس، قائم بالقسط، معتدل الميزان: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ..) (76) .

وبدهي أن المسلمين لن يستطيعوا في يوم وليلة أن يتجاوزوا التخلف العلمي والتكنولوجي والاقتصادي الذي وقعوا فيه حين بعدوا عن حقيقة الإسلام، وأن ذلك - حتى إن بدأوه اليوم - سيستغرق عدة أجيال، وسيظل الفارق بين المتقدمين والمتأخرين قائما، بل قد يزداد اتساعا مع كل قفزة جديدة يقفزها العلم..

ولكنهم إن استكانوا لهذا العجز فقعدوا عن تغيير أحوالهم فلن يفلحوا إذن أبدا!

وليعلموا أن الذي تحتاج إليه البشرية اليوم ليس مزيدا من الإنتاج المادي، ولا مزيدا من أسلحة الدمار الشامل.. إنما تحتاج إلى شيء أهم من ذلك بكثير، وأنفع من ذلك بكثير: هو طمأنينة القلب وصفاء الروح.

وحين يقدم لهم المسلمون ذلك، مع علمهم الحثيث لتلافي تخلفهم الذي هم واقعون فيه، يكونون قد قدموا لهم خدمة لا توازيها خدمة، لأنها هي التي ستنقذهم من الدمار، وفي الوقت ذاته فإن الإسلام لن يسلبهم تقدمهم المادي الذي هم عليه حريصون، فلم يكن الإسلام قط عدوا للتقدم العلمي أو المادي، إنما كان عدوا للخلل الذي يحدث في حياة الناس حين ينسون ربهم وينسون آخرتهم ويستحبون عليها الحياة الدنيا، فينتهي أمرهم - حسب السنن الربانية - إلى الدمار..

والآن نعود إلى السؤال الذي بدأنا به: ماذا يملك المسلمون إزاء الطاغوت الكاسح الذي يواجههم؟

فأما مجموع الأمة فيملكون أضعف الإيمان، وهو إنكار القلب، وهو فرض عين عليهم لأنه ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل..

وأما الحركة الإسلامية فتملك المشروع الطويل الأجل، الذي قد يستغرق عدة أجيال، ولكن يجب أن تجند نفسها له منذ اللحظة، وهو عليها فرض عين.. ذلك هو إعادة الأمة بالتربية إلى حقيقة الإسلام، لتقدم النموذج الحضاري الذي يساعد الناس على الخروج من الظلمات إلى النور.

موقف العلمانيين

يبدي العلمانيون ترحيبا ظاهرا بالعولمة، ويرتقبونها بفارغ الصبر، ويبشرون بالخير العميم الذي سيهب علينا من العولمة، ليخرجنا من التخلف إلى الحداثة.. ولا يخفي بعضهم فرحته بأنها هي التي ستزيل من حياتنا بقايا"القرون الوسطى"التي ما تزال عالقة بنا..

بعبارة أخرى تزيل لهم الإسلام!!

هكذا يفكرون.. وهكذا يحلمون..

ويعجب الإنسان لهذا المسخ الشائه الذي يقرأ تاريخه بعيون غيره، ويزن نفسه بميزان غيره، ويتلاشى هو حتى يصير كأنه غيره!

لقد كانت القرون الوسطى في أوربا هي قرون الظلام.. وقُرِنَ هذا الظلام - بجهالة - بالدين، من حيث هو دين! فقيل إن أوربا كانت تعيش في الظلام لأنها كانت تعيش في ظل الدين، وحين نبذت الدين تقدمت وارتقت وخرجت من الظلام إلى النور..

ونحن نعلم جيدا أن عصر التدين في أوربا كان عصر الظلام، وأن أوربا تقدمت حين نبذت دينها. ولكنا جديرون أن تكون لنا رؤيتنا الواضحة لهذا الأمر، بما نملك من المعايير التي لا تملكها أوربا، وبكوننا ونحن خارج الدائرة - أو خارج الأزمة - أقدر على الرؤية الشاملة التي قد لا يقدر عليها الموجودون في داخلها، المتأثرون بأفعالها وردود أفعالها، الواقعون تحت ضغوطها وانفعالاتها، التي قد تغشي النظرة وتفسد الرؤية.

إن أوربا لم تعرف في تجربتها - قط - دين الله المنزل! إنما عرفت دينا صنعته تصورات بشرية ضالة، أفسدت منه ما أفسدت، ثم أفسدت به ما أفسدت!

وعرفت كيانا كهنوتيا مبتدعا ما أنزل الله به من سلطان، طغى وتجبر حين واتته الفرصة، ففرض على الناس طغيانا روحيا، وطغيانا ماليا، وطغيانا عقليا، وطغيانا سياسيا، وطغيانا عليما، حَوّل الحياة إلى جحيم لا يطاق، ومع ذلك أطاقته أوربا ما يقرب من عشرة قرون، ولم تدرك ما فيه من الزيف، وما فيه من الإجحاف بكيان الإنسان إلا بعد أن احتكت بالإسلام والمسلمين كما أشرنا في فصل سابق.

وعندئذ انقلبت أوربا مائة وثمانين درجة كاملة.. فألّهت الإنسان بدلا من الله، وانكبت على الحياة الدنيا بدلا من التوجه إلى الآخرة، وحكّمت العقل في الأمور كلها بدلا من مقولات الدين، أي المقولات التي كانت تقولها الكنيسة باسم الدين..

وأوربا حرة تفعل بدينها ما تشاء!

ولكن الرؤية المستقيمة، غير المتأثرة بانفعالات المعركة.. الرؤية"العقلانية"الصحيحة.. والرؤية"العلمية"المتثبتة، كان ينبغي أن تدرس وتحلل وتنظر في الأسباب والنتائج، فتكشف حقائق الأمر، التي قد يغيبها الانفعال الثائر، أو رغبة الثأر والانتقام من طغيان الكنيسة.

ففي الفترة ذاتها التي عاشتها أوربا في ظلماتها، كان هناك نور ساطع مشرق متألق، منبثق من الدين.. ولكن من الدين الصحيح الذي لم تفسده التصورات الباطلة، والذي ليس له كهنوت ولا رجال دين يفرضون على الناس ما يفرضون، ويحرقونهم أحياء حين يرفضون!

ومن الحق أن نذكر - كما ذكرنا من قبل - أن أوربا كانت قد أوشكت أن تدخل في هذا الدين، لولا عنف الكنيسة في محاربته، ومحاربة تأثيراته في نفوس الأوربيين وأفكارهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت