كان هذا الشعار هو: Laissez Passer - Laissez Faire.
والكلمة الأولى معناها"دعه يفعل (ما يشاء) "والكلمة الثانية معناها"دعه يمر (من حيث يشاء) "فمن الذي يفعل؟ ومن الذي يمر؟
أما الذي يفعل (ما يشاء) فهو الناس.. الشعب.. رجل الشارع.. الفرد.. يفعل ما يشاء، و"ما يشاء"هذه يدخل فيها - بفعل التوجيه المخطط - حرية الإلحاد، وحرية الفساد الخلقي تحت عنوان"الحرية الشخصية"التي ترتكز عليها الديمقراطية وتجعلها هدفا أساسيا في فلسفتها.
وأما الذي يمر (من حيث يشاء) فهو رأس المال. ترفع الحواجز كلها من أمامه لكي يضاعف أرباحه، أيًّا كانت الوسائل التي يستخدمها، وأيًّا كان مردودها على الناس.. على الشعب.. على رجل الشارع.. على الفرد.. فمرة تكون خدمة حقيقية نافعة، ومرة تكون دمارا شاملا في النفوس والأخلاق.. وفي كل حالة يكون رأس المال هو الرابح الأكبر، وكثيرا ما يكون هو الرابح الوحيد!
وهكذا يختلط في هذه الديمقراطية الحق والباطل، وقد يغلب الحق مرة، أما الباطل فمرات..
وأيًّا يكن الأمر فلننظر ماذا تصدر إلينا العولمة حين تحكم قبضتها علينا! هل ستصدر لنا إيجابياتها؟ أم تصدر لنا السلبيات؟!
فأما التقدم التكنولوجي والعلمي فهي تسمح منه بالقدر الذي"لا يضر مصالحها!"أما"الأسرار"الأساسية التي يقوم عليها التقدم الحقيقي فحكر عليها لا تسمح لأحد أن يمتلكه. وكم من عالم في الذرة من أبناء العالم الثالث - الإسلامي بصفة خاصة - قتل (في ظروف غامضة!) أو تحطمت به الطائرة في الجو! أو في القليل اشترى ليخدم مصالح الدولة التي تستخدمه!
وصحيح أنه لو ترك حرا فالأغلب أنه سيبيع نفسه وعلمه، لأن وطنه الأصلي لن يلتفت إليه ولن يشجعه على البحث، ولن يستثمر علمه وخبرته.. ولكن هذا لا ينفي سوء النية من الجانب الآخر، الجانب الذي إما أن يستثمر جهده لصالحه، أو ينفيه من الأرض!
أما الفساد الخلقي والروحي فخذ منه ما تستطيع، وفوق ما تستطيع.. بل هو أبرز جوانب العولمة في حقيقة الواقع.. ترسخ أسسه كل يوم: في الفضائيات التي تبث كل رذيلة. في مناهج التعليم التي يطلبون أن يحذف منها كل ما يحافظ على مقومات الأمة الذاتية، من دين أو أخلاق أو تقاليد أو مبادئ، وتقام المؤتمرات لتنشر التمرد على أوامر الله علانية، وتفرض قراراتها فرضا على الناس، ويعاقب المعترضون بالحرمان من"رحمة!"صندوق النقد الدولي، أو غيره من مؤسسات الاستعباد!
أما"الديمقراطية"التي يمنون بها"المساكين"في العالم الثالث، الرازحين تحت أنظمة الاستبداد السياسي فهي كذلك داخلة في اللعبة!
فأما Laissez Faire (دعه يفعل ما يشاء) يلحد، ويعربد، ويفسق، ويدمر التراث، ويهدم الثوابت، فهذه تفتح لها أوسع الأبواب في الديمقراطية المستوردة، ويحرّض الناس عليها بكل الوسائل.. وسائل الإعلام، ومناهج التعليم، وتعرية"المرأة"في الشارع والمقهى (الكازينو) والشاطئ والمكتب.. والمجلس!
وأما الحقوق والضمانات الحقيقية - وهي أثمن ما في الديمقراطية - فهذه غير قابلة للتصدير إلى العالم الثالث.. لأنها حكر على الرجل الأبيض.. ذلك لأنها لو استنبتت حقيقة في العالم الثالث فسيتحرر، ويسترد كيانه المفقود، ويعارض العولمة في النهاية، التي تستعبده للطاغوت العالمي.. ومن ثم فليأخذ مسرحياتها يتلهى بها.. أما حقيقتها فتظل منه بعيدة المنال!
إذا كان الأمر كذلك فالعجب للجماعات الإسلامية التي تقولب نفسها في قالب العولمة، أو في قالب"الديمقراطية"ظنًّا منها أنها بهذا الصنيع تكسب أرضا جديدة، أو تفلت من الحصار الواقع عليها!
أفبعد كل التجارب التي مضت ما تزال الخديعة قائمة؟!
أفلا يذكرون أن أمريكا صاحبة العولمة - أو اليهود الذين يسيّرونها - هي التي زرعت في العالم الإسلامي تلك الحكومات التي تذبّحهم وتقتّلهم وتشرّدهم وتضع شبابهم في المعتقلات والسجون؟
فما الذي سيتغير في خريطة الأحداث حين نعتنق نحن الديمقراطية التعددية، ونجعلها شعارا لنا، نعلنه، وننادي به، ونؤكد عليه، ونقسم بأغلظ الأيمان أننا سنتبعه؟!
هل سيمنحنا هذا شيئا من الحقوق المسلوبة أو الضمانات المطلوبة؟ أليس صاحب العولمة هو ذاته الذي يحرض الحكومات على مقاومة التيار الإسلامي وكبته ومحاولة القضاء عليه؟! فما الذي سيتغير حين نعلن نحن أنفسنا ديمقراطيين تعددين؟! وما حصيلة تجربة الجزائر، وتجربة حزب الرفاه في تركيا؟!
إننا لا ندعو إلى العنف.. ونعلن بملء أفواهنا أننا لا نجيزه، ولا نعتقد أنه يفيد الدعوة، بل نقول إنه مخالف للمنهج النبوي، وإنه يضر الدعوة ولا ينفعها (59) .
ولكنا نقول مع ذلك إن تحكيم شريعة الله إلزام رباني، لا خيار للبشر في تركه أو الإعراض عنه إذا أرادوا أن يكونوا مسلمين: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (60) . (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) (61) .
وليس بيننا وبين الديمقراطية - كتنظيم سياسي - خصومة ذاتية، وإنما الخصومة هي من جانبهم، لأنهم يرفضون الالتزام بتحكيم شريعة الله! فهل يصل الأمر بأي حركة إسلامية أن تقبل وضعا يرفض تحكيم شريعة الله، وتمنحه شرعية الوجود؟! وحين نتنازل عن هذا الإلزام الرباني، فماذا يبقى لنا من الإسلام؟! وحين لا نتنازل - ولا خيار لنا في عدم التنازل - ترفضنا الديمقراطية ولو تمسحنا بها ألف عام!!
ثم إن هناك وهمًا لا بد من التنبيه إليه!
إن الديمقراطية - أو قل على وجه التحديد إيجابياتها من ضمانات وحقوق - ليست جهازا يستورد، فيوصل بالدائرة الكهربائية فينتج من ذات نفسه حقوقا وضمانات!
إن الديمقراطية التي يستمتع بها الغرب اليوم بإيجابياتها (ودع عنك مؤقتا سلبياتها) عمرها مائتا عام على الأقل من الكفاح المتواصل، قدمت فيه الشعوب ضحايا عديدين من أبنائها، قتّلوا، وشرّدوا، وسجنوا، وحوربوا بكل وسائل الحرب، حتى استطاعوا في النهاية أن يحصلوا على ما تشتمل عليه الديمقراطية من حقوق وضمانات، وإن كانوا لم يستطيعوا قط أن يتغلبوا على سلبياتها لأنها - عندهم - سبيكة واحدة اختلط فيها الحق والباطل.
فهل سنصل نحن إلى ما وصلوا إليه من حقوق وضمانات بمجرد أن نعلن أنفسنا ديمقراطيين؟! أم لا بد من تربية الأمة لكي تحافظ على حقوقها وترفض الاعتداء عليها، كما تربت الأمم التي وصلت إلى ما وصلت إليه من خلال كفاحها ونضالها وتضحياتها؟!
وإذا لم يكن من التربية بد، وهي عمل مجهد مُضْن بطيء الثمرة وإن كان أكيد المفعول، فهل الأجدر بنا نحن المسلمين أن نبذل جهد التربية في أمر يختلط فيه الحق والباطل، أم في الأمر الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو الإسلام؟!
في كلا الحالين سنبذل الجهد، ونصبر على اللأواء، ولكنا في إحدى الحالين نحرز متاع الدنيا (وهو مشوب) ، ونحرز غضب الله بالإعراض عن شريعته، وفي الحالة الثانية نحرز متاع الدنيا ورضوان الله.