فهرس الكتاب

الصفحة 160 من 3028

ومع ذلك فهي - حتى في لحظتها الراهنة - تملك كثيرا إذا لجأت إلى قلعتها، فتحصنت في داخلها من الهزيمة الداخلية التي تجتاح قلوب المهزومين.

فأما القضايا الاقتصادية فلا نتعرض لها هنا، ونترك الحديث عنها للمختصين في شئونها، ولكنا نلمّح فقط إلى أن المنطقة التي امتد فيها الإسلام بقدر من الله هي أغنى بقعة في الأرض، بمواردها الطبيعية من مياه ونبات وخامات، كما أن تعدادها البشري يزيد اليوم على الألف مليون. وهي تملك - رغم كل الضعف الذي تعانيه أن تشكل وحدة - أو وحدات - اقتصادية تستغل مواردها وطاقاتها على نحو أفضل، فتصمد أمام الضغوط كما تفعل ماليزيا في الوقت الحاضر، على الرغم من كل العراقيل التي توضع عمدا في طريقها لكي لا تفلت من الحصار!

وأما الخبرة فيمكن أن تكتسب رغم كل العراقيل.. فالعقول الإسلامية المهاجرة - التي ألجأتها ظروفها الخاصة أو العامة إلى الهجرة إلى الغرب - تملك الخبرة، والغرب ذاته يستعين بها وبخبراتها حتى في أدق الشئون.. شئون الطاقة النووية وارتياد الفضاء!

ومع ذلك فإنا نترك أمور الاقتصاد للمختصين..

أما أمورٌ أخرى، فالأمة - بكل فرد فيها - هي جهة الاختصاص! وهي تملك الكثير!

أمر العقيدة.. أمر الأخلاق.. أمر القيم.. أمر المبادئ.. أمر الإنسان، وغاية وجوده، ومعيار إنجازاته.

هذه أمور يملكها كل فرد ملكية خاصة، بمعنى أنها جزء من كيانه الذاتي، لا ينفصل عن ذاته، وعن وجوده الشخصي، ويملك أن يحافظ عليها في داخل قلبه - في داخل قلعته - مهما كانت الفتن من حوله.

وهذه الأمور كلها يملك المسلم فيها زادا ربانيا أصيلا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، بينما يملك الغرب فيها بضاعة زائفة مهما بلغ من لمعانها ؛ بضاعة صنعها البشر من عند أنفسهم وهم في أشد حالات الانحطاط الروحي والأخلاقي، لظروف محلية بحتة عندهم، وإن زعموا أنها ذات طابع إنساني شامل، يشمل - أو يجب أن يشمل - كل أرجاء الأرض!

ما الإنسان في نظر الغرب؟!

إنه ذلك الحيوان الدارويني المتطور، الذي تطور عقله وإبهامه (!) فاستطاع أن يفكر وينطق ويستخدم الأدوات، فصنع الحضارة المادية..

وأما هدفه في الحياة فهو الاستمتاع الحسي من جهة والغلبة في الصراع - صراع البقاء - من جهة أخرى، وأدواته في الصراع هي العلم والحرب والسياسة.

ثم إنه هو مرجع ذاته، لا مرجع فوقه، وكل ما يفعله فتبريره الأوحد أنه صادر عنه.. أي أنه هو الإله..

وهذا الحيوان المتأله هو الذي يريد أن يفرض"حضارته"على كل الأرض!!

كلا والله! ولن يكون بإذن الله..

إن الإنسان كما خلقه الله أعلى بكثير، وأكرم بكثير، من أن ينحصر فيما تريد هذه الحضارة الزائفة أن تحصره فيه.. (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) (52) .

إنه قبضة من طين الأرض، ونفخة من روح الله.. (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) (53) .

والذين يتعاملون مع قبضة الطين وحدها ويهملون نفخة الروح لا يتعاملون مع"الإنسان"، وإنما يتعاملون مع مسخ مشوه يقول الله عنه إنه أضل من الحيوان: (لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) (54) .

ولا يشفع لهم، ولا يرفع من هبوطهم كل ما يملكون من تقدم علمي وتكنولوجي واقتصادي وحربي وسياسي إلا حين يعودون إلى إنسانيتهم كما خلقها الله من قبضة طين ونفخة وروح..

أما تأله ذلك الحيوان - والعولمة جزء من هذا التأله - فهو ممقوت ملعون عند الله، ثم إنه في الأرض إلى زوال حسب سنة الله، مهما استكبر أصحابه في الأرض فترة من الزمان!

إن الحضارة الغربية تملك إيجابيات هائلة دون شك، لا ينكرها إلا مغالط، وتملك كذلك سلبيات هائلة لا ينكرها إلا مغالط.

فالتقدم العلمي والتكنولوجي وعبقرية التنظيم والجد في أخذ الأمور والمثابرة وطول النفس.. كلها إيجابيات. وهي التي تسند هذه الحضارة وتطيل عمرها في الأرض حسب سنة من سنن الله: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ) (55) .

والفساد الخلقي والروحي والفوضى الجنسية والإباحية المفرطة والشذوذ والخمر والمخدرات والجريمة، والطغيان في الأرض بغير الحق وإذلال الآخرين وقهرهم، كلها سلبيات، مصيرها أن تعصف بهذه الحضارة - مهما طال مكثها في الأرض - حسب سنة من سنن الله: (.. حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ) (56) . (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) (57) . (وَكَأَيِّنْ مَنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ) (58) .

وهناك أمر مما تملكه هذه الحضارة يختلط فيه الحق والباطل بصورة تخفى على كثيرين، وتوقع في الفتنة كثيرين، فيأخذهم لألاؤها، فتنزلق أبصارهم عن مساوئها.

ذلك هو"الديمقراطية"و"حقوق الإنسان".

لا يصدق الناس أنها مسرحية جميلة، وأن فيها من الباطل بقدر ما فيها من الحق!

أبرز وجوهها ولا شك هو الحرية السياسية، والحقوق والضمانات التي كسبتها"الشعوب"في مواجهة الطغاة المستبدين الذين كانوا يحكمونها من قبل، وكسبها"الفرد"إزاء"الدولة".

ولكن من المسيطر الحقيقي وراء المسرحية الجميلة التي يبدو فيها الفرد العادي - الذي يسمونه في كثير من الأحيان"رجل الشارع"- وكأنه هو الذي يحكم، وهو الذي يقرر مصاير الأمور؟!

إنه في الواقع رأس المال! ومن الذي يسيطر على رءوس الأموال؟! إنهم - بداهة - اليهود!

ومن هنا يتضح كيف أن اليهود في أمريكا - وهم قلة عددية - هم الذين يعينون رؤساء الجمهورية، وهم الذين يسقطونهم إذا شاءوا أو يقتلونهم كما قتلوا كنيدي عام 1963 م حين لم يستجب لأهوائهم.

إن المواطن هناك هو الذي ينتخب ممثليه الذين يذهبون إلى البرلمان، والذين يحاسبون الحكومة ويقررون لها سياستها. وهو ينتخب ممثليه بحرية كاملة لا ضغط فيها ولا تزوير.

نعم! ولكن!

من الذي يوجهه إلى اختيار هذا الشخص أو ذاك؟

أهو ذكاؤه الخاص؟ أهو تفكيره الذاتي؟ أهو تعمقه في دراسة الأمور والموازنة بينها؟

أم هي وسائل الإعلام التي تصب في رأسه الأفكار المطلوبة، وتوجهه التوجيه المطلوب؟

ومن الذي يملك وسائل الإعلام؟!

حقيقة يقع تنافس حاد بين"الأحزاب"للفوز بأكبر عدد من المقاعد ليتمكنوا من الاستيلاء على دفة الحكم، ويقع هذا التنافس حرا - تماما - من كل تدخل تفرضه الحكومة القائمة في الحكم.

ولكن.. ما الفرق في النهاية بين هذه الحكومة وتلك في القضية الرئيسية، وهي سيطرة رأس المال، وسيطرة الذين يسيطرون على رأس المال؟!

هل هناك فرق حقيقي؟!

إذن فليتخيل من شاء أنه هو الذي يدير الأمور! وليتخيل من شاء أن"الشعب"حقيقة هو الذي يحكم ما دام هذا لا يضر مصالح الرأسمالية!

لو رجعنا إلى الشعار الذي رفعه اليهود على الثورة الفرنسية - التي ولدت منها الديمقراطية - نفهم أشياء كثيرة، مهمة ونافعة..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت