وكانت النتيجة حسب سنة الله هي انحسار الوجود الإسلامي في الساحة بسبب ما تغير من حقيقة الإسلام في النفوس: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (48) .
وترتب على انحسار الوجود الإسلامي بروز القوة الجاهلية التي تحكم الأرض اليوم، سواء عنينا بها الغرب في مجموعه، أو أمريكا بالذات، أو اليهود الذين يسيطرون هنا وهناك..
وتظل الأمة الإسلامية تحمل مسئوليتها في ذلك أمام الله.. وأمام التاريخ.
وهنا نأتي إلى نقطة هامة يجب الإشارة إليها في ختام هذه الحديث.
إن أكثر المتحدثين عن الأوضاع القائمة في الأرض اليوم يتأرجحون بين اتجاهين، أحدهما يلقى باللائمة - كاملة - على الأمة الإسلامية، والآخر يلقي باللائمة - كاملة - على الغرب ومؤامرته ضد الإسلام. وكل فريق يدافع - بحرارة - عن اتجاهه، ويصب اللوم - وأحيانا اللعنات - على الفريق الآخر.
والتفكير على هذا النحو يؤدي إلى نتائج خاطئة، سواء صدر عن العلمانيين، الذين يسخرون من فكرة المؤامرة ويهزأون بمعتنقيها، أو عن الإسلاميين الذين يفسرون الأمر كله بالمؤامرة القائمة ضد الإسلام.
إن الأمرين معا موجودان اليوم في الساحة! وإثبات وجود أحدهما ليس على الإطلاق نفيا لوجود الآخر! لأنهما ليسا متعارضين، بل هما متصاحبان متعانقان! فتقصير الأمة الإسلامية حقيقة واقعة، ومؤامرة الغرب على الإسلام حقيقة واقعة لا ينكرها إلا مغالط. وكلاهما يتفاعل مع الآخر. فلولا تقصير الأمة الإسلامية ما استطاع الغرب الصليبي أن ينفذ مؤامرته ضد الإسلام، ولولا المؤامرة ما أحبطت كل المحاولات التي تقوم بها الأمة لمعاودة النهوض من كبوتها.
والحديث النبوي الشريف الذي صدرنا به هذا البحث يشير إلى الأمرين معًا متصاحبين متعانقين: تكالب الأعداء على الأمة كتداعي الأكلة على قصعتها (وهذه هي المؤامرة) وكون الأمة في وضعها الحالي غثاء كغثاء السيل، لما أصابها من الوهن، وهو حب الدنيا وكراهية الموت.
وإن هذا الحديث الذي يصف أحوالنا اليوم بهذه الدقة لهو من الوحي.. وإنه لمن الإعجاز.
ماذا يملك المسلمون؟
يقلّب المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها أكفّهم في حيرة ويقولون: ماذا نفعل إزاء العولمة؟ هل نملك شيئا في الحاضر أو المستقبل؟
أما في الحاضر فقد تكون الإجابة صعبة بالفعل.. ولكن لا ؛ لأن العولمة هي ذلك الغول الذي لا يقهر، والذي لا يملك الناس إزاءه إلا الإذعان والتسليم.. فقد بدأت المجابهة بالفعل في المؤتمر الذي أقيم في مدينة"سياتل"ولكنها - مع الأسف - كانت من غير المسلمين!
إنما تأتي صعوبة الإجابة من سوء الحال التي وصلت إليها الأمة الإسلامية..
لم تصل الأمة في تاريخها كله إلى هذه الدرجة من الهوان على نفسها وعلى الناس، تطارَد وتشرّد ويذبّح أبناؤها بعشرات الألوف ومئات الألوف في أوربا وأفريقيا وآسيا ولا تتحرك، ولا يصدر عنها فعل يوقف هذه المذابح الوحشية أو يرد عليها. وتسلب منها فلسطين، وتسلب منها القدس وهي واقفة تتفرج كالمأخوذ..
ومن جهة أخرى لم يتجمع العالم كله على الأمة الإسلامية كما تجمّع اليوم، يأكل حقوقها علانية، ويسلب أقواتها، ويحارب دينها ومعتقداتها ومقومات وجودها الفكري والروحي والمادي، وهي عاجزة مسلوبة الإرادة.. وإن همت بحركة أو حتى حدثت نفسها، تمتد أصابع العصابة الدولية كلها صارخة: أصوليون! إرهابيون! اقتلوهم! أو ضعوهم في السجون!
وفي الوقت ذاته هناك نقص فادح في أدوات المواجهة..
فمن أدوات المواجهة الخبرة التكنولوجية والتصنيع، والأمة في كلا المجالين فقيرة إلى حد يقرب من الإفلاس، وفي الجانب الآخر وحوش ضارية تتجمع لتأكل الأخضر واليابس، ولتعطل كل حركة تهدف إلى اكتساب الخبرة أو تنمية الإنتاج.
نعم! ولكن..!
من قديم كان يستوقفني وأنا بعد فتىً حديث للرسول صلى الله عليه وسلم يقول:"من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فمن لم يستطع فبلسانه، فمن لم يستطع فبقلبه، وهو أضعف الإيمان" (49) وحديث في ذات الاتجاه يقول:"فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن. وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" (50) .
كان يستوقفني بشدة أن الرسول صلى الله عليه وسلم سماه جهادا، وسماه تغييرا، مع أنه مستكن في داخل القلب، ولا يغير شيئا من الواقع المراد تغييره!
وحين كبر وعيي، وزادت تجاربي فهمت أشياء مما كان خافيا علي من معاني الحديث.
إن الجيش في المعركة قد ينهزم، وقد يتقهقر، وقد يلجئه العدو إلى الخروج من ساحة القتال.. نعم! ولكن! هناك قلعة أخيرة يحتمي في داخلها حتى تواتيه الفرصة لمعاودة القتال. وطالما هو محتم بقلعته لم يسلمها للعدو، فهو في حالة جهاد، لأنه ما زال محتفظا بجنديته وباستعداده. أما إذا سلم القلعة فقد انتهى الأمر، وحلت الهزيمة التي ليس منها فكاك!
وتلك القلعة بالنسبة للمنكر هي القلب..
ومن ثم يسمي الرسول صلى الله عليه وسلم الإنكار بالقلب جهادا، ويسميه تغييرا، مع أنه لا يغير شيئا في الواقع الراهن.
إن المنكِر بقلبه لم يستسلم للأمر الواقع، ولم يعطه شرعية الوجود. لم يعتبر الواقع صوابا، أو ضربة لازب لا فكاك منها. إنما اعتبر فقط أنه الآن في هذه اللحظة عاجز عن التغيير بسبب ضعفه أمام ضراوة المنكر. ولكنه مؤمن بأن موقفه هو - هو الصواب، وهو الذي له شرعية الوجود، أما المنكَر فلا شرعية له، ولا هو على صواب، وإن كانت له السيطرة في اللحظة الراهنة.
هل يستوي هو والذي سلم القلعة، ونفض يديه من المعركة؟
كلا بالطبع! لا يستويان مثلا!
فأما الأول فهو الآن عاجز. نعم، لا يملك من أمر نفسه شيئا وهو محاط ومحاصر ومقهور، ولكنه مؤمن بقضيته ما يزال. وما يزال يراقب الأحداث، يتلمس الفرصة التي قد تسنح في أية لحظة، ليخرج من القلعة، ويعود إلى الميدان.
وأما الآخر فقد انتهت القضية في حسه، واستكان للأمر الواقع، ولم يعد يفكر في تغييره. بل خطّأ نفسه على موقفه السابق منه، وعزم على ألاّ يعود!
فرق هائل في الحقيقة. والرسول الملهم صلى الله عليه وسلم، يعلم - بما علمه ربه - حقيقة الفرق بين الأمرين. ولكنه في الوقت ذاته يحذر من الركون إلى هذا الوضع ركون الراحة والاستقرار! فهو يعلم - بما علمه ربه - أن النفوس تركن وتسترخي! فيقول محذرا:"وذلك أضعف الإيمان"،"وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل".. لكي يحرص المؤمن على ألا يتزحزح عن موقفه الأخير هذا مهما كانت الظروف ومهما كانت الأحوال..
والمنكِر بقلبه لا يشارك في المنكر الذي عجز عن تغييره.. لا يشارك فيه إلا مكرها. لأنه إن شارك موافقا وراضيا ومقتنعا فقد سلم القلعة، وترك المعركة إلى غير رجعة!
وهذا هو"الجهاد"الذي أشار إليه الرسول صلى الله عليه وسلم.. فهو يجاهد أن يسقط.. يجاهد الهزيمة الداخلية التي لا برء منها، لأنها من أمراض القلوب.
"ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله. ألا وهي القلب" (51) .
الأمة الإسلامية قد لا تملك شيئا في الميدان الاقتصادي والصناعي في اللحظة الراهنة تقف به في وجه الزوبعة الكاسحة التي تطلقها العولمة، لتبسط سيطرتها على كل الأرض..
أقول قد، ولا أقول إنه الشيء المؤكد، جريًا فقط مع الاحتمال الأسوأ الذي يصوره دعاة العولمة، إذ يقولون إنها الداهية الدهياء، التي لا قبل لأحد بالوقوف في وجهها..