فهرس الكتاب

الصفحة 1618 من 3028

جاء دنلوب إلى مصر موجها لمدارس الحكومة، منفذا لسياسة الاستعمار العدوانية، ولننقل إلى حضراتكم مقتطفات من محاضرة للدكتور محمد البهي بعنوان: مستوى الكفاية الفنية للتعليم في مصر، يقول فضيلته:

الإسلام واللغة العربية عاملان مقومان لشخصية الشعب العربي والشعب المصري على السواء، اتجه الغرب المستعمر في مصر إلى إضعاف اللغة العربية والإسلام، ونفذ إلى ذلك عن طريق التربية والتعليم، فقد عمد أولا إلى إخلاء مناهج التعليم في الابتدائي والثانوي إذ ذاك من الدين الإسلامي فضلا عن التعليم العالي، ثم جعل لغة التعليم هي اللغة الإنجليزية عدا دروس اللغة العربية، وهذه هي الخطوة الثانية.

وأضاف إلى هاتين التقليل من دروس اللغة العربية في مناهج التعليم. ثم يقول فضيلته:

والاستعمار في مصر كشف في سياسته الاستعمارية للتعليم المصري عن هذا الهدف، فلورد كرومر، ينص في كتابه (مصر الحديثة) على الصلة بين أضعاف اللغة العربية وخلخلة الإسلام في نفوس المصريين وبين استقرار الاحتلال البريطاني والتقدم المدني في التعليم في مصر الذي يساعد على التعاون بين الشرق والغرب، فكلما ضعف مستوى اللغة العربية وتخلخل الإسلام سنحت الفرصة لثبات الاحتلال من جانب، وللتقدم المدني من جانب آخر، الأمر الذي يجعل الشعب يقبل على الاتصال بالغرب على أنه سيد وموجه، وأصبحت السياسة التعليمية في عهد الاستعمار ترتكز على دعامتين:

الدعامة الأولى: إضعاف الأزهر بعزله عن الحياة التعليمية العامة.

الدعامة الثانية: رعاية التقدم المدني في التعليم، وهذا التقدم يرتكز بدوره على إبعاد الثقافة الإسلامية إبعادا تاما عن مناهج التعليم وعلى تشويه تاريخ العرب والمسلمين وفي الوقت نفسه إحلال تاريخ أوروبا والشعوب الأوروبية محل التاريخ العربي ولإسلامي.

ثم يورد هنا مقترحات المستر (بول اشميد) في كتابه (الإسلام قوة الغد) وتتلخص في أن يتضامن الغرب المسيحي شعوبا وحكومات، ويعيدوا الحرب الصليبية في صورة أخرى ملائمة للعصر الحديث، ولكن في أسلوب نافذ وحاسم، ويثني على سياسة البريطانيين في مصر بالنسبة للجانب التعليمي، ولكنه يأخذ عليهم أن الأزهر لم يزل بابه مفتوحا لأبناء مصر والوافدين عليه من أبناء العالم الإسلامي ويناشد البريطانيين أن يفعلوا بالأزهر كما فعل الفرنسيون بجامعة الزيتونة في تونس، وبالقيروان في الجزائر، وتثني على موسوليني في منعه طلاب ليبيا من الالتحاق بالأزهر في مصر بإنشائه في الحبشة معهدا إسلاميا يلتحق به أبناء المستعمرات الإيطالية في أفريقية له مظهر الأزهر وجوهر التعليم فيه إيطالي النزعة، وهي نزعة الاستعمار الغربي القائم على تفكيك الشخصية الإسلامية... ثم ترك الاستعمار تلاميذه يوجهون القيادة التربوية.

هذه لمحات خاطفة ومرور عابر، وصورة سريعة عن جانب من تاريخ الاستعمار في المجال التربوي بمصر في فترة من الزمن انقضت إلى غير رجعة، وكان الحال في المستعمرات الفرنسية والإيطالية والهولندية وغيرها أسوأ حالا، فالاستعمار هو الاستعمار في كل زمان ومكان.. وشاءت إرادة الله أن يكون مصرع الاستعمار على أيدي رجال الأزهر، كما كان مصرعه في البلاد الأخرى على أيدي العلماء الذين يجاهدون في سبيل الله ابتغاء مرضاة الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله، فنصرهم الله، {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} .

من النصوص السابقة نرى في وضوح كيف بنى التعليم المدني، وكيف أسس وكيف غذى بتوجيهات معادية للإسلام.

إنه نبات خبيث سام أسس على غير تقوى من الله، وغذى بأفكار الحادية مارقة، أسس على غير تقوى فلا يصح لنا أن نقوم فيه، ولا أن تتعلم فيه، وهذا هو السبب في أن الكثير من المسلمين في الشعوب الإسلامية كانوا يمتنعون عن إرسال أبنائهم إلى المدارس المصطبغة بهذه الصبغة في الأيام الماضية.

وعلى الرغم المحاولات التي بذلت في هذا الموضوع من أجل التقريب بين التعليم المدني وبين الصيغة الدينية وذلك بإدخال بعض المذكرات والمختصرات في العلوم الدينية والعربية هل وصلنا إلى الهدف الذي ننشده من التربية الإسلامية هل وجدنا جيلا صالحا؟ هل رأينا شبابا قويا في إيمانه وعقيدته، قويا في أخلاقه وسلوكه، قويا في رأيه وعمله في الحياة من أجل الإسلام والمسلمين؟ هل رأينا شبابا يهتدي بنور القرآن وهدي الرسول الأمين صلى الله عليه وسلم ويقتدي بالسلف الصالح رضوان الله عليه؟

إن الحكم على التعليم المدني إنما يكون بحسب النتيجة والمشاهدة، وقديما قيل: إنما تعرف الشجرة بثمرها.

وسنضع الآن الثمرة على بساط البحث والمشاهدة، ولنشترك جميعا في رؤيتها بالمنظار المكبر.

إننا الآن أمام مرحلتين من أجل بناء المجد الإسلامي، وإعادة تكوين الأمة الإسلامية الخالدة ذات التاريخ المجيد، المرحلة الأولى مرحلة التطهير والتصفية من آثار الاستعمار عامة، والمرحلة الثانية مرحلة البناء الجديد على أساس من الكتاب والسنة وعمل الصحابة رضوان الله عليهم على أساس من التقوى وحسن الصلة بالله على أساس من القوة العامة قوة الإيمان، وقوة العمل، قوة العلم، وقوة الاختراع والابتكار.

فالمسلم يرى الكون كله مجالا للعمل لما يرضى الله تبارك وتعالى، فهو خليفة الله في أرضه، فلا بد أن يمسك مقاليد الخلافة بعزم، يأخذ الكتاب بقوة، حتى يصدق عليه قول الله تبارك وتعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} .

المرحلة الأولى وهي مرحلة التصفية والتطهير من آثار الاستعمار عامة وفي مناهج التعليم خاصة.

لقد خلف الاستعمار تركة خبيثة في كثير من المجالات وأهمها:

الناحية التشريعية والقضائية.

أولا:

الناحية النسائية وبعدها عن الدين، وعدم تمسكها بالآداب الإسلامية.

ثانيا:

بعد الشباب عن التمسك بالأخلاق الكريمة.

ثالثا:

أجهزة الإعلام.

رابعا:

تشويه الثقافة الإسلامية.

خامسا:

ثنائية التعليم، وتمزيقه، وعدم وحدته.

سادسا:

وسنحاول بفضل الله وكرمه وتوفيقه ومعونته والهامة أن نمر على بعض هذه العناصر مرور الحكيم اللبيب، ينظر ويعتبر، ويعالج في حكمة وأناة وصبر وأن نمر على بعضها مر الكرام اكتفاء بالإشارة عن طول العبارة، وفي عبقرية السادة القراء والحمد لله ما يغني عن الإطالة.

الناحية الأولى: وهي الناحية التشريعية، والقضائية:

لقد أنزل الله سبحانه وتعالى القرآن هداية ونورا لكل ما يسعد الإنسان في دنياه وأخراه.

ومن ثمار هذه الهداية الربانية الهداية في الأحكام، ولقد سعدت الأمة الإسلامية في عصورها الزاهية المباركة بنعمة العمل بكتاب الله سبحانه وتعالى، فعرف الناس نعمة الهدوء والأمن والاستقرار، وعاشوا في ظلال حياة وارفة الظلال طيبة الثمار الحياة السعيدة، الحياة الحقة الهادئة الطيبة المباركة، وصدق الله سبحانه وتعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} .

ثم جاءت عصور الضعف، وجاء تلاميذ المدارس الاستعمارية، جاءوا حاكمين وموجهين، فأبعدوا الناس عن كتاب الله وعن نور الله وعن هداية الله، واستعاضوا عنها بالقوانين الوضعية التي هي من صنع البشر وتركوا قوانين السماء المعصومة عن الخطأ ، أعرضوا عن هدي الله وعن نوره، فماذا كانت النتيجة؟! لقد كثرت حوادث السرقة وتعددت جرائم السلب والنهي، واجترأ اللصوص على القتل من أجل المال ومن أجل السرقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت