فهرس الكتاب

الصفحة 1596 من 3028

والاعتراض على حكم المرتد شنشنة قديمة نعرفها من العصرانيين الذين يخجلون من أحكام دينهم، ولقد أعجبني ردٌ للشيخ أحمد شاكر -رحمه الله- على واحدٍ من هؤلاء (43) قد اعترض على هذا الحكم زمن الشيخ ، فقال الشيخ:(تحدث المؤلف عن عقوبة الاعتداء على الدين بالردة"حديثًا غريبًا، لا ندري ما وجهه! فكان مما قال:"أما العقاب الدنيوي لهذه الجناية، وهو القتل، فيثبته الفقهاء بحديث يروى عن ابن عباس رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من بدل دينه فاقتلوه . وقد تناول العلماء هذا الحديث بالبحث من جهات: هل المراد من بدل دينه من المسلمين فقط، أو هو يشمل من تنصر بعد أن كان يهوديًا مثلًا؟"إلى أن قال .."وقد يتغير وجه النظر في هذه المسألة، إذا لوحظ أن كثيرًا من العلماء يرى أن الحدود لا تثبت بحديث الآحاد، وأن الكفر بنفسه ليس مبيحًا للدم، وإنما المبيح للدم هو محاربة المسلمين"إلى آخر ما قال!"

أما أولًا: فإن حديث (( من بدل دينه فاقتلوه ) )حديث صحيح لا شك في صحته، والراجح عند العلماء أنه فيمن ارتد عن الإسلام فقط. فاختلاف العلماء في فهمه وذهاب بعضهم إلى أنه عام يشمل غير المرتد، ممن خرج من دين غير الإسلام إلى دين آخر غير الإسلام، لا يكون علة للحديث حتى يبطل كل معناه، كما يريد المؤلف أن يذهب. فإن هذا مذهب عجيب في إبطال السنة ونقض دلالتها على الأحكام، فما من حديث إلا اختلف الناس في تأويله وفهمه، فمصيب ومخطئ.

وأما ثانيًا: فما أعرف"أن كثيرًا من العلماء يرى أن الحدود لا تثبت بأحاديث الآحاد"وما أرى لهذا دليلًا ولا شبه دليل . وإنما يتلاعب بعض المتقدمين ممن يرون نفي السنة كلها، منهم من يصرح، ومنهم من يتحايل بمثل هذه الألفاظ الموهمة. وقد تكفل العلماء بالرد على نفاة الأحاديث، وعلى متأوليها المتلاعبين بها، وعلى من زعم تحكيم اصطلاحات المتكلمين في الشريعة وأدلتها، فيفرقون بين"القطعي"و"الظني"ويزعمون أن الأحاديث كلها من"الظني"وأن"الظن"الذي هو الشك أو نحوه لا يصلح دليلًا. وأنا أعتقد أن الأستاذ المؤلف العلامة يعرف من هذا الشيء الكثير ويعرف أن دلالة الأحاديث الصحيحة دلالة قطعية في مجموعها، وأن اختلاف العلماء على اختلاف الروايات في بعض الشيء منها، لا ينفي حجتها القطعية فيما دل عليه مجموعها، ولا يبطل الاحتجاج بتفاصيلها المختلف فيها في الرواية بعد الاجتهاد في الترجيح. وقد قلت في نحو هذا المعنى في شرحي على"اختصار علوم الحديث"تأليف الحافظ ابن كثير (ص25) "والحق الذي ترجحه الأدلة الصحيحة ما ذهب إليه ابن حزم ومن قال بقوله من أن الحديث الصحيح يفيد العلم القطعي، سواء أكان في أحد الصحيحين أم في غيرهما. وهذا العلم اليقيني علم نظري برهاني، لا يحصل إلا للعالم المتبحر في الحديث، العارف بأحوال الرواة والعلل".

وأما ثالثًا: فإن الأمر بقتل المرتد عن الإسلام لم يثبت بما يسميه المؤلف العلامة"حديث الآحاد"، وإنما هو شيء ثابت بالسنة المتواترة، معلوم من الدين بالضرورة، لم يختلف فيه العلماء، أعني لم يختلفوا في أن"المرتد يقتل"، أعني أنهم لم يختلفوا فيما يسميه الناس في اصطلاحهم اليوم"المبدأ"وإن اختلفوا في بعض التفصيل، تبعًا لاختلاف النظر في التطبيق، تطبيق"المبدأ"على الفروع، وتطبيقه على الحوادث.

نعم ، إن الدستور المصري نص على"حرية الأديان"ففهم الناس أن قصد واضعيه إباحة الردة عن الإسلام لمن شاء وحماية المرتدين، ثم صار هذا كالعقيدة البديهية عندهم، حتى صاروا يرون غيرها منكرًا، يعرفون المنكر، وينكرون المعروف، فأظن أن الأستاذ المؤلف، وهو يلقي هذا الكتاب دروسًا على خريجي كلية الحقوق (طلبة الليسانس) أراد أن يتألفهم ويقرب إليهم أحكام الشريعة حتى لا ينفروا منها، فغلبه ما أراد من ذلك، ليجمع بين ما ورد من الأحاديث في قتل المرتد، وبين ما قرره الدستور طبقًا لمبادئ"التشريع الحديث"!! التي تأكد ضربها على بلادنا بما جاء في معاهدة"منترو".

وإن الأستاذ المؤلف العلامة لأجلّ في نفسي وأعلم، من أن أظن به أنه لم ير الأحاديث الصحيحة التي وردت في ذلك، ولم يقرأها في مصادرها من دواوين الحديث، فيما تلقى من شيوخه وأساتذته كما تلقينا، وفيما قرأ لطلابه ومريديه كما يقرأ شيوخ العلم وأساطينه. ولكنه حين أراد أن يكتب هذا البحث، وجهه حرصه على تألف طلابه ورغبته في إقناعهم بفضل التشريع الإسلامي وجهة أخرى، أنسته شيئًا كثيرًا، وهو العالم الباحث الواسع الاطلاع.

ولقد جاء هو في كتابه (ص128) في نصوص النهي عن القتل بحديث من الأحاديث الواردة في قتل المرتد، قال: (( ومن الأحاديث قوله صلى الله عليه وسلم: لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة ) )وهذا حديث عبدالله بن مسعود في البخاري وغيره.

وقد جاء في معناه أيضًا حديث عثمان بن عفان، حين ثار به الثائرون وحصروه وأرادوا أن يقتلوه، فقال:"وبم يقتلونني؟ إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل كفر بعد إسلامه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفسًا فيقتل بها. فوالله ما أحببت أن لي بديني بدلًا منذ هداني الله، ولا زنيت في جاهلية ولا في إسلام قط، ولا قتلت نفسًا، فبم يقتلونني؟". وأظن أن هذا صريح وواضح في أن عثمان ومن سمعه من الصحابة، وهم عرب يفهمون كلام العرب على وجهه، وهم الذي حضروا التشريع وفهموا مقاصد رسول الله وأسرار الشريعة: فهموا أن الردة عن الإسلام وحدها موجبة لقتل المرتد، فما يظن واحد منهم أن عثمان كان خارجًا على الدولة محاربًا للمسلمين! وهو رئيس الدولة، والذين حرصوا على قتله هم الخارجون المحاربون.

ومن ذلك أيضًا: حديث أبي موسى الأشعري إذ بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم واليًا على اليمن، ثم أتبعه معاذ بن جبل"فلما قدم عليه قال: انزل، وألقى إليه وسادة، وإذا رجل عنده موثق، قال: ما هذا؟ قال: هذا كان يهوديًا فأسلم، ثم راجع دينه فتهوَّد، قال: لا أجلس حتى يُقْتل، قضاء الله ورسوله، فقال: اجلس ، نعم، قال: لا أجلس حتى يُقْتل، قضاء الله ورسوله، ثلاث مرات، فأمر به فقتل". وهذا حكم بَيّن كان في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم) (44) .

الانحراف الثاني عشر: مبالغته في ذم الدولة الأموية:

كقوله:"كارثتان دخلتا المجتمع الإسلامي ولم يعاف منهما حتى الآن: الكارثة الأولى في تسلل بني أمية إلى السلطة …" (في النقد الذاتي، ص304) وقد أداه هذا الغلو في ذمهم إلى لمز معاوية -رضي الله عنه- (كما في كتابه سيكولوجية العنف، ص157) .

وبنو أمية برغم ما قد يقعون فيه من الأخطاء إلا أن دولتهم كانت من أفضل الدول الإسلامية ، وانتشر الإسلام فيها انتشارًا لا يجحده إلا مكابر، فكان الأولى بالدكتور أن يحفظ لهم حسناتهم كما أحصى عليهم أخطاءهم .

وأما معاوية -رضي الله عنه- فيكفيه شرفًا صحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولن يضيره حقد أو عداء الرافضة ومن تابعهم من الجهلة .

الانحراف الثالث عشر: إعجابه الشديد -كشيخه- بغاندي الهندوسي!

بل والإدعاء بأنه أحد"أعلام الإصلاح الاجتماعي"! (ظاهرة المحنة، ص97-98) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت