قلت: انظر -وفقك الله- كيف تضخمت فكرة (السِّلم) في ذهن الدكتور حتى لم يعد يرى سواها أينما اتجهت به قدماه! وتأمل كيف (جيَّر) الركن الخامس من أركان الإسلام في سبيل دعم هذه الفكرة الباطلة ، زاعمًا أن الحج إنما فُرض لإيقاف (الحرب) ! متغافلًا عن أن من فرض الحج لعبادته قد فرض الجهاد أيضًا! فنعوذ بالله من التلبيس .
الانحراف الثالث: دعوته إلى ما يسمى (الحرية الفكرية) !
يقول جلبي معلقًا على قوله تعالى (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة) : (إن الإسلام - بكلمة ثانية - سوف يجاهد من أجل أن يسمح للطرف الآخر الذي لا يؤمن به بالبقاء ، بل بالمحافظة عليه ، بل بحمايته من أجل أن يعبر عن رأيه حتى ولو كان معارضًا للإسلام) (سيكولوجية العنف، ص56) ، ويقول هازئًا من حد الردة في الإسلام!: (لنتصور سيارة تملك إمكانية المشي للأمام فقط، بدون إمكانية الرجوع للخلف، إن هذا يمنع إمكانية المناورة، بل سيجعل حركة السيارة قريبة من المستحيل … الخ ) (المرجع السابق ، ص 127) .
ويقول أيضًا:"المجتمع الإسلامي المكان الوحيد المسموح به بممارسة كل الأفكار، والتقاء كل الثقافات بالتعايش والتعبير" (المرجع السابق، ص234)
ويقول أيضًا:"إن صلاح الكون وجماله بالتنوع والتعددية" (المرجع السابق، ص239) .
ويقول أيضًا:"إن المحافظة على الآخر هي محافظة على الذات" (المرجع السابق، ص244) .
قلت: هذه بعض عبارات الدكتور في تقرير الحرية الفكرية في المجتمع المسلم، وأن الإسلام يقبل الاختلافات بل يحميها!، وهذا يعني أن الإسلام -والعياذ بالله- يقبل أن يُعلن الكافر كفره، والمبتدع بدعته دونما حساب أو عقاب !! وهذا لا يقول به مسلم يفقه دينه.
ومشكلة جلبي ومن يرى رأيه ممن يسمون بالمفكرين المسلمين أنهم لا يفرقون بين إرادة ومشيئة الله الكونية وبين إرادته ومشيئته الشرعية. فهم عندما يرون الكفر والبدع والانحرافات واقعة في المجتمع المسلم في زمان ما يظنون -بجهلهم- أن الله يرضى بهذا وأن الإسلام يُقره، جاهلين أن الأمر قد يقدره الله (كونًا) ؛ لأنه لا شيء يخرج عن قدرته سبحانه، ولكنه تعالى لا يرضاه شرعًا؛ كما قال تعالى (ولا يرضى لعباده الكفر) فالله لا يرضى الكفر (شرعًا) ، رغم وقوعه في الأرض بقدرته (الكونية) .
فوقوع الكفر والانحراف في الأرض ليس مسوغًا للمسلم أن يرضى به أو يقره أو يفرح به ! بل مطلوب منه أن يكافحه بما استطاع .
فهولاء المفكرون عندما يقرؤون التاريخ الإسلامي ويرون أن الفرق المبتدعة؛ كالجهمية والمعتزلة والأشاعرة، بل والفلاسفة، وغيرهم منتشرة في فترة من الفترات، يتخذون من هذا الأمر مدحة للإسلام وأنه يقر الاختلافات الفكرية -زعموا- !! متغافلين عما سبق ذكره.
ومما يشهد لهذا أنه في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وهو القدوة للمسلمين، لم يكن صلى الله عليه وسلم يرضى بهذا الذي رضي به المفكرون، بل حذر صلى الله عليه وسلم من الاختلافات ومن البدع، وأمر بقتال مشركي العرب، وبقتل المرتد -كما سيأتي- وبقتال الخوارج … الخ. فأي حرية فكرية يزعمها الدكتور ؟!
ولا يظنن ظان أن هذا مما يُذم به الإسلام -والعياذ بالله- ، بل هذا مما يُمدح به ؛ لأنه يقود معتنقيه إلى رضا الله -سبحانه- ، ويباعدهم عن الكفر ويحذرهم منه، نفعًا لهم، وقبل هذا كله: ينبغي أن يعلم المسلم أن لله الأمر كله، يحكم ما يشاء، ويفعل ما يريد .
أما اليهود والنصارى من أهل الكتاب فإنهم إنما يُقَرون على كفرهم إذا رضوا بدفع الجزية، والتزام عدم دعوة المسلمين لكفرهم ، ولهم الحماية بموجب عقد (الذمة) بالشروط التي بينها العلماء ، فأي تعبير للرأي المخالف يدعيه الدكتور ؟ !
الانحراف الرابع: أن الدكتور كثيرًا ما يردد: بأن الحق المطلق لا يمتلكه أحد!!
فمن ذلك قوله:"إن الحقيقة النهائية والمطلقة والشمولية لن يملكها أحد" (سيكولوجية العنف، ص243) . ويقول:"ليس كل رأي يصدق في قول الحقيقة أو يرويها أو يزعم قنص الحقيقة الحقيقية النهائية المطلقة، أو يحتكر الوصاية على الحقيقة" (المرجع السابق، ص240) (وانظر: ص101،109)
قلت: هذه الفكرة من الأفكار (الكفرية) -والعياذ بالله- التي تورط بها الدكتور؛ لأنها تساوي بين الحق والباطل، والإسلام والكفر، بدعوى أننا لا ندري في أيٍ تكون (الحقيقة) !! .
فإن كان الدكتور يشك في (إسلامه) -والعياذ بالله- ويظن أنه قد لا يكون فيه الحق! فنحن -ولله الحمد- لا نشك في أن الإسلام هو دين الله الحق الذي يجب على كل إنسي وجني أن يدين الله به، ومن لم يعتنقه فهو كافر.
وأما دعوى (نسبية الحقيقة) فهذه دعوة قد تلقفها الدكتور من الغربيين، انظر لردها مقالًا مفيدًا للأستاذ غازي التوبة في مجلة المجتمع (عدد 1337) بعنوان (بين نسبية الحقيقة والنص القطعي الثبوت والدلالة) (35) جاء فيه قوله:
(والآن أعود إلى نسبية الحقيقة التي تتصادم مع النص القطعي الثبوت القطعي الدلالة الذي يؤدي إلى ثبات الحقيقة، وأتجاوز الظروف التاريخية التي جعلت نسبية الحقيقة جزءًا أساسيًا من ثقافة الغرب، التي تختلف عن ظروفنا التاريخية وأتساءل: هل حقًا ليس هناك ثبات في الحقيقة؟ ومن أين جاء النص القطعي الثبوت القطعي الدلالة في ثقافتنا الإسلامية؟ وما سنده الواقعي في صيرورة الكون؟
إن الإجابة عن الأسئلة السابقة تقتضي أن نقرر أن هناك ثباتًا في الحقيقة، وإلا لما سميت حقيقة، وبشكل أدق جاء الثبات في الحقيقة من ثبات بعض النواميس التي تحكم الكون، ومن الفطرة التي قال الله عنها: (فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله) (36) .
ومن مظاهر الفطرة الثابتة على مدار التاريخ: التعبد، وحب التملك، والتجاذب بين الذكر والأنثى، وإعلاء قيم الصدق والأمانة، وإسفال قيم الكذب والخيانة.. الخ لذلك جاء النص القطعي الثبوت القطعي الدلالة في الشريعة ليعبر عن تلك الحقائق الثابتة المنغرسة في الفطرة، فكانت أحكام العقيدة وأحكام العبادات ثابتة، لأنها تتعلق بفطرة التعبد، وكانت أحكام فرضية الزكاة وتحريم الربا، وتشريع حد السرقة ثابتة، لأنها تتعلق بفطرة حب التملك، وكانت أحكام الخطبة والزواج والطلاق ثابتة لأنها تتعلق بفطرة التجاذب بين الذكر والأنثى، وكانت أحكام مدح الصادقين وإجزال مثوبتهم ثابتة لأنها تتعلق ببعض الأخلاق الفطرية.
وفي النهاية نقول: طالما أن هناك فطرة ثابتة لا تتغير فهناك حقائق ثابتة لا تتغير، وهذا ما قادت الظروف التاريخية أوروبا لإنكاره، وليس بالضرورة أن يكون الصواب مع أوروبا).
قلت: ومما يشهد لهذا ما حكاه الله عن المشركين الذي كانوا يغيرون الحقائق ويدعون نسبيتها ! ويحللون الشهر المحرم عامًا ويحرمونه عامًا آخر، فأنكر الله عليهم ذلك التلاعب بالحقائق ، وقال (إنما النسيء زيادة في الكفر يحلونه عامًا ويحرمونه عامًا ليواطئوا عدة ما حرم الله ، فيحلوا ما حرم الله زُين لهم سوء أعمالهم) .
والدكتور جلبي قد زُين له سوء عمله ، فأصبح يتلاعب بالحقائق ، ويشك فيها، فحق لنا بعدها أن نتلو عليه الآيات الربانية التي فيها ذم (الشكاكين) ؛ كقوله تعالى عن الكفار (وإنهم لفي شك منه مريب) وقوله (بل هم في شك منها بل هم منها عمون) ؛ لعله يتنبه إلى خطورة هذه الفكرة التي تورط بها؛ لأجل الدفاع عن أهل الباطل والكفر والضلال.
ونعوذ بالله أن نكون في (شك) من ديننا، أو أن نساوي بين الإسلام والكفر ، وبين الحق والباطل .
الانحراف الخامس: قوله الشنيع بأن النصوص لا تحل المشاكل !!