وما علم المسكين أنه قد استحسن ذا ورم وأنها محض افتراء وتزوير على الشيخ وقد نزه الله شيخ الإسلام عن هذا الخطل الواضح والجهل الفاضح والخوض في شرع الله بغير علم ولا دراية ولا فهم، ولكن الأمر كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه للحارث بن الأحوص لما قال له أتظن: أن طلحة والزبير كانا على باطل؟ فقال له: (يا حارثه إنه لملبوس عليك إن الحق لا يعرف بالرجال اعرف الحق تعرف أهله) . فهذا الذي طبعها ونشرها ممن لا يعرف الحق إلا بالرجال فهو ملبوس عليه كما قال أمير المؤمنين. لأنه لو عرف الحق في هذا الباب لما راجت عنده هذه الرسالة ولقابلها بالإنكار والرد ونبذها نبذ النواة لأنها تتضمن إبطال فريضة دينية هي ذروة سنام الإسلام، ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله) ، وقد جاء في حديث مرسل (أن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات والعقل الكامل عند حلول الشهوات) فبالبصر النافذ تندفع الشبهة وبالعقل الكامل تندفع الشهوة . وحيث أن ما جاء في هذه الرسالة مخالف لنصوص الكتاب والسنة ولما أجمعت عليه الأمة في الصدر الأول ومخالف أيضًا لما نص عليه شيخ الإسلام نفسه في كتبه المشهورة المتداولة المعروفة لدى الخاص والعام: الجواب الصحيح والصارم المسلول ومنهاج السنة والسياسة الشرعية وغيرها من كتبه التي سنذكر نصه فيها بالحرف ونحيل على الكتاب ليسهل الوقوف عليه لمن أحب ذلك، وليعلم أن هذه الرسالة مزورة عليه ولا تصح نسبتها إليه بوجه من الوجوه وأن من نسبها إليه فقد شارك المفتري في عمله وما يترتب عليه من إثم، وبما أن الله تعالى قد أوجب على أهل العلم البيان وعدم الكتمان في قوله عز من قائل (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه) ولما لم أر من قام بهذا الواجب ولا أعاره من العناية والأهمية جانبًا إلا أنه بلغني أن شيخنا الشيخ سليمان بن سحمان قد رد عليها ولكن أصبح رده غير موجود، وخوفًا من أن يظن أن هذه المسألة من مسائل النزاع فضلًا عن أن يظن أنها من مسائل الإجماع فيغتر بها جاهل لا تفريق له بين الحق والباطل والحالي والعاطل أو يحتج بها ملحد منافق مجادل مشاقق تصديت لبيان ما فيها من فساد وتحريف وإلحاد…. وقد ارتكب واضع هذه الرسالة ومفتريها بعمله هذا أنواعًا من المحرمات والعظايم؛ فمنها الفرية على الله تعالى بأن هذا شرعه ودينه الذي شرعه لعباده وقد قال تعالى (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبًا ليضل الناس بغير علم) ، قال قتاده هي لكل مفتر إلى يوم القيامة . ومنها الإلحاد في آيات الله وأحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم وتأويلها على غير معناها المراد بها. ومنها الكذب على إمام من أئمة المسلمين ونسبة ما لم يقل إليه وقد نقل فيها بعض عبارات من الصارم المسلول وغيره من كتب الشيخ تصرف فيها أسوأ التصرف ليوهم أنها من كلام الشيخ ولكن ركاكة مبانيها وتناقض عباراتها ومعانيها يدل دلالة ظاهرة على أنها لم تصدر من كاتب قدير فضلًا عن عالم نحرير كشيخ الإسلام رحمه الله تعالى، إنه لو فرض أن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أو غيره من أهل العلم المقتدى بهم غلط في مسألة من المسائل مع قيام الدليل من الكتاب والسنة على خلاف ما قاله لم يوافق على ذلك لأنه ليس بمعصوم من الخطأ فهو أسوة غيره من المجتهدين الذين يصيبون وقد يخطئون وهم مأجورون على اجتهادهم في الصواب والخطأ فمن أصاب فله أجران أجر على اجتهاده في تحري الحق وأجر على إصابته، ومن أخطأ فله أجر على اجتهاده في تحري الحق وخطؤه مغفور له؛ لما روى عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر) رواه البخاري. ولكن هذه المسألة ليست من أفراد المسائل التي ربما يحصل فيها الاشتباه ويقع فيها الخطأ ويكون فيه مجال للاجتهاد بل هي أصل من أصول الدين وفرض من فروضه ينبني عليها كثير من أحكامه ولا مجال للاجتهاد فيها لوضوح أدلتها من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة رضوان الله عليهم (20) ، وقد اطلعت على الرسالة المذكورة فاتضح لي ما اتضح للشيخ سليمان بن حمدان رحمه الله من أن الرسالة منحولة على الشيخ وفيها عبارات كثيرة مأخوذة من كتبه، ولقد حرص واضعها على عدم ذكر جهاد الابتداء والطلب بينما الناظر في مؤلفات ابن تيمية المشهورة يجد أن قوله في الجهاد لا يخالف إجماع المسلمين بل يوافقهم وقد نقل بنفسه الإجماع كما تقدم قريبًا ونص على وجوب جهاد الابتداء والطلب في مواضع من كتبه فقال في كتابه القيم الجواب الصحيح (….. فإذا وجب علينا جهاد الكفار بالسيف ابتداء ودفعًا فلأن يجب علينا بيان الإسلام وإعلامه ابتداء ودفعًا لمن يطعن فيه بطريق الأولى والأحرى …) (21) وقال في كتابه الصارم المسلول (…. لما نزلت براءة أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يبتدئ جميع الكفار بالقتال وثنيهم وكتابيهم سواء كَفّوا أم لم يكفوا) (22) .
وبهذا تظهر براءة ابن تيمية من تلك الرسالة المخالفة للإجماع ولأقواله هو بنفسه )) (23)
10.... مبالغته في الاستدلال بقصة ابَنْي آدم -عليه السلام- على مذهب شيخه الفاسد:
كما فعل شيخ جلبي: جودت سعيد من الغلو في قصة ابَنْي آدم -عليه السلام- والاستشهاد بها على مذهبه الفاسد، وبنى على هذه القصة كتابه المشهور (مذهب ابن آدم الأول) ، كذلك صنع تلميذه جلبي، فَحَمَّل هذه القصة من المعاني (الباطلة) مالا تحتمله، ومن ذلك قوله:"عندما استخدم القرآن في قصة ولدي آدم كان يهدف إلى تدشين أسلوب جديد في الصراع الإنساني، وحلّ النزاعات، فبعد أن أعلن إبراهيم عليه السلام إلغاء القربان الإنساني والتضحية به، حمل مع كل إمكانات الانتقال من العالم العتيق وفكره المتخلف، إلى العالم الجديد في تدشين آليات نفسية جديدة، لحلَّ نزاعات الجنس البشري، فولد آدم الأول أراد إزالة فشله، في عدم قبول القربان منه، بالتصفية الجسدية للطرف الآخر، كأسلوب لحل المشكلات (لأقتلنَّك) بالتشديد، ولكن ابن آدم الثاني الذي يمثل حركة انتقال الإنسان من مرحلة الرعي والصيد إلى مجتمع الزراعة والقانون، شرح موقفه بشكل واضح، إنه تخلى عن القوة من طرف واحد، في حركة ذكية لفهم طبيعة التطور الجديدة في مسار الحياة الإنسانية."
في قصة ولدي آدم يجتمع الاتجاهان (الرَّجعي) الذي يريد حلّ مشاكله (بيده) فيقتل، و (التَّقدمي) الذي يرى في تدشين مؤسسة (الدولة) الفرصة التاريخية لأمن المجتمع، ونزع العنف من يد الأفراد، واحتكار الدولة له، وتطبيق القانون، فيقفز الوجود الإنساني إلى عتبة جديدة في تطوير نفسه، في التّخلي عن العنف، داخل مؤسسة الدولة، سواء في مقاومتها، أو الوصول إليها، فلا تزال اللاشرعية باللاشرعية، وهي حركة الأنبياء في التاريخ، (سيكولوجية العنف، ص216-217) .
قلت: هذا من مبالغاتك وتهويلاتك في سبيل نصرة مذهبك الفاسد! ويكفي للرد عليك أن يُقال بأن الذي قصَّ هذه القصة علينا، وهو الله سبحانه وتعالى، هو الذي فرض الجهاد وقتال الكفار! فكيف تزعم أن الله أراد بهذه القصة (تدشين أسلوب جديد في الصراع الإنساني وحل النزاعات) ؟ أليس هذا من الكذب والتلبيس على القارئ؟! عندما حملت هذه القصة القرآنية على معانٍ باطلة قد استقرت في نفسك، وهذا من التفسير بالهوى .