قلت: وهذا ليس على إطلاقه ! بل بعض الصراعات تُحل بالسلام وبالصلح ، وبعضها -وهي الأكثر- لا تحل إلا بالقوة والعنف !! وشاهد هذا من التاريخ القديم والمعاصر كثير لا يخفى على عاقل . فرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قدوتنا لو تعامل بمنهجك هذا مع الكفار لما استجابوا له، ولما خضد شوكتهم ، وكسر هيبتهم، وحل بديارهم .
ولقد أحسن القائل:
دعا المصطفى دهرًا بمكة لم يُجب
وقد لان منه جانبٌ وخطابُ
فلما دعا والسيف صلتٌ بكفه
له أسلموا واستسلموا وأنابوا
وهكذا خلفاؤه لو فعلوا ذلك مع الفرس والروم وغيرهم لما ازدادوا إلا ضعفًا وتراجعًا .
وفي عصرنا الحاضر رأينا السلاح والعنف يحل كثيرًا من الأمور والصراعات المستعصية، فعلى سبيل المثال: حادثة توحيد البلاد السعودية لم تتم -بعد توفيق الله- إلا بهذا ، وإلا لكنا شراذم شتى لو طبقنا فكرة الدكتور! وهكذا توحيد اليمن لم تحله المؤتمرات والحوارات ، إنما حلته أفواه الرشاشات وأزيز العربات والطائرات ! قال الشاعر:
والشر إن تلقه بالخير ضقت به
وإن تلقه بالشر ينحسم
بل شاهد ذلك من الدول التي يزعم الدكتور أنها (متقدمة) واضح جدًا، فهذه الولايات المتحدة لم يتحقق لها هذا الارتفاع الدنيوي في الأرض إلا بسبب خوضها للحروب الطويلة مع مستعمريها من الإنجليز وغيرهم .
ثم مع جاراتها في سبيل توحيد الولايات إلى أن تحررت، ثم تطورت، ثم سيطرت (14) ولو أخذت بمبدئك هذا لما كان لها هذا الشأن .
والأمثلة كثيرة
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى
حتى يراق على جوانبه الدم
6.... إلغاء الحروب وقيام هيئة الأمم المتحدة وغيرها من المؤسسات الدولية هو حلم الأنبياء عند الدكتور!! .
يقول:"إن الجنس البشري بلغ من النضج ما يجعله يحقق الحلم النبوي القديم ، في إلغاء مؤسسة العنف جملة وتفصيلًا ، وكل ما قرب إليها من قول وعمل، والمؤسسات الدولية اليوم هي نطف بدائية لأفكار عظيمة نادى بها الأنبياء"!! (سيكولوجية العنف، ص 151)
قلت: هذا من الافتراء على الأنبياء -عليهم السلام - الذين كان حلمهم ودعوتهم بنص القرآن هو أن يعبد الناس رب العالمين وحده، ولا يشركوا به شيئًا، قال تعالى (ولقد بعثنا في كل أمة رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت) .
وما من نبي إلا وقد مارس (القتال) وأمر به لتحقيق هذا الحلم والهدف، لا كما يُلبّس الدكتور. قال سبحانه (وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا) ، وهذه سيرهم عليهم السلام حافلة بذلك .
أما المؤسسات الدولية فحاشا الأنبياء أن تكون هي أحلامهم ! وما هي إلا مؤسسات صليبية متسترة ، قامت لأجل خدمة مصالح دول الكفر -أخزاها الله، وهذا مما قد تبين صراحة لكل عاقل يتدبر مواقفها المخزية في العالم. (15)
7.... الإسلام (سلمي) عند الدكتور!
يقول الدكتور: محاولًا تقرير فكرته (الباطلة) بإلصاقها بالإسلام"التربية (السلمية) تنطلق من روح الإسلام ، التي تريد المحافظة على الإنسان وليس قتله وتدميره" (المرجع السابق، ص 199) .
قلت: بل التربية (الجهادية) هي التي تنطلق من روح الإسلام التي تريد أن تكون كلمة الله هي العليا في الأرض، وتقتل كل من (يعترض) ذلك، وآيات الكتاب العزيز وأحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم تشهد لهذا، وهي مما يعلمه كل مسلم يقرأ القرآن، فلا نحتاج لبسطها للدكتور الذي لا تخفاه ! ولكنه يتابع هواه !
8.... الدكتور يطالبنا بعدم رد الأذى !
يطالب الدكتور قراءه كثيرًا بـ ( عدم رد الأذى بالأذى) اتباعًا لمنهجه السلمي (المرجع السابق، ص52) .
قلت: وهذا معارض للقرآن الكريم ! يقول الله تعالى (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) ويقول (وجزاء سيئة سيئة مثلها)
فرد الأذى بالأذى لا حرج منه، بل هو مطلوب أحيانًا؛ إذا كان الأذى المقابل لا يندفع إلا به ، كما سبق .
ومع ذلك فالصفح والعفو ( في محله) أفضل، قال سبحانه (وجزاء سيئة سيئة مثلها، فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين* ولمن انتصر من بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل *إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم * ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور) . فهل بعد قول الله من قول ؟ !
9.... الجهاد ليس لنشر الإسلام عند الدكتور !
يقول الدكتور:"الجهاد ليس لنشر الإسلام ، بل لحماية الرأي الآخر، ولتطبيق مبدأ"لا إكراه في الدين"أي دين أو مذهب أو عقيدة ، تركًا أو اعتناقًا، فالجهاد هو لحماية التعددية داخل المجتمع الإسلامي"!! (سيكولوجية العنف، ص12-13) (وانظر: ص 128،155) .
وفي (ص 163) يفتري الدكتور على شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- بأنه يرى بأن الجهاد في الإسلام دفاعي وليس هجوميًا ! بل زاد في الافتراء زاعمًا بأن الشيخ يرى أن الجهاد هو للدفاع (عن المظلوم) ! .
يقول هذا المفتري:"وقرر هذا الإمام ابن تيمية ، وهو أن الجهاد لم يُشرع لنشر الإسلام، بل للدفاع عن المظلوم، ويدخل ضمنه حماية حرية الرأي والعقيدة ، والتعبير داخل المجتمع الإسلامي".
قلت: الدكتور لا يستطيع إلغاء الجهاد من الإسلام بالكلية، نظرًا للأدلة الصريحة الواضحة الكثيرة الواردة في تقريره، ولو استطاع ذلك لفعله دون تردد!! لأن هذا الجهاد يؤرقه وينقض عليه فكرته الباطلة من الأساس ، ويجعلها غريبة على الإسلام والمسلمين .
عندما علم الدكتور ذلك، لجأ إلى طريقة أخرى لإزاحة هذا الجهاد من طريقة، ومحاولة إذابته وتمييعه، وهي أنه وافق إخوانه من المنهزمين بأن الجهاد في الإسلام لم يُشرع إلا للدفاع عن الدولة الإسلامية ، لا لنشر الإسلام في الأرض، ثم زاد الدكتور انحرافًا أو لم يرضه صنيع إخوانه، فزعم أن الجهاد إنما هو للدفاع عن المظلومين في الأرض لا للدفاع عن الدولة الإسلامية !! فزاد ضغثًا على إبالة (16) .
وقضية الجهاد هل هو دفاعي أم هجومي ، هي من القضايا التي أثارها المنهزمون في العصر الحديث استجابة لضغوط الأعداء ، وادعوا أن فيها خلافًا ، وأن الصواب هو أن يكون الجهاد دفاعيًا ، كل هذا استحياء من دينهم أن يعلنوه كما هو دون خوف أو مجاملة لأحد، وكأنهم يسترون عورة من العورات! والعياذ بالله.
وقد تصدى علماء المسلمين في هذا الزمان وبعض الكتاب لهذه الفكرة الباطلة (وهي أن الجهاد في الإسلام دفاعي فقط) ، وبينوا ما فيها من تلبيس وتمييع للدين، كالشيخ سليمان بن سحمان ، والشيخ سليمان بن حمدان، والشيخ عبدالرحمن الدوسري، والشيخ ابن باز -رحمهُ الله-، والشيخ صالح اللحيدان، والشيخ الجعوان، والشيخ قادري، والشيخ عابد سفياني ، وسيد قطب، وأخيه محمد، وعبد الكريم زيدان، وغيرهم.
وخلاصة رأي علماء أهل السنة في هذه المسألة هو ما ذكره الشيخ الألباني -يرحمه الله- في تعليقه على العقيدة الطحاوية (ص 49) ، حيث قال:"اعْلَمْ أن الجهاد على قسمين:"
الأول: فرضُ عين، وهو صد العدو المهاجم لبعض بلاد المسلمين، كاليهود الآن الذين احتلوا فلسطين، فالمسلمون جميعًا آثمون حتى يخرجوهم .