عندهم ما يحتاجونه من المدارس والمرافق ، ويبذلون لهم المنح الدراسية ، ويحرصون على استقدام أفواج الطلاب من مختلف البلاد الإسلامية التي تدين بعقيدة أهل السنة ؛ ليتولوا تعليمهم كما يشاءون فيزينون لهم معتقد التشيع الزائغ ، ويوهمونهم صحة ما هم عليه ، وهكذا يفعل كل من كان على نحلة أو اعتقاد- ولو اتضح خطؤه- في الدعوة إلى أديانهم ، وعدم المبالاة بما يصرفونه على تأسيس تلك المدارس ودور التعليم ، ولا يهمهم ما أنفقوه على التلاميذ ، وما أعطوه لهم من قليل المال وكثيره ؛ ليكون ذلك حافزا لأولئك الجهلة على الانضواء تحت رعايتهم ، والتهافت إلى مدارسهم ودور تعليمهم ، والتلقي عن أساتذتهم ؛ لكون التعليم مجانا ، باسم التعليم والتثقيف ، وإزالة الجهل ، مع ما يبذلون للطلاب ويغرونهم به من المرتبات والجوائز ، والأطعمة المجانية ، والكسوة وإنفاق كل ما يحتاجونه من الكتب والأقلام والدفاتر ، والأدوات المدرسية ، فلا جرم تمكنوا من نيل مقاصدهم ، فوصلوا إلى تبديع وتنصير الفئات والجماعات من شباب المسلمين وكهولهم وشيوخهم ، بهذه الحيل الفاتنة ، وحيث إن تربية الأطفال ينتج عنها التدين بما يلقيه المربي ، واعتقاده أصلا ومنهجا ، يصعب الانفكاك عنه والتخلي عن العمل به ، ولو كان في أصله دينا باطلا ، أو كفرا أو ضلالا ، فإن هذه الحضانة والتربية بأيدي الكفار والمضلين لا تجوز شرعا ، فلا يجوز أن يمكن الكافر من تولي الطفل المسلم حال طفوليته ، ولو كان ذلك الكافر أو المبتدع أباه أو أخاه ، أو قريبه أو نسيبه ، كما أن القريب المسلم إذا كان فاسقا أو عاصيا لا يجوز أن يتولى حضانة الصبي
(الجزء رقم: 53، الصفحة رقم: 160)
المسلم مهما كانت قرابته ؛ لأنه غير موثوق به في أداء الواجب من الحضانة ، ولا حظ للطفل في حضانته ؛ لأنه ينشأ على طريقته ، ويقع فيما وقع فيه . وهذا أمر محسوس ، فإن المطلوب من الحضانة أمر زائد على الغذاء والحفظ البدني ، والتطهير والتنظيف الظاهر ، ذلك الأمر هو التغذية الروحية ، وتنمية الفطرة الدينية ، وتطبيقها عمليا ، فمتى كان المربي أو المعلم منحرفا زائغا في المعتقد ، أو متلبسا بذنب مكفر أو مفسق ، فإنه يظهر حال تلبسه به أمام أولئك الأطفال ، ويوهمهم أن ذلك الذنب حسن أو لا محذور فيه ، فلذلك يشاهد أن المبتدعة كالمعتزلة والرافضة ونحوهم ينشأ أولادهم على معتقدهم الزائغ ، كما أن تارك الصلاة وشارب الخمر والمدخن والزاني وآكل الربا والسارق والقاذف واللعان والطعان ونحوهم يألف أولادهم تلك المعاصي ، ويفعلونها محاكاة لآبائهم ، ويصعب تحويلهم عنها ، حيث نشأوا عليها منذ نعومة أظفارهم ، فلا يعرفون سواها ، ولم يجدوا موجها صالحا في صغرهم ينبههم على خطرها وضررها . فإذا كان هذا في العصاة والمذنبين فكيف بالكفار والمشركين من النصارى والوثنيين والملحدين . وإليك بعض ما قال علماء الإسلام في حضانة الكافر للمسلم وحكمها . قال أبو محمد ابن قدامة في المغني 7 / 612:"ولا تثبت- يعني الحضانة- لكافر على مسلم ، وبهذا قال مالك والشافعي وسوار والعنبري . وقال ابن القاسم وأبو ثور وأصحاب الرأي: تثبت له ؛ لما روي عن عبد الحميد بن جعفر ، عن أبيه عن جده سنن أبو داود الطلاق (2244) ,مسند أحمد بن حنبل (5/446) . رافع بن سنان أنه أسلم وأبت امرأته أن تسلم ، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: ابنتي وهي فطيم أو شبهه . وقال رافع: ابنتي ."
(الجزء رقم: 53، الصفحة رقم: 161)
فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"أقعد ناحية"وقال لها:"اقعدي ناحية"، وقال:"ادعواها"فمالت الصبية إلى أمها ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"اللهم اهدها"فمالت إلى أبيها فأخذها . رواه أبو داود . ولنا: أنها ولاية ، فلا تثبت لكافر على مسلم ، كولاية النكاح والمال ، ولأنها إذا لم تثبت للفاسق فالكافر أولى ، فإن ضرره أكثر ، فإنه يفتنه عن دينه ويخرجه عن الإسلام بتعليمه الكفر وتزيينه له ، وتربيته عليه ، وهذا أعظم الضرر . والحضانة إنما تثبت لحظ الولد ، فلا تشرع على وجه يكون فيه هلاكه وهلاك دينه . فأما الحديث فقد روي على غير هذا الوجه ، ولا يثبته أهل النقل ، وفي إسناده مقال . قال ابن المنذر وفي طبعة التركي: قاله ابن المنذر . وقد يرجحه النقل عن ابن القيم كما يأتي .: ويحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم علم أنها تختار أباها بدعوته ، فكان ذلك خاصا في حقه"ا هـ ."
وهذا الخلاف المذكور وقع فيما إذا كان الكافر قريبا للطفل ، كالأم التي هي أولى بالحضانة ، وأعرف بشئون التنظيف والعناية بالطفل ، وأصبر على حمله وفصاله ، وأعرف بتغذيته ورعاية مصالحه . وقال ابن حزم في المحلى 11 / 742:"الأم أحق"
(الجزء رقم: 53، الصفحة رقم: 162)
بحضانة الولد الصغير والابنة الصغيرة حتى يبلغا المحيض أو الاحتلام أو الإنبات مع التمييز وصحة الجسم ، فإن لم تكن الأم مأمونة في دينها ودنياها نظر لهما بالأحوط في دينهما ثم دنياهما ، فحيثما كانت الحياطة لهما في كلا الوجهين وجبت هنالك ، عند الأب أو الأخ أو الأخت أو العمة أو الخالة ، أو العم أو الخال . وذو الرحم أولى من غيرهم بكل حال ، والدين مغلب على الدنيا . . . والأم الكافرة أحق بالصغيرين مدة الرضاع ، فإذا بلغا من السن والاستغناء ومبلغ الفهم فلا حضانة لكافرة ولا فاسقة . . وأما تقديم الدين فلقول الله عز وجل: سورة المائدة الآية 2 وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وقال تعالى: سورة النساء الآية 135 كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ وقوله تعالى: سورة الأنعام الآية 120 وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ فمن ترك الصغير والصغيرة حيث يدربان على سماع الكفر ، ويتمرنان على جحد نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعلى ترك الصلاة ، والأكل في رمضان ، وشرب الخمر ، والأنس إليها حتى يسهل عليهما شرائع الكفر ، أو على صحبة من لا خير فيه ، والانهماك على البلاء فقد عاون على الإثم والعدوان ، ولم يعاون على البر والتقوى ، ولم يقم بالقسط ، ولا ترك ظاهر الإثم وباطنه ، وهذا حرام ومعصية ، ومن أزالهما عن المكان الذي فيه ما ذكرنا إلى حيث يدربان على الصلاة والصوم ، وتعلم القرآن ، وشرائع الإسلام ، والمعرفة بنبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والتنفير عن
(الجزء رقم: 53، الصفحة رقم: 163)
الخمر والفواحش ، فقد عاون على البر والتقوى ، ولم يعاون على الإثم والعدوان ، وترك ظاهر الإثم وباطنه ، وأدى الفرض في ذلك .