فهرس الكتاب

الصفحة 1539 من 3028

وصرف القلوب أمر محسوس جلي لا شك فيه ، وقد دل على ذلك الحديث المشهور عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: صحيح البخاري الجنائز (1319) ,صحيح مسلم القدر (2658) ,سنن الترمذي القدر (2138) ,سنن أبو داود السنة (4714) ,مسند أحمد بن حنبل (2/275) ,موطأ مالك الجنائز (569) . كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء ، هل تحسون فيها من جدعاء ثم يقول أبو هريرة:"اقرءوا إن شئتم: سورة الروم الآية 30 فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ الحديث رواه البخاري برقم 1385 وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه ، والآية رقم 30 من سورة الروم . فقد أخبر أن الطفل يولد على الفطرة ، وهي الحنيفية السمحة ، فلو ترك وفطرته لعرف أن له ربا خالقا مالكا متصرفا ، وعرف أن الذي خلقه ورزقه وسخر له الأبوين ، وكمل خلقه ، أن له عليه حقوقا وعبادات ، كما على العبد لمالكه . ثم أخبر أنه ينصرف وينحرف عن تلك الفطرة بما ألفى عليه أبويه ، حيث نشأ معهما وتلقى عنهما ما يدينان به من يهودية أو نصرانية أو مجوسية ، أو وثنية أو بوذية أو هندوسية ، أو غيرها من الملل الكفرية ، وهكذا إن كان أبواه يعتقدان عقيدة منحرفة ، كبدعة الرافضة والفلاسفة ، والدروز والباطنية ، والبعثية والنصيرية ، والمعطلة والمشبهة ، والبهائية والقاديانية ، ونحوها ، فإن الأبوين يلقنان أولادهما ما يدينان به ؛ فيتربى الطفل على تلك العقائد الضالة جازما بصحتها ، عازفا عما سواها ، لا يحدث نفسه بالنظر في غيرها ، فيعزب عن باله ما تتكون منه ، وما تحويه من الكفر والضلال ، والانحراف عن الهدي المستقيم ، ولا يتصور ما يرد عليها من الأدلة النيرة التي توضح فسادها ، وقد قال تعالى في اليهود: سورة البقرة الآية 145 وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ"

مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ

(الجزء رقم: 53، الصفحة رقم: 156)

مع أن هذا في شأن القبلة ، وهي فرد من جزئيات الديانة ، فكيف بأصل العقيدة ، فقد قال تعالى: سورة البقرة الآية 120 وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ . فمتى تربى شخص منذ حداثته على أخلاق أو عقائد ، ونشأ عليها وألفها ، فإن تحويله عنها من الصعوبة بمكان ، مهما بذلت له المحاولات ، وأقيمت عليه البراهين ، وأوضحت له الحجج التي تنير الحق ، وتبين سفاهة من دان بتلك الأديان الباطلة ، أو انتحل تلك النحل الزائغة ، أو صدق بتلك العقائد المنحرفة: سورة الحج الآية 46 فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ . فرجوع مثل هذا إلى الصواب مع رسوخ الباطل في ذهنه ، شبه المستحيل إلا ما شاء الله . ولما كانت التربية في سن الطفولية لها هذا التأثير في تقويم الإنسان أو انحرافه ، رأينا النصارى والرافضة ونحوهم من أعداء الإسلام والسنة يبذلون كل وسيلة ، ويعملون كل حيلة في الحصول على ولاية وحضانة وتربية أطفال المسلمين ، سيما الذين يفقدون آباءهم بموت أو قتل أو غيبة أو سجن مؤبد أو تشريد ، كما هو حاصل في كثير من البلاد تاركين خلفهم أعدادا كثيرة من الأطفال والذراري ، ممن لا يزالون في سن الطفولية ، فبعد أن يغيب أو يموت الآباء ، ويبقى أولئك الأطفال منقطعين ، لا يجدون من يعولهم أو يرعى شئونهم من قريب أو نسيب ، أو ذي رحم ، أو مسلم يشفق على

(الجزء رقم: 53، الصفحة رقم: 157)

ذرية إخوته المسلمين ، فعند ذلك ينتهز الفرصة أعداء الدين ، من نصارى وشيوعيين ، ويهود وفلاسفة ، ورافضة وقبوريين ، والضلال من المتصوفة وغيرهم ، فيتتبعون أولئك الأطفال في أكواخهم ومساكنهم المتواضعة ، ويغرونهم بالمال ، وبالمنازل الرفيعة ، وينقلونهم من فقر وفاقة وشدة مؤنة إلى رغد عيش ورفاهية وبيوت مكيفة مكملة بكل ما يتمنون ، فيربونهم كما أرادوا ، ويعلمونهم الأديان التي ينتحلونها ، ويتولون تنشئتهم كما يريدون ، ويغسلون أدمغتهم من روح الإسلام ، ومن دينهم الذي ولدوا عليه ، والذي صبر عليه آباؤهم وأجدادهم ، وتمسكوا به وعضوا عليه بالنواجذ حتى فارقوا الدنيا . وبلا شك أن هؤلاء الأطفال متى نشأوا وتربوا على أيدي أولئك الكفار والمبتدعين ، بعيدين عن أهليهم وأوطانهم ، ومقر أديانهم وأديان أسلافهم ، فإنهم يدينون بديانة أولئك المربين والمدربين ، لا يعرفون غيرها ، ولا يخطر ببالهم أن هناك دينا أصلح مما تعلموه ؛ فيصبح أولاد المسلمين كفارا ومشركين ، أو نصارى ويهودا ، أو روافض ومبتدعين ، أو نحو ذلك من الديانات الباطلة ، ويصبحون وبالا على الدين الصحيح ، وأعداء للإسلام الذي هو دين آبائهم وأسلافهم ، والواقع يشهد بذلك . وقد ذكر بعض الدعاة الذين سافروا إلى البلاد النازحة أن أعدادا كبيرة من مسلمي الهند ومسلمي أفغانستان نزحوا إلى قارة أستراليا التي يحكمها النصارى ، فنشأ أولادهم على . دين النصارى ، وتعلموا لغتهم ، ودانوا بما هم عليه ، حيث لم يكن هناك من يعلمهم دين الإسلام ، فتولى النصارى تربيتهم ولقنوهم دين النصرانية .

(الجزء رقم: 53، الصفحة رقم: 158)

فتح المدارس والمستشفيات في بلاد الإسلام:

لقد فكر أعداء الله تعالى فيما يتوصلون به إلى إضلال المسلمين ، ويكسبون به قلوبهم وأبدانهم ، ويغيرون به أديانهم ، فبذلوا كل جهد في التهويد والتنصير ، والإخراج من المعتقد السليم ، والدين القويم ، بعد أن رأوا قوة المسلمين وانتصارهم ، وفتحهم البلاد بعد فتحهم القلوب ، ورأوا أن الدين الصحيح والعقيدة السلفية لا يقوم أمامها قائم ، ولا يستطيع مقاومتها ذو قوة وبأس ومنعة ، فلم يجدوا سوى الغزو الفكري ، والسعي في الصد عن الصراط السوي ، فبذلوا كل ما يستطيعونه من قوة ، وأعملوا كل حيلة ووسيلة ، وكان من بين ما فكروا فيه ، ونجحوا في تفكيرهم ، هو فتح المدارس التبشيرية كما يعبرون ، فأسسوا الكثير من تلك المدارس في بلاد يدين أهلها بالإسلام ، سيما بين الدول الفقيرة التي تعوزها النفقة ، ويهم أحدهم تحصيل القوت الضروري ، فانتهز أولئك المنصرون الفرص في حينها ، وعرضوا عليهم أن يبنوا لهم مدارس ومستشفيات ، ودور تعليم ، وخدعوهم بأن ذلك للرفق بهم والرحمة والإنسانية ، وقاسموهم أنهم لهم ناصحون ، ليعلموا أولادهم ، ويعالجوا مرضاهم ، فصدقهم أولئك الأهالي ، فبادروا وانتهزوا الفرصة ، ولم يهمهم ما بذلوا من الأموال الطائلة في إنشاء المدارس والمعاهد والجامعات ، وما أولوهم من العناية والتربية والتعليم والعلاج ، هذه حيلة النصارى ، ومثلهم الرافضة الذين يدعون الإسلام وهم بعيدون منه ، فقد اشتهر عنهم غزوهم لأغلب البلاد الإسلامية التي يدين أهلها بالسنة ؛ ليصرفوهم إلى عقيدة الرفض والتشيع ، فيؤسسون

(الجزء رقم: 53، الصفحة رقم: 159)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت