وبضد ذلك نرى أن الآباء وأولياء الأمور والمربين والمعلمين متى كانوا منحرفين زائغين ، ظهر الفساد غالبا فيمن تحت أيديهم من الأطفال والذراري ، فينشئون على استعمال السباب والشتم واللعن والقذف والعيب والثلب وسيئ المقال أو على الوقاحة والرذالة والرعونة والجفاء وخشونة الطباع ، أو على الانحراف في الأخلاق والطبائع ، أو على الحسد والظلم والكذب والخيانة والسرقة والاختلاس والفجور وقول الزور ، أو على المعاصي الظاهرة ولو كانت منكرة في العقل والفطرة ، فتراهم يقلدون أكابرهم ومشايخهم في شرب الدخان ، وحلق اللحى ، وتعاطي المسكرات والمخدرات ، والعكوف على سماع الأغاني والملاهي ، والنظر في الصور الفاتنة ، والصحف الماجنة ، والأفلام الهابطة ، ونحو ذلك .
ولا شك أن إظهار أمثال هذه المعاصي أمام النشء الصغير غير المميز ، مما يدفعه إلى التلوث بها ، أو ببعضها ، سواء تهاون والده به بادئ ذي بدء أو حذر منها ، فإذا أعلن فعلها أمام الأطفال والجهال ، حتى نشبوا في تلك الحبائل ، ثم حاول تخليصهم وإنقاذهم منها تعب في ذلك ولم يستطع ، فيندم حين لا ينفع الندم . فلا تسأل عما يحدث من جراء التخلق بمثل هذه الأخلاق الرذيلة ، حيث يتحلى الولد بالعقوق والعصيان ، والمخالفة الظاهرة لولي أمره ، ويصبح كلا على أبويه ، يذيقهما مرارة الحياة ، ويجرعهما غصص الأذى ، حيثما لم يترب على معرفة حق الله تعالى ، وما أمر به في حق الأبوين ، وإنما يسعى في نيل شهوته البهيمية ، واتباع غريزته الدنية ، ونيل ما يهواه ، دون مبالاة
(الجزء رقم: 53، الصفحة رقم: 152)
بحل أو حرمة أو حق لله أو للوالدين ، حيث لا يعرف من العلم والدين ما يردعه أو يمنعه عن العبث بحق ربه وأهله ، كما يعبث الطفل بلعبته .
ولقد كثر هذا الضرب في شباب المسلمين ، فتراهم يتسكعون في الأسواق والطرق ، يعاكسون ، ويمارسون المنكر ، وتجدهم طوال الليل على الأرصفة وأطراف الطرق المتطرفة ، وفي الصحاري وخارج المدن ، يلعبون ويمرحون ، ونرى أحدهم في جلسائه وقد أشعل سيجارته ، وتفيهق في مشيته ، وتحلى كما تتحلى الإناث بالتختم بالذهب أو الضيق من اللباس ، مما يسبب التأنث والانحراف عن شيم الرجال وشهامتهم ، فنهاية أحد أولئك الكسل والبطالة ، فتراه عاطلا خاملا ، فلا نجاح في الدراسة ، ولا لزوم لعمل مفيد ، ولا حرفة ولا صناعة ، حتى إن الكثير من آبائهم يتمنون لهم الموت سريعا .
وكم حاول بعض الأولياء القضاء على هؤلاء- ولو كانوا أبناءهم- وإعدامهم من الوجود؟ لما يلاقونه من الأذى وسوء المقال ، وتكبد الخسارة ، وإنفاق الأموال الطائلة عليهم ، وهذا هو نتيجة الإهمال في زمن الإمهال ، أو هو أثر التربية السيئة ، والتنشئة على اللهو والباطل ، حتى تمكن فيهم الفساد ، فحاول الولي إقامتهم ولات حين مناص .
حكم تربية الكفار لأولاد المسلمين:
لقد قرأت سابقا ما نشر في جريدة الرياض عدد (5277) وتاريخ 2 / 2 / 1403 هـ تحت عنوان (هل تصح كفالة المسيحي للمسلم) بقلم عبد الله السباك ، الذي ذكر أنه اتفق صدفة بخواجة أسترالي ، وعلم بواسطته أن هناك جمعيات في بلاد النصارى ،
(الجزء رقم: 53، الصفحة رقم: 153)
كبريطانيا وأستراليا وهولندا وكندا والولايات المتحدة ، وأن تلك الجمعيات تعمل ما يكون صرفا لأولاد المسلمين عن دين الإسلام ، وذلك بكفالة الأطفال الذين فقدوا آباءهم ومن يعولهم ، وأنها جعلت لها مراكز في البلدان النامية . . . إلخ .
وأنا أجيب على عنوان المقالة الذي جاء بالاستفهام عن حكم كفالة المسيحي للمسلم ، فأقول: لا يجوز شرعا تمكين الكفار من الولاية على المسلمين ، فإن ديننا الحنيف قد جاء بالتفريق بين الأقارب لأجل الإسلام ، نهى عن موالاة من حاد الله ورسوله ولو كان من الآباء أو الأبناء أو العشيرة فقال تعالى: سورة التوبة الآية 23 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ . وقال تعالى: سورة النساء الآية 144 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ . وقال تعالى: سورة آل عمران الآية 28 لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ .
وأمر الله تعالى بالهجرة من بلاد الكفر ، ومفارقة الأهل والقبيلة ، رغم ما ركب في الفطر من حب الأوطان والتعصب للقبائل؛ فتجب الهجرة والفرار من البلاد التي يعلن فيها الكفر ، ويستذل فيها المسلمون ، ويلقون الأذى ، ويسمعون السخرية والاستهزاء بدينهم وبحرمات الإسلام؛ فيجب عليهم الخروج منها حفاظا على الدين ، وحرصا على التمسك بالعقيدة ، وإعلان العمل بشعائر الإسلام ، وإنما عذر الله من الهجرة المستضعفين بقوله
(الجزء رقم: 53، الصفحة رقم: 154)
تعالى: سورة النساء الآية 98 إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا .
وذلك أن بقاء المسلم بين ظهراني قوم كفار يكون سببا في تعذيبه وأذاه ، وإلحاق الضرر به ، أو سببا في افتتانه ورجوعه عن دينه ، وإذا كان هذا يتصور في الرجل الكبير العاقل ، فكيف بالطفل الصغير الذي لا يميز بين الأديان ، فيجب إبعاد أولاد المسلمين عن ولاية الكفار والمشركين وأهل البدع والمعاصي؛ وذلك لأن كل فرد غالبا يتأثر بالمجتمع الذي يعيش فيه ، ويألف العادات والأعمال والأخلاق المنتشرة الشائعة في الوطن الذي يعيش فيه ، وبين المواطنين الذين ينشأ بين ظهرانيهم ، وتظهر وتنطبع آثارها في ديانته ومعتقده ومعاملاته .
فإن عاش الطفل وتربى في بلاد تحكم بالشرع الشريف ، وتطبقه في العادات والقربات ، فتؤدي الواجبات الدينية ، وتتجنب المحرمات ، وتتنزه عن الجرائم ومساوئ الأخلاق ، فإن هذه الأعمال -ولا بد- سوف تتحكم في ميوله ، ويهواها بقلبه ، ويألفها وينصبغ قلبه بمحبتها ، ويبغض أضدادها وينفر منها ، ويكره أهلها ويمقتهم .
أما إن تربى في مجتمع يظهر الفساد ، ويعتدي على العباد ، ويبطش بغير حق ، ويخالف مقتضى العقل والنقل ، ويستحسن خلاف الشرع ، وينتهك الحرمات ، ويخل بالواجبات ، ويدين بالبدع ، ويستحسنها ويعمل بموجبها ، فإن ذلك الناشئ عادة يكون منهم ، ويعمل كعملهم ، ويعتقد ما يعتقدونه من كفر أو إلحاد أو نفاق ، أو بدع مضللة أو مفسقة ، ويجزم بأن ذلك هو عين الصواب ، وأن ما عداه خطأ وضلال . فتأثير البيئة والمجتمعات في تغيير الفطر
(الجزء رقم: 53، الصفحة رقم: 155)