فما أخسر صفقة من أضاع وقته الثمين وعمره الطويل في غير فائدة دينية أو دنيوية .
وأخسر منه من شغل عمره المديد في ضد الطاعة ، من عكوف على الملاهي ، وسماع للأغاني ، وإنصات لقصص وأضحوكات ، وتماثيل خيالية ،
(الجزء رقم: 53، الصفحة رقم: 147)
نسجتها أيدي الأعداء الألداء ، لهدف إضاعة الأوقات ، واستفراغ الأعمار باسم التسلية والترفية عن النفس ، ترفيها بريئا كما يعبرون: سورة الشعراء الآية 227 وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ .
مسئولية الآباء وأولياء الأمور:
لقد ثبت في الصحيح قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: صحيح البخاري الجمعة (853) ,صحيح مسلم الإمارة (1829) ,سنن الترمذي الجهاد (1705) ,سنن أبو داود الخراج والإمارة والفيء (2928) ,مسند أحمد بن حنبل (2/121) . كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ، فالإمام راع ومسئول عن رعيته ، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عن رعيته الحديث رواه البخاري في مواضع أولها رقم 893 عن ابن عمر، وأخرجه بقية الجماعة. . فرعاية الرجل لأهل بيته هي سياسته لأمرهم ، وإيصالهم حقوقهم الواجبة ، قال الحافظ ابن حجر في الفتح في شرح هذا الحديث انظر الفتح 13 / 113 حيث شرح الحديث هناك.: وجاء من حديث أنس فأعدوا للمسألة جوابا وسنده حسن ، ولابن عدي بسند صحيح عن أنس رضي الله عنه: إن الله سائل كل راع عما استرعاه ، حفظ ذلك أم ضيعه كما في الكامل 1 / 30 7. وقد روى الترمذي كما في تحفة الأحوذي 5 / 361 في الجهاد، باب ما جاء في الإمام. حديث ابن عمر ، وأشار إلى ما في الباب من حديث أبي موسى وأنس ، ثم ذكر أسانيدها ، ورجح فيها الإرسال .
وبالجملة فالحديث صحيح عن ابن عمر وغيره ، ومعلوم أن الرعاية تستلزم الأمانة ، والاجتهاد في حفظ الرعية ، والنظر في المصالح ، والإبعاد عن أسباب الضرر والهلاك ، فإذا شعر
(الجزء رقم: 53، الصفحة رقم: 148)
العبد بأنه مسترعى على أهل بيته ، فإنه يحرص على من استرعاه الله إياهم ، ويبذل جهده في إصلاحهم ، وجلب الخير لهم ، وحراستهم عن الشرور والأضرار وأسباب الهلاك والتردي ، فلا بد أن يعد للسؤال جوابا ، وللجواب صوابا .
كما أن العاقل يعلم أن مصلحته في حماية الرعية التي تحت يده ، حيث إن صلاحهم واستقامتهم يجلب له السعادة ، والحياة الطيبة ، وقرة العين عندما يرى ثمرة عنايته قد أينعت وأسفرت عن ذرية صالحة ، تبر بالوالد ، وتحنو على الولد ، وتطيع الله تعالى ، وتعمل الأسباب في النجاة من عذابه . فإن أصل الرعاية في رعي بهيمة الأنعام أي: إسامتها ، كما قال تعالى: سورة النحل الآية 10 وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ . وقال تعالى: سورة طه الآية 54 كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ .
فرعاة الدواب المأمونون الناصحون يلاحظونها ، ويقصدون بها الأماكن المعشبة ، ويراقبونها بنظرهم ، ويحفظونها عن السباع واللصوص والضياع ، فمتى فرط الراعي في الحفظ والانتباه فإنه مسئول عما ند منها وملزم بالضمان ، وقد قال الشاعر هو أبو مسلم الخراساني، كما في ترجمته في سير أعلام النبلاء 6 53 ، وتاريخ بغداد 10 / 208 .:
ومن رعى غنما في أرض مسبعة ... ونام عنها تولى رعيها الأسد
وهكذا يكون أولياء الأمور متى فرط أحدهم ، وأهمل أولاده ، وغفل عن مصلحة رعيته ، فإنه يعتبر ملوما وسوف يحاسب على
(الجزء رقم: 53، الصفحة رقم: 149)
تفريطه ، ويندم على إهماله ، وبطريق ا لأولى من أفسد رعيته ، ورباهم على سماع الفحشاء والمنكر ، وجلب لهم الأجهزة التي تفسد أخلاقهم ، وتقضي على معنوياتهم ، فإنه مسئول عن إفسادهم وسيندم حين لا ينفع الندم .
القدوة الحسنة والقدوة السيئة:
المعتاد والغالب أن الأبناء والذرية يقتدون بالآباء والمربين والمعلمين ، كما حكى الله ذلك عن أهل الجاهلية في مثل قوله تعالى: سورة الصافات الآية 69 إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ سورة الصافات الآية 70 فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ . وقال تعالى: سورة الزخرف الآية 23 مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ . وقال تعالى عن قوم إبراهيم: سورة الشعراء الآية 74 بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ . وقال تعالى عن قوم هود: سورة الأعراف الآية 70 قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا . وغير ذلك من الآيات .
فالآباء قدوة حسنة أو سيئة لأولادهم ، والاقتداء هو التقليد والاتباع ، والتمسك بما عليه الأسلاف من عقيدة أو عمل . فالمعتاد أن الأبناء يحسنون الظن بآبائهم ، ويتمسكون بما كانوا عليه ، ويعتقدونه سفينة النجاة ، ففي قصة موت أبي طالب لما قال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: صحيح البخاري المناقب (3671) ,صحيح مسلم الإيمان (24) ,سنن النسائي الجنائز (2035) ,مسند أحمد بن حنبل (5/433) . قل: لا إله إلا الله . كلمة أحاج لك بها عند الله قال له الحاضرون من المشركين: أترغب عن
(الجزء رقم: 53، الصفحة رقم: 150)
ملة عبد المطلب ؟ فكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب أخرجه البخاري في الجنائز برقم 1360 وفي تفسير التوبة، ورواه مسلم في الإيمان برقم 39. .
وقد قال عن قوم نوح: سورة المؤمنون الآية 24 مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ . وذلك دليل شدة تمسك الخلف بسنة من سبقهم ، وتصلبهم في ما تلقوه عنهم ، كما قال عن المشركين: سورة سبأ الآية 43 مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ .
ثم إن هناك أخص من التقليد في العقائد ألا وهو تأسي الذرية والأطفال بما عليه المربون وأولياء الأمور ، واتباعهم في أفعالهم وأقوآله م ، دون تفكير في الحسن والقبيح ، والضار والنافع ، والخير والشر ، فمتى كان المربي أو الولي مستقيما متبعا للحق ، فإن من تحت يده غالبا يقتدون به ، فتراهم يحافظون على الصلوات في الجماعة ، ويتقربون بالنوافل ، ويسابقون إلى المساجد ، ويواظبون على الأذكار والأدعية عقب الصلوات المكتوبة ، ويكثرون من ذكر الله تعالى وتلاوة كتابه وتدبره ، ويحبون الخير وأهله ، مقتدين في ذلك بمن يربيهم ويعلمهم ، ويرون أن ذلك هو سبيل النجاة ، وإن لم يكن الولي أو المربي يعلمهم ويلقنهم هذه الفضائل والفوائد ، فأما إن أضاف إلى أفعاله الحسنة النصح والإرشاد ، وتوجيه من تحت يده ، وترغيبهم في فعل الخيرات ، وحثهم على الإكثار من القربات ، فحدث ولا حرج عن تأثرهم وتقبلهم وتلقيهم لنصائحه وإرشاداته ، واطمئنانهم إلى صحة ما
(الجزء رقم: 53، الصفحة رقم: 151)
يهديهم إلى فعله ، وتطبيقهم لكل صغيرة وكبيرة يدعوهم إليها غالبا .