ولا تسأل عن تأثير هذه المرئيات والمسموعات في قلوب الشباب ، على غفلة من الأب أو الولي ، زاعما أن هذا من باب التسلية والترفيه ، وتنشيط النفوس ، وإزالة السآمة والملل ، ونحو ذلك من الأعذار الباردة ، ولم يشعر أن الذين نشروا هذه الملاهي ، وصوروا هذه الأفلام في هذه الآلات والأجهزة ، لهم أهداف سيئة زائدة على هدف الاستغلال ، واكتساح الأموال ، فإنهم قد عرفوا أن المسلمين من العرب وغيرهم ذكورا وإناثا عندهم من الفهم والإدراك ، وقوة الذاكرة ما يمكنهم من معرفة الصناعات ، والقدرة على الاختراع ، والإنتاج الفكري والعملي ، بحيث يستغني المسلمون عما يستوردونه من إنتاج أولئك الكفرة من الصناعات والأجهزة
(الجزء رقم: 53، الصفحة رقم: 137)
والأدوات . . . إلخ ، فتكسد سلعهم ، أو يقل من يحتاج إليها ، مما يضعف اقتصادهم ، ويقلل من الاحتياج إلى إنتاجهم ، فلعل هذا من أشهر مقاصدهم ، فانشغل به شباب المسلمين والعرب ، وصيروه شغلهم الشاغل ، فضاعت أعمارهم فيما لا أهمية له ، أو فيما فيه هلاكهم المعنوي وهم لا يشعرون .
كما أن من أسباب الانحراف كثرة المفسدين ودعاة الضلال الذين وقعوا في شباك الردى ، وتمكن منهم الفساد ، فأحبوا أن يغروا جلساءهم وزملاءهم ، ويوقعوهم فيما وقعوا فيه ولم يستطيعوا التخلص منه ، وهدفهم أن يكثر أشباههم ، ويتمكنوا من الظهور ، ويقل الإنكار عليهم ، ويحتجوا على من أنكر عليهم بفعل الآخرين ، فكثيرا ما ننصح بعض الشباب عن شرب الدخان ، وحلق اللحية ، وسماع الغناء ، فيقول: الناس مثلي كثير؛ أما رأيت غيري ، هذا شيء موجود في العالم ، ألا ينكره غيرك؟! ونحو ذلك .
مع أنهم عند التحقيق يعرفون خطأهم ، وفساد ما اقترفوه ، ولكن لما تمكن ذلك منهم ، وسيطرت تلك العادات عليهم ، واستولى عليهم خلطاؤهم وزملاؤهم ، وتحكمت فيهم تلك الأفعال السيئة ، لم يجدوا بدا من أن يبرروا موقفهم بأن لهم قدوة ، وأن الناس سواهم كثير .
ونحن ننصح أولياء الأمور عن الإهمال والإضاعة لأولادهم وفلذات أكبادهم ، ونقول: إن الواجب على الأب وولي الأمر أن يتفقد جلساء ولده ، ويتحقق من صلاحهم واستقامتهم ، ومتى كانوا أفاضل وعبادا أتقياء ، من خيرة الشباب وأهل الالتزام والعمل الصالح ، أوصاه بملازمتهم ، وحضه على مجالستهم ، وعلى الاقتداء
(الجزء رقم: 53، الصفحة رقم: 138)
بهم ، ومنافستهم ومسابقتهم إلى الخيرات وإلى حلقات العلم والمذاكرة والقراءة ، والحرص على الاستفادة ، وإن كان جلساؤه من أهل السفه واللهو ، وإضاعة الوقت ، وأهل الضحك والمزاح ، فإن عليه أن ينصحه بالبعد عنهم ، ويحذره من الجلوس معهم ، حرصا على الاستفادة من الزمان ، وعلى حفظ الأعمار فيما يعود على الإنسان بالمصلحة في دينه ودنياه .
أما إن كانوا من أهل الفساد والخنا ، وعمل الفواحش وفعل المنكرات ، والانهماك في المحرمات ، فإن صحبتهم تردي بمن صحبهم .
وقد نهى الله تعالى رسوله -صلى الله عليه وسلم- عن مجالسة مثل هؤلاء بقوله تعالى: سورة الأنعام الآية 68 وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ . والأمر لرسوله -صلى الله عليه وسلم- ولكل فرد من أفراد أمته .
والخوض في آيات الله تعالى يعم من يستهزئ بها ، أو يكذب بها ، أو يطعن في صحتها ، أو يعيب أهلها ، ويدخل في الآيات كلام الله تعالى وسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- وأحكام الشرع ، والحلال والحرام ، فكل من خاضوا في ذلك بالباطل حرم الجلوس معهم ، ولو كانوا من المتسمين بالإسلام ، فمن جلس معهم غافلا عن الحكم ثم تذكر ، أو بدءوا بكلام مباح ثم انتقلوا إلى الخوض المنهي عنه ، فإن عليه المبادرة بالقيام عنهم إن لم يتأثروا بالنصح ، ولم يقبلوا المعروف ، وقد نبه الله تعالى المؤمنين على هذا الحكم ، وأكده مرة أخرى بقوله: سورة النساء الآية 140 وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ .
(الجزء رقم: 53، الصفحة رقم: 139)
وهذا وعيد شديد ، وتهديد أكيد ، لمن جلس مع الخائضين في آيات الله ، والمستهزئين بها ، حيث اعتبر من جلس معهم مثلهم ، أي لإقراره وسكوته مع تمكنه من الإنكار ، أو من مبارحة المكان ، والبعد عن أولئك المستهزئين .
ولقد مدح الله تعالى عباده المؤمنين به حقا ، الذين وعدهم بمضاعفة الأجر بقوله: سورة القصص الآية 55 وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ . وقال تعالى: سورة الفرقان الآية 72 وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا .
ويدخل في اللغو الخوض في آيات الله بالباطل والسخرية بالأحكام ، والتكذيب بالآيات ، والطعن في القرآن ونحو ذلك ، فكله من اللغو المنهي عنه ، فمتى اشتملت المجالس على مثل ذلك ، فإن العاقل الذي يريد نجاة نفسه يتركها ، ويربأ بنفسه عن مجالسة أهلها ، حتى لا يعلق به شيء من وضرهم ودنسهم ، فيصعب التخلص منه .
وقد أمر الله تعالى نبيه عليه الصلاة والسلام بمجالسة أهل الصلاح والإصلاح ، والتمسك بالدين الصحيح ، والمؤمنين بالله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- وذلك في مثل قوله تعالى: سورة الكهف الآية 28 وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ . وهؤلاء هم الذين أسلموا قديما ، وفارقوا الكفار ، وقاطعوهم ، فأمر الله نبيه -صلى الله عليه وسلم- بأن يصبر نفسه معهم ، ولا ينظر إلى غيرهم نظرة إكبار
(الجزء رقم: 53، الصفحة رقم: 140)
وإجلال .
وقد روي أن المشركين طلبوا من النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يطرد عنه ضعفاء المسلمين وفقراءهم ، من المماليك والموالي والحلفاء الذين أسلموا معه ، وذكروا أنهم يأنفون عن مجالستهم ، فهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بطردهم طمعا في إسلام أولئك الأكابر من المشركين ليسلم غيرهم ، ولكن الله تعالى نهاه عن طرد أولئك المؤمنين بقوله: سورة الأنعام الآية 52 وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ إلى قوله: سورة الأنعام الآية 52 فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ وفي هذا ترغيب في مجالسة الصالحين ، والقرب منهم ، والاستفادة من علومهم وأعمالهم ، وفي ضمن ذلك التحذير من مجالسة الأشرار والمفسدين ، وأهل الغي والضلال .