لمعان أخرى ورموز غريبة ، يهيئون بها العامة من الناس للتشكك والتذبذب حتى إذا ما تم لهم ذلك انتقلوا بهم انتقالا عقديا مغايرا تماما لمعتقدهم الإسلامي الصحيح ، ألا وهو المعتقد الباطن .
وهذه الفكرة مأخوذة بلا شك من نظرية"المثل والممثول"محمود عبد الرحيم صالح . حركة الشعر في دمشق تحت الحكم الفاطمي ، رسالة دكتوراة . آداب عين شمس ص114 . عند ( أفلاطون ) ، إذ إنه يرى أن ما في العالم الحسي من أشباح يقابلها في العالم العلوي مثل عليا ، وكذلك رأت الباطنية أن في عالم الدين مثلا لممثولات في العالم الروحاني ، وسموا ظاهر الدين مثلا ، وبواطنها الروحانية ممثولا ، وطبقوا هذه النظرية الأفلاطونية على العقيدة الإسلامية وشريعتها الغراء ، وجعلوها معتقدهم الباطني ، وندع العلامة أبا الحسن الندوي من كتاب رجال الدعوة والفكر ( بتصرف ) . يحدثنا عن خطورة هذه النظرية على الإسلام والمسلمين ، يقول:". . . . . لذلك اختاروا للوصول إلى هدفهم أسلوبا لا يزعج المسلمين ولا يثيرهم ، هو الفرق بين الظاهر والباطن عن طريق الصلة القائمة بين الكلمات والمصطلحات الدينية ومعانيها ، فإذا انقطعت هذه الصلة بين الكلمات والمعاني الأصلية وفق تأويلاتهم ، وأصبحت الكلمات لا تدل على معان خاصة كان يدركها المسلمون تسرب الشك ثم الاختلاف إليها ، وأصبحت الأمة الإسلامية بعد ذلك فريسة لكل دعوة وفلسفة".
وسوف ندلل على ذلك ببعض الأمثلة لما أولوه في أركان الإسلام ، عن الأصل الذي سنه الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقد جعلوا أركان الإسلام سبعة بدلا من خمسة على النحو التالي:
1 -الطهارة: يرمز لها إلى إنكار كل المذاهب ما عدا مذهب الإمام ، ويكون التطهير في نظرهم من الذنوب والمعاصي بالحكمة والعلم ، والماء الذي يتطهرون به هو العلم .
2 -الصلاة: هي رمز للدعوة والاتصال بالإمام والتعلق به ، ويعبرون عن الإمام بالقبلة ، وعن ظهوره بطلوع الشمس ، وعن موته بمغيبها .
(الجزء رقم: 24، الصفحة رقم: 341)
3 -الزكاة: هي رمز إلى الحكمة التي ينبغي إيصالها إلى المستحقين وطالبي منهج الحق ، والمال الذي يخرجه المزكي هو العلم الذي ينبغي ألا يبخل به الداعي على من يستحقه ، وقسموا الأموال المزكاة درجات وفق علم وحكمة الداعي ، ولهم في ذلك أقوال كثيرة لا داعي لسردها .
4 -الصيام: هو رمز للإمساك عن كشف الحقائق الخاصة بالمذهب لغير أهلها ، وعدم إفشاء أسرار الدعوة ، ويرمزون بالإفطار عن ظهور الإمام من وراء أصحابه ، وإظهار المعاني الإلهية والسرائر المكنونة ، والعلوم المخزونة .
5 -الحج: يرمزون به إلى زيارة إمام الزمان وقصد الأئمة من آل البيت دون سواهم ، ويؤولون أركان الحج تأويلا باطنيا على النحو التالي:
-الكعبة هي النبي ، وعلي بابها .
-الإحرام: هو الخروج من مذهب الأضداد .
-المزدلفة: هي معرفة قوانين الحكمة .
-النحر والحلق: هما إزالة الباطل وإظهار الحق .
-رمي الجمار هو نفي الشر والظن والوهم من العلوم والأعمال .
-التماس الحجر الأسود: هو قبول الدعوة من الناطق المؤيد .
السعي: هو تميمم الدعوة والوفاء .
وهكذا تلمس التأويل قاعدة أساسية في شتى عقائد الباطنية وتشريعاتها ، وفي تناولهم للقرآن الكريم ، والحديث النبوي الشريف .
والتأويل بهذه الصورة يعد الداء العضال الذي منيت به هذه الفرقة ، وحاولت أن تنفثه في عقول المسلمين في كل وقت ، ولعل أفكار القاديانيين والبهائيين لأكبر دليل على ذلك .
الثالث: نظرية الصدور أو الفيض ، وهذه النظرية من النظريات الواضحة في الفكر الباطني .
(الجزء رقم: 24، الصفحة رقم: 342)
وتعد أحد الأسس التي قامت عليها فكرة الإمامة الدائمة والمطلقة ، فهم يعتبرون أن للعالم أدوارا مختلفة ، وأن الملة القائمة في كل دور تختلف بسنتها وشكلها عن الملة السابقة ، والعالم في نظرهم يمر في سبعة أدوار ، وعلى رأس كل دور نبي ناطق حامل رسالة إلهية ، والأنبياء الستة هم: آدم ، ونوح ، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى ، ومحمد ، وسابع هو المهدي المنتظر ، ويرى الباطنية أن لكل نبي من الأنبياء الستة الأوائل عمدة وأساسا يسمونه ( الصامت ) ، وهو الذي يكشف باطن الشريعة للأشياع ؛ لأنه مستودع علم النبوة ، ويزعمون أيضا أن كل نبي متبوع بسبعة أئمة يبلغ سابعهم في كل دور أعلى مرتبة الإمامة فيصير ناطقا ، وتعمل كل مجموعة سداسية من الأنبياء الصامتين على تدعيم عمل الناطق الذي سبقها ، والتمهيد للناطق الجديد الذي يخلفه ، وهكذا دواليك حتى تقوم الساعة .
وقد ترتب على فكرة الفيض نتائج خطيرة أدلت بدلوها كمعتقد فكري ، ومن أخطر هذه النتائج:
1 -فكرة تعاقب أدوار الأئمة التي لا آخر لها ، ما دام الفيض باقيا ومستمرا ، فالأئمة الناطقون متعاقبون ، وهذا يعني أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - لم يكن خاتم الأنبياء ، ولا آخر من يمثل اكتمال الوحي الإلهي ، وهذه النظرية في حد ذاتها وبلا شك تهدم كيان الإسلام ، وتطمس معالم الرسالة المحمدية التي اختصها الله بالكمال والتمام ، وكانت آخر رسالات السماء سورة المائدة الآية 3 الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا .
وفكرة الفيض التي نادى بها الباطنيون قديما هي نفس الفكرة التي تؤمن بها القاديانية والبهائية ، يقول المرزا غلام أحمد:". . . . فكما ذكرت لكم مرارا أن هذا الكلام الذي أتلوه هو كلام الله بطريق القطع واليقين كالقرآن والتوراة ، وأنا نبي"ظلي ، وبروزي من أنبياء الله ، وتجب على كل مسلم إطاعتي"ثم"
(الجزء رقم: 24، الصفحة رقم: 343)
يضيف قائلا:". . . إنني صادق كموسى وعيسى وداود ومحمد ، وقد أنزل الله لتصديقي آيات سماوية تربو على عشرة آلاف ، وقد شهد لي القرآن ، وشهد لي الرسول ، وقد عين الأنبياء زمان بعثتي ، وذلك هو عصرنا هذا ، والقرآن يعين عصري".
والبهائيون أيضا أخذوا بالفكرة الخبيثة في تعاقب الأدوار ، ويتضح ذلك من تفسيرهم معنى خاتم النبيين ، فقد جاء في كتاب"الراشد والدليل لمعرفة مشارق الوحي ومهابط التنزيل"ما نصه: ( أما معنى خاتم النبيين في آية الأحزاب رقم( 40 ) ، فإن خاتم يقرأ بكسر التاء وفتحها ، أما قراءته بكسر التاء فمعناه آخر من أنبأ من الأنبياء بحضرة بهاء الله ، وبشر به فيما أنزل عليه من القرآن ، وتحدث عنه إلى أصحابه فآخر من بشر به من الأنبياء هو محمد ؛ فإنه هو خاتمهم .
أما قراءة خاتم بفتح التاء فمعناه ما يتختم به ويتزين ، فهذا المعنى أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - بين الأنبياء السابقين حليتهم وزينتهم ، وقد بشر بحضرة بهاء الله ، فرسالات الله جل جلاله لعباده أبدية مستمرة . فمن آمن بشمس الحقيقة حضرة بهاء الله واتبع ما جاء به ، فقد آمن بالله واليوم الآخر ) ، وفي هذا تحريف وافتراء لقوله تعالى: سورة الأحزاب الآية 40 مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ .
2 )ومن نتائج نظرية الفيض أيضا تأثر الباطنيين بنظريات الفيثاغوريين .
إذ اتخذوا من الرقم ( 7 ) صفة مقدسة ، ويتضح ذلك مما يلي:
-جعلوا النظام الكوني والحوادث التاريخية أمرا قائما على هذا العدد ، فيجمعون التجليات كلها في سبع: الله - العقل الكلي - النفس - المادة الأصلية ( الهيولى ) - الفضاء - الزمن - عالم الأرضين والبشر .