فهرس الكتاب

الصفحة 1526 من 3028

وتعد الباطنية من أخطر الحركات المضادة للإسلام بصفة عامة ، ولفريضة الحج بصفة خاصة ، وتكمن خطورتها في مبادئها السرية التي تقوم عليها ، والتي ما زال يكتنفها الغموض حتى يومنا هذا ، إذ ما زالت أمهات كتب المذهب الباطني مجهولة المكان ، وما نشر منها حتى الآن يعد قليلا بجانب المفقود منها أو المختفي في جهات سرية . ومن أجل هذا السبب لم تنقطع الدعوة الباطنية عن الظهور بين الحين ، وتسمى في كل مرة باسم مجددها أو باعثها كتلك الدعوة المسماة بالقاديانية والبهائية ، ومنتحلي النبوة . من أجل هذا يلزمنا أن نقف وقفة متأنية - بقدر ما نعرفه عن الباطنية - تستجلي طبيعة الفكر الباطني ، ونتعرف على منابع الفكر حتى يتسنى لنا فهم الدور الخطير الذي تلعبه الآن هذه الفرق في تشويه العقيدة الإسلامية ، وتمزيق كيان الأمة .

والباطنية إحدى فرق الشيعة المغالية ، التي ظهرت في مطلع القرن الثالث الهجري ، والتي تأثرت تأثيرا كبيرا بالفكر الغنوصي ، الذي

(الجزء رقم: 24، الصفحة رقم: 337)

يشكل نظرية مختلطة من عدة مذاهب وعقائد بشرية من ملامحها: القول بوجود إلهين: إله الخير وإله الشر ، أو النور والظلام ، وتدعو إلى شيوعية النساء والأموال ، واستباحة المحرمات ، وقد غزت هذه الأفكار العالم آنذاك ، وظهرت في ديانة المصريين الفراعنة ، والفرس والآشوريين والبابليين ، والهنود والصين ، وعندما جاءت الديانات السماوية اختلط هذا الفكر بالفكر السماوي ، وكان حصيلة هذا الاختلاط تضاربا في المفاهيم لا حدود له ، كالقول بالحلول والتجسيد ، وقدم العالم ، والتناسخ ، وعبادة الملائكة ، وإنكار بعث الأجساد ، ورد الأرواح إلى الأبد ، إلى غير ذلك من أفكار غايتها الخروج عن الضوابط والقيم والحدود التي شرعتها الديانات السماوية للعباد أنور الجندي . الإسلام والدعوات الهدامة . دار الكتاب اللبناني . بيروت ، ط أولى 1974م ، ص13 . .

ويشير الدكتور علي سامي النشار أن كلمة غنوص ( تعني المعرفة ، ثم اتخذت هذه الكلمة بعد ذلك اصطلاحا خاصا ، مؤداه التوصل إلى المعارف العليا بنوع من الكشف ، أو محاولة تذوق المعارف الإلهية تذوقا مباشرا ، بأن تلقى في النفس إلقاء ، وبمرور الوقت تبلورت مبادئ الغنوصية ، وصارت تجمع عصارات فكر المذاهب الفارسية والسريانية والأفلاطونية والمانوية والزرادشتية والديصانية والمزدكية ) أنور الجندي . الإسلام والدعوات الهدامة . دار الكتاب اللبناني . بيروت ، ط أولى 1974م ، ص15 - 16 . .

وقد قاومت الديانتان اليهودية والمسيحية هجوم الغنوصية ، ولكنهما سلمتا منها بل أسهمت في تشكيل أغلب أفكار هاتين الديانتين حتى يومنا هذا ، أما الإسلام فقد واجهها بعنف منذ ظهور عبد الله بن سبأ ، الذي قال بحلول الإله في بعض عباده ، ورجعتهم بعد موتهم الظاهري ، قال ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد موته ، وعن الإمام علي ، إذ ينكر قتله ، ولو أتوه برأسه ميتا سبعين مرة . وعلى الرغم من مقاومة الإسلام والمسلمين لهذا الغنوصي اليهودي إلا أنه أخذ يتنقل بأفكاره تلك بين العراق ومصر والشام ، ويؤسس الخلايا السرية لهدم الإسلام ، وينضم إليه الكثيرون من الرعاع والحاقدين من اليهود والمجوس والشعوبيين وغيرهم ، إلى أن

(الجزء رقم: 24، الصفحة رقم: 338)

تضخمت هذه الخلايا إبان القرن الثالث الهجري ، واتخذت من سلمية - إحدى بلدان حماة في الشام - وكرا سريا لها .

ويعد ميمون القداح العامل بالقداحة - وهو من اليهود الآخذين بفكر الغنوصية - المؤسس الحقيقي للباطنية ، والذي انضم إلى الشيعة من آل البيت ليناصرهم - على حد زعمه ، ولكنه دس فيه من السموم والإسرائيليات والتأويلات الباطنية ما أصبح من العسر فهمه ، وقد ساعدت فترة الستر التي عاشوها في سلمية على ازدياد ذلك الغموض . وعلى كل حال يمكننا أن نميز ثلاثة أصول قامت عليها الباطنية ومفرزاتها:

الأول: الفلسفة اليونانية وما يتصل بها من مصطلحات ورموز وعلم الإلهيات .

والحقيقة أن علم الإلهيات ذلك ما هو إلا علم الأصنام عند اليونان ، إذ فلسفوه وأضافوا إليه بعض الرموز الفنية ثم توارثتها الأجيال ، حتى وصلت إلينا مترجمة إلى العربية . وهذه الفلسفة بفروعها تعارض بلا شك قواعد التوحيد الإسلامي ؛ لأنها تعارض النبوة والوحي والجزاء ، وقد لجأ إليها المترجمون من السريان واليهود إبان عصر ازدهار الترجمة ؛ ليتخذوا منها وسيلة لهدم الدين ، وإسقاط التكاليف والدعوة إلى الإباحية المطلقة ، وقد انعكس ذلك بالتالي على مقدسات المسلمين وتعطيل أعمال الحج وطمس شعائره .

والعجيب أن المسلمين الأوائل كانوا على حذر من هذه الفلسفة عندما أقبلوا على ترجمة علوم اليونان ، إذ لم يكن دافعهم الترجمة المطلقة ، وإنما أرادوا منها العلوم الطبيعية والرياضيات ، وعارضوا بشدة ترجمة الإلهيات والميتافيزيقا اليونانية ؛ لأنهم كانوا حريصين على ألا يختلط هذا العلم بعلوم الدين الإسلامي حتى تبقى لهذه العلوم الإسلامية طابعها الإيماني الصحيح .

(الجزء رقم: 24، الصفحة رقم: 339)

وقد بدأت طلائع غزو الفلسفة اليونانية لفكرنا الإسلامي مع مجيء"عبد الله بن المقفع"الفارسي المجوسي الذي ادعى الإسلام ، فهو الذي نقل إلى العربية الفكر المجوسي ، وكان تمهيدا لترجمة كتب الإلهيات الوثنية والإغريقية والفارسية ، ومن أبرز كتبه التي ترجمها كتاب"ديستاو"وهو كتاب مزدك الذي يحتوي على جملة عقائده وأفكاره ، كما يعد كتاب"كليلة ودمنة"من أخطر الكتب التي قام بترجمتها ، إذ أضاف إليه بابا من إنشائه سماه"برزويه"أراد به بث سموم المجوسية إلى المسلمين ، فنراه في هذا الباب ينقد الدين ، ويتكلم عن تعارض الأديان ، وعن عدم التوصل إلى اليقين إلا بالعقل وحده ، الذي يعد في نظره أعظم وسيلة للمعرفة علي سامي النشار . مناهج البحث عند مفكري الإسلام ، أنور الجندي . الإسلام والدعوات الهدامة ص26 - 27 . .

وقد تنبه مفكرو المسلمين الأوائل إلى خطورة هذا العمل الذي قام به ابن المقفع ، فنجد البيروني يشير إلى ذلك في كتابه ( تحقيق ما للهند من مقولة ) الإسلام والدعوات الهدامة ص28 . ، ويركز بصفة خاصة على الباب الذي أضافه بعنوان"برزويه"، ويشير إلى دهاء ابن المقفع الذي أراد به تشكيك ضعاف الإيمان في دينهم ، أو الاتجاه بهم إلى الدعوة المانوية ، كما أشار الخليفة العباسي"المهدي"إلى زندقة ابن المقفع قائلا:"وما وجدت كتاب زندقة قط إلا وأصله ابن المقفع"محمود عبد الرحيم صالح . حركة الشعر في دمشق تحت الحكم الفاطمي ، رسالة دكتوراة . آداب عين شمس ص114 . هذا ، وعلى الرغم من إحساس المسلمين الأوائل بخطورة هذا الكتاب إلا أنه للأسف الشديد يلقى في هذا الأيام قبولا وإعجابا ، بل لم يقف بنا إلى هذا الحد ، وإنما يقرر في مدارس بعض البلدان العربية على أنه نموذج من نماذج الأدب الرفيع .

الثاني: التأويل ، ويعد من أهم المبادئ التي قامت عليها أفكار الباطنية . إذ قالوا: إن لظواهر القرآن والأحاديث النبوية بواطن ، ثم ميزوا بين ظواهرها وبواطنها ، وفضلوا الباطن الذي في نظرهم لا يعرفه إلا الإمام أو من ينوب عنه ، من هنا فسروا آيات القرآن تفسيرا باطنيا ، وحرفوا معانيها تحريفا مقصودا يخدم أغراضهم وأفكارهم ، ثم أولوا أركان الشريعة

(الجزء رقم: 24، الصفحة رقم: 340)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت